تسجيل الدخول دائمآ
ط·آ§ط¸â€‍ط·آ¥ط·آ¹ط¸â€‍ط·آ§ط¸â€ ط·آ§ط·ع¾

الـجـروب الـخـاص بـالـمـنـتـدي Silkroad4arab Facebook | Official Group 



القـسـم الإسـلامـى الـعـام [ قسم يهتم ببناء القيم والفضيلة بمجتمعنا الاسلامي بين الشباب المسلم يهتم بثقافتنا الإسلامية فقط ] [ نرجوا عدم التطرق للأمور التي تضر الدين وعدم الافتاء بشي غير موثوق وعدم المساس بأى دين أخر ]

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 05-05-2010, 02:29 PM   #1

HecT000R
كبار الشخصيات



الصورة الرمزية HecT000R


• الانـتـسـاب » Mar 2009
• رقـم العـضـويـة » 59040
• المشـــاركـات » 7,893
• الـدولـة » مطروح / اسكندرية الصحراوى
• الـهـوايـة »
• اسـم الـسـيـرفـر » No Server
• الـجـنـس » Male
• نقـاط التقييم » 58
HecT000R جـيـد

HecT000R غير متواجد حالياً



افتراضي



تفسير سورة المـــــائدة


1
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا

سُورَة الْمَائِدَة [ مَدَنِيَّة وَآيَاتهَا 120 نَزَلَتْ بَعْد الْفَتْح ]
"يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ" الْعُهُود الْمُؤَكَّدَة الَّتِي بَيْنكُمْ وَبَيْن اللَّه وَالنَّاس "أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَة الْأَنْعَام" الْإِبِل وَالْبَقَر وَالْغَنَم أَكْلًا بَعْد الذَّبْح "إلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ" تَحْرِيمه فِي "حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَة" الْآيَة فَالِاسْتِثْنَاء مُنْقَطِع وَيَجُوز أَنْ يَكُون مُتَّصِلًا وَالتَّحْرِيم لِمَا عَرَضَ مِنْ الْمَوْت وَنَحْوه "غَيْر مُحِلِّي الصَّيْد وَأَنْتُمْ حُرُم" أَيْ مُحْرِمُونَ وَنَصْب غَيْر عَلَى الْحَال مِنْ ضَمِير لَكُمْ "إنَّ اللَّه يَحْكُم مَا يُرِيد" مِنْ التَّحْلِيل وَغَيْره لَا اعْتِرَاض عَلَيْهِ




2
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ

"يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِر اللَّه" جَمْع شَعِيرَة أَيْ مَعَالِم دِينه بِالصَّيْدِ فِي الْإِحْرَام "وَلَا الشَّهْر الْحَرَام" بِالْقِتَالِ فِيهِ "وَلَا الْهَدْي" مَا أُهْدِيَ إلَى الْحَرَم مِنْ النِّعَم بِالتَّعَرُّضِ لَهُ "وَلَا الْقَلَائِد" جَمْع قِلَادَة وَهِيَ مَا كَانَ يُقَلَّد بِهِ مِنْ شَجَر الْحَرَم لِيَأْمَن أَيْ فَلَا تَتَعَرَّضُوا لَهَا وَلَا لِأَصْحَابِهَا "وَلَا" تُحِلُّوا "آمِّينَ" قَاصِدِينَ "الْبَيْت الْحَرَام" بِأَنْ تُقَاتِلُوهُمْ "يَبْتَغُونَ فَضْلًا" رِزْقًا "مِنْ رَبّهمْ" بِالتِّجَارَةِ "وَرِضْوَانًا" مِنْهُ بِقَصْدِهِ بِزَعْمِهِمْ الْفَاسِد وَهَذَا مَنْسُوخ بِآيَةِ بَرَاءَة "وَإِذَا حَلَلْتُمْ" مِنْ الْإِحْرَام "فَاصْطَادُوا" أَمْر إبَاحَة "وَلَا يَجْرِمَنكُمْ" يَكْسِبَنكُمْ "شَنَآن" بِفَتْحِ النُّون وَسُكُونهَا بُغْض "قَوْم" لِأَجْلِ "أَنْ صَدُّوكُمْ عَنْ الْمَسْجِد الْحَرَام أَنْ تَعْتَدُوا" عَلَيْهِمْ بِالْقَتْلِ وَغَيْره "وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرّ" بِفِعْلِ مَا أُمِرْتُمْ بِهِ "وَالتَّقْوَى" بِتَرْكِ مَا نُهِيتُمْ عَنْهُ "وَلَا تَعَاوَنُوا" فِيهِ حَذْف إحْدَى التَّاءَيْنِ فِي الْأَصْل "عَلَى الْإِثْم" الْمَعَاصِي "وَالْعُدْوَان" التَّعَدِّي فِي حُدُود اللَّه "وَاتَّقُوا اللَّه" خَافُوا عِقَابه بِأَنْ تُطِيعُوهُ "إنَّ اللَّه شَدِيد الْعِقَاب" لِمَنْ خَالَفَهُ





3
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ

"حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَة" أَيْ أَكْلهَا "وَالدَّم" أَيْ الْمَسْفُوح كَمَا فِي الْأَنْعَام "وَلَحْم الْخِنْزِير وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّه بِهِ" بِأَنْ ذُبِحَ عَلَى اسْم غَيْره "وَالْمُنْخَنِقَة" الْمَيْتَة خَنْقًا "وَالْمَوْقُوذَة" الْمَقْتُولَة ضَرْبًا "وَالْمُتَرَدِّيَة" السَّاقِطَة مِنْ عُلْو إلَى أَسْفَل فَمَاتَتْ "وَالنَّطِيحَة" الْمَقْتُولَة بِنَطْحِ أُخْرَى لَهَا "وَمَا أَكَلَ السَّبُع" مِنْهُ "إلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ" أَيْ أَدْرَكْتُمْ فِيهِ الرُّوح مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاء فَذَبَحْتُمُوهُ "وَمَا ذُبِحَ عَلَى" اسْم "النُّصُب" جَمْع نِصَاب وَهِيَ الْأَصْنَام "وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا" تَطْلُبُوا الْقَسْم وَالْحُكْم "بِالْأَزْلَامِ" جَمْع زَلَم بِفَتْحِ الزَّاي وَضَمّهَا مَعَ فَتْح اللَّام قِدْح بِكَسْرِ الْقَاف صَغِير لَا رِيش لَهُ وَلَا نَصْل وَكَانَتْ سَبْعَة عِنْد سَادِن الْكَعْبَة . عَلَيْهَا أَعْلَام وَكَانُوا يَحْكُمُونَهَا فَإِنْ أَمَرَتْهُمْ ائْتَمَرُوا وَإِنْ نَهَتْهُمْ انْتَهَوْا "ذَلِكُمْ فِسْق" خُرُوج عَنْ الطَّاعَة وَنَزَلَ يَوْم عَرَفَة عَام حَجَّة الْوَدَاع "الْيَوْم يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينكُمْ" أَنْ تَرْتَدُّوا عَنْهُ بَعْد طَمَعهمْ فِي ذَلِك لِمَا رَأَوْا مِنْ قُوَّته "فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي الْيَوْم أَكْمَلْت لَكُمْ دِينكُمْ" أَحْكَامه وَفَرَائِضه فَلَمْ يَنْزِل بَعْدهَا حَلَال وَلَا حَرَام "وَأَتْمَمْت عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي" بِإِكْمَالِهِ وَقِيلَ بِدُخُولِ مَكَّة آمِنِينَ "وَرَضِيت" أَيْ اخْتَرْت "لَكُمْ الْإِسْلَام دِينًا فَمَنْ اُضْطُرَّ فِي مَخْمَصَة" مَجَاعَة إلَى أَيّ شَيْء مِمَّا حُرِّمَ عَلَيْهِ فَأَكَلَهُ "غَيْر مُتَجَانِف" مَائِل "لِإِثْمٍ" مَعْصِيَة "فَإِنَّ اللَّه غَفُور" لَهُ مَا أَكَلَ "رَحِيم" بِهِ فِي إبَاحَته بِخِلَافِ الْمَائِل لِإِثْمٍ أَيْ الْمُتَلَبِّس بِهِ كَقَاطِعِ الطَّرِيق وَالْبَاغِي مَثَلًا فَلَا يَحِلّ لَهُ الْأَكْل






4
يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ

"يَسْأَلُونَك" يَا مُحَمَّد "مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ" مِنْ الطَّعَام "قُلْ أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَات" الْمُسْتَلَذَّات "و" صَيْد "مَا عَلَّمْتُمْ مِنْ الْجَوَارِح" الْكَوَاسِب مِنْ الْكِلَاب وَالسِّبَاع وَالطَّيْر "مُكَلِّبِينَ" حَال مِنْ كَلَّبْت الْكَلْب بِالتَّشْدِيدِ أَيْ أَرْسَلْته عَلَى الصَّيْد "تُعَلِّمُونَهُنَّ" حَال مِنْ ضَمِير مُكَلِّبِينَ أَيْ تُؤَدِّبُونَهُنَّ "مِمَّا عَلَّمَكُمْ اللَّه" مِنْ آدَاب الصَّيْد "فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ" وَإِنْ قَتَلَتْهُ بِأَنْ لَمْ يَأْكُلْنَ مِنْهُ بِخِلَافِ غَيْر الْمُعَلَّمَة فَلَا يَحِلّ صَيْدهَا وَعَلَامَتهَا أَنْ تَسْتَرْسِل إذَا أُرْسِلَتْ وَتَنْزَجِر إذَا زُجِرَتْ وَتُمْسِك الصَّيْد وَلَا تَأْكُل مِنْهُ وَأَقَلّ مَا يُعْرَف بِهِ ثَلَاث مَرَّات فَإِنْ أَكَلَتْ مِنْهُ فَلَيْسَ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَى صَاحِبهَا فَلَا يَحِلّ أَكْله كَمَا فِي حَدِيث الصَّحِيحَيْنِ وَفِيهِ أَنَّ صَيْد السَّهْم إذَا أُرْسِلَ وَذُكِرَ اسْم اللَّه عَلَيْهِ كَصَيْدِ الْمُعَلَّم مِنْ الْجَوَارِح "وَاذْكُرُوا اسْم اللَّه عَلَيْهِ" عِنْد إرْسَاله





5
الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ

"الْيَوْم أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَات" الْمُسْتَلَذَّات "وَطَعَام الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب" أَيْ ذَبَائِح الْيَهُود وَالنَّصَارَى "حِلّ" حَلَال "لَكُمْ وَطَعَامكُمْ" إيَّاهُمْ "حِلّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَات مِنْ وَالْمُؤْمِنَات وَالْمُحْصَنَات" الْحَرَائِر "مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب مِنْ قَبْلكُمْ" حِلّ لَكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ "إذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورهنَّ" مُهُورهنَّ "مُحْصِنِينَ" مُتَزَوِّجِينَ "غَيْر مُسَافِحِينَ" مُعْلِنِينَ بِالزِّنَا بِهِنَّ "وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَان" مِنْهُنَّ تُسِرُّونَ بِالزِّنَا بِهِنَّ "وَمَنْ يَكْفُر بِالْإِيمَانِ" أَيْ يَرْتَدّ "فَقَدْ حَبِطَ عَمَله" الصَّالِح قَبْل ذَلِك فَلَا يُعْتَدّ بِهِ وَلَا يُثَاب عَلَيْهِ "وَهُوَ فِي الْآخِرَة مِنْ الْخَاسِرِينَ" إذَا مَاتَ عَلَيْهِ






6
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ

"يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا قُمْتُمْ" أَيْ أَرَدْتُمْ الْقِيَام "إلَى الصَّلَاة" وَأَنْتُمْ مُحْدِثُونَ "فَاغْسِلُوا وُجُوهكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إلَى الْمَرَافِق" أَيْ مَعَهَا كَمَا بَيَّنَتْهُ السُّنَّة . "وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ" الْبَاء لِلْإِلْصَاقِ أَيْ أَلْصِقُوا الْمَسْح بِهَا مِنْ غَيْر إسَالَة مَاء وَهُوَ اسْم جِنْس فَيَكْفِي أَقَلّ مَا يَصْدُق عَلَيْهِ وَهُوَ مَسْح بَعْض شَعْره وَعَلَيْهِ الشَّافِعِيّ "وَأَرْجُلكُمْ" بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى أَيْدِيكُمْ وَبِالْجَرِّ عَلَى الْجِوَار "إلَى الْكَعْبَيْنِ" أَيْ مَعَهُمَا كَمَا بَيَّنَتْهُ السُّنَّة وَهُمَا الْعَظْمَانِ النَّاتِئَانِ فِي كُلّ رِجْل عِنْد مَفْصِل السَّاق وَالْقَدَم وَالْفَصْل بَيْن الْأَيْدِي وَالْأَرْجُل الْمَغْسُولَة بِالرَّأْسِ الْمَمْسُوح يُفِيد وُجُوب التَّرْتِيب فِي طَهَارَة هَذِهِ الْأَعْضَاء وَعَلَيْهِ الشَّافِعِيّ وَيُؤْخَذ مِنْ السُّنَّة وُجُوب النِّيَّة فِيهِ كَغَيْرِهِ مِنْ الْعِبَادَات "وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا" فَاغْتَسِلُوا "وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى" مَرَضًا يَضُرّهُ الْمَاء "أَوْ عَلَى سَفَر" أَيْ مُسَافِرِينَ "أَوْ جَاءَ أَحَد مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِط" أَيْ أَحْدَثَ "أَوْ لَامَسْتُمْ النِّسَاء" سَبَقَ مِثْله فِي آيَة النِّسَاء "فَلَمْ تَجِدُوا مَاء" بَعْد طَلَبه "فَتَيَمَّمُوا" اقْصِدُوا "صَعِيدًا طَيِّبًا" تُرَابًا طَاهِرًا "فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ" مَعَ الْمِرْفَقَيْنِ "مِنْهُ" بِضَرْبَتَيْنِ وَالْبَاء لِلْإِلْصَاقِ وَبَيَّنَتْ السُّنَّة أَنَّ الْمُرَاد اسْتِيعَاب الْعُضْوَيْنِ بِالْمَسْحِ "مَا يُرِيد اللَّه لِيَجْعَل عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَج" ضِيق بِمَا فَرَضَ عَلَيْكُمْ مِنْ الْوُضُوء وَالْغُسْل وَالتَّيَمُّم "وَلَكِنْ يُرِيد لِيُطَهِّركُمْ" مِنْ الْأَحْدَاث وَالذُّنُوب "وَلِيُتِمّ نِعْمَته عَلَيْكُمْ" بِالْإِسْلَامِ بِبَيَانِ شَرَائِع الدِّين "لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ" نِعَمه






7
وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ

"وَاذْكُرُوا نِعْمَة اللَّه عَلَيْكُمْ" بِالْإِسْلَامِ "وَمِيثَاقه" عَهْده "الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ" عَاهَدَكُمْ عَلَيْهِ "إذْ قُلْتُمْ" لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِين بَايَعْتُمُوهُ "سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا" فِي كُلّ مَا تَأْمُر بِهِ وَتَنْهَى مِمَّا نُحِبّ وَنَكْرَه "وَاتَّقُوا اللَّه" فِي مِيثَاقه أَنْ تَنْقُضُوهُ "إنَّ اللَّه عَلِيم بِذَاتِ الصُّدُور" بِمَا فِي الْقُلُوب فَبِغَيْرِهِ أَوْلَى






8
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا

"يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ" قَائِمِينَ "لِلَّهِ" بِحُقُوقِهِ "شُهَدَاء بِالْقِسْطِ" بِالْعَدْلِ "وَلَا يَجْرِمَنكُمْ" يَحْمِلَنكُمْ "شَنَآن" بُغْض "قَوْم" أَيْ الْكُفَّار "عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا" فَتَنَالُوا مِنْهُمْ لِعَدَاوَتِهِمْ "اعْدِلُوا" فِي الْعَدُوّ وَالْوَلِيّ "هُوَ" أَيْ الْعَدْل "أَقْرَب لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّه إنَّ اللَّه خَبِير بِمَا تَعْمَلُونَ" فَيُجَازِيكُمْ بِهِ





9
وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ

"وَعَدَ اللَّه الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات" وَعْدًا حَسَنًا "لَهُمْ مَغْفِرَة وَأَجْر عَظِيم" هُوَ الْجَنَّة




10
وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ

ثُمَّ قَالَ " وَاَلَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَاب الْجَحِيم " وَهَذَا مِنْ عَدْله تَعَالَى وَحِكْمَته وَحُكْمه الَّذِي لَا يَجُور فِيهِ بَلْ هُوَ الْحَكَم الْعَدْل الْحَكِيم الْقَدِير .



11
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ

"يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اُذْكُرُوا نِعْمَتْ اللَّه عَلَيْكُمْ إذْ هَمَّ قَوْم" هُمْ قُرَيْش "أَنْ يَبْسُطُوا" يَمُدُّوا "إلَيْكُمْ أَيْدِيهمْ" لِيَفْتِكُوا بِكُمْ "فَكَفَّ أَيْدِيهمْ عَنْكُمْ" وَعَصَمَكُمْ مِمَّا أَرَادُوا بِكُمْ






12
وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ

لَمَّا أَمَرَ تَعَالَى عِبَاده الْمُؤْمِنِينَ بِالْوَفَاءِ بِعَهْدِهِ وَمِيثَاقه الَّذِي أَخَذَهُ عَلَيْهِمْ عَلَى لِسَان عَبْده وَرَسُوله مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمَرَهُمْ بِالْقِيَامِ بِالْحَقِّ وَالشَّهَادَة بِالْعَدْلِ وَذَكَّرَهُمْ نِعَمه عَلَيْهِمْ الظَّاهِرَة وَالْبَاطِنَة فَبِمَا هَدَاهُمْ لَهُ مِنْ الْحَقّ وَالْهُدَى شَرَعَ يُبَيِّن لَهُمْ كَيْف أَخَذَ الْعُهُود وَالْمَوَاثِيق عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلهمْ مِنْ أَهْل الْكِتَابَيْنِ : الْيَهُود وَالنَّصَارَى فَلَمَّا نَقَضُوا عُهُوده وَمَوَاثِيقه أَعْقَبَهُمْ ذَلِكَ لَعْنًا مِنْهُ لَهُمْ وَطَرْدًا عَنْ بَابه وَجَنَابه وَحِجَابًا لِقُلُوبِهِمْ عَنْ الْوُصُول إِلَى الْهُدَى وَدِين الْحَقّ وَهُوَ الْعِلْم النَّافِع وَالْعَمَل الصَّالِح فَقَالَ تَعَالَى " وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّه مِيثَاق بَنِي إِسْرَائِيل وَبَعَثْنَا مِنْهُمْ اِثْنَيْ عَشَر نَقِيبًا " يَعْنِي عُرَفَاء عَلَى قَبَائِلهمْ بِالْمُبَايَعَةِ وَالسَّمْع وَالطَّاعَة لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِكِتَابِهِ . وَقَدْ ذَكَرَ اِبْن عَبَّاس عَنْ اِبْن إِسْحَاق وَغَيْر وَاحِد أَنَّ هَذَا كَانَ لَمَّا تَوَجَّهَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام لِقِتَالِ الْجَبَابِرَة فَأُمِرَ بِأَنْ يُقِيم نُقَبَاء مِنْ كُلّ سِبْط نَقِيب قَالَ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق فَكَانَ مِنْ سِبْط روبيل شامون بْن ركون وَمِنْ سِبْط شَمْعُون شافاط بْن حري وَمِنْ سِبْط يهوذا كالب بْن يوفنا وَمِنْ سِبْط تين ميخائيل بْن يُوسُف وَمِنْ سِبْط يُوسُف وَهُوَ سِبْط إفرايم يوشع بْن نُون وَمِنْ سِبْط بِنْيَامِين فلطم بْن دفون وَمِنْ سِبْط زبولون جدي بْن شورى . وَمِنْ سِبْط منشا بْن يُوسُف جدي بْن مُوسَى وَمِنْ سِبْط دان خملائيل بْن حمل . وَمِنْ سِبْط أشار ساطور بْن ملكيل وَمِنْ سِبْط نفثالي بحر بْن وقسي وَمِنْ سِبْط يساخر لايل بْن مكيد وَقَدْ رَأَيْت فِي السِّفْر الرَّابِع مِنْ التَّوْرَاة تَعْدَاد النُّقَبَاء عَلَى أَسْبَاط بَنِي إِسْرَائِيل وَأَسْمَاء مُخَالِفَة لِمَا ذَكَرَهُ اِبْن إِسْحَاق وَاَللَّه أَعْلَمُ قَالَ فِيهَا فَعَلَى بَنِي روبيل اليصور بْن سادون وَعَلَى بَنِي شَمْعُون شموال بْن صورشكي وَعَلَى بَنِي يهوذا الحشون بْن عمياذاب وَعَلَى بَنِي يساخر شال بْن صاعون وَعَلَى بَنِي زبولون الياب بْن حالوب وَعَلَى بَنِي أفرايم منشا بْن عمنهور وَعَلَى بَنِي منشا حمليائيل بْن يرصون وَعَلَى بَنِي بِنْيَامِين أيبدن بْن جدعون وَعَلَى بَنِي دان جعيذر بْن عميشذي وَعَلَى بَنِي أشار نحايل بْن عجران وَعَلَى بَنِي كان السيف بْن دعواييل وَعَلَى بَنِي نفتالي أجذع بْن عمينان وَهَكَذَا لَمَّا بَايَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْأَنْصَار لَيْلَة الْعَقَبَة كَانَ فِيهِمْ اِثْنَا عَشَرَ نَقِيبًا : ثَلَاثَة مِنْ الْأَوْس وَهُمْ : أُسَيْد بْن الْحُضَيْر وَسَعْد بْن خَيْثَمَةَ وَرِفَاعَة بْن عَبْد الْمُنْذِر وَيُقَال : بَدَله أَبُو الْهَيْثَم بْن التَّيْهَان رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَتِسْعَة مِنْ الْخَزْرَج وَهُمْ : أَبُو أُمَامَةَ أَسْعَد بْن زُرَارَة وَسَعْد بْن الرَّبِيع وَعَبْد اللَّه بْن رَوَاحَة وَرَافِع بْن مَالِك بْن الْعَجْلَان وَالْبَرَاء بْن مَعْرُور وَعُبَادَة بْن الصَّامِت وَسَعْد بْن عُبَادَةُ وَعَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن حَرَام وَالْمُنْذِر بْن عُمَر بْن حُنَيْش رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ وَقَدْ ذَكَرَهُمْ كَعْب بْن مَالِك فِي شِعْر لَهُ كَمَا أَوْرَدَهُ اِبْن إِسْحَاق رَحِمَهُ اللَّه وَالْمَقْصُود أَنَّ هَؤُلَاءِ كَانُوا عُرَفَاء عَلَى قَوْمهمْ لَيْلَتَئِذٍ عَنْ أَمْر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُمْ بِذَلِكَ وَهُمْ الَّذِينَ وُلُّوا الْمُعَاقَدَة وَالْمُبَايَعَة عَنْ قَوْمهمْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى السَّمْع وَالطَّاعَة قَالَ الْإِمَام أَحْمَد : حَدَّثَنَا حَسَن بْن مُوسَى حَدَّثَنَا حَمَّاد بْن زَيْد عَنْ مُجَالِد عَنْ الشَّعْبِيّ عَنْ مَسْرُوق قَالَ : كُنَّا جُلُوسًا عِنْد عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود وَهُوَ يُقْرِئنَا الْقُرْآن فَقَالَ لَهُ رَجُل : يَا أَبَا عَبْد الرَّحْمَن هَلْ سَأَلْتُمْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمْ يَمْلِك هَذِهِ الْأُمَّةَ مِنْ خَلِيفَةٍ ؟ فَقَالَ عَبْد اللَّه مَا سَأَلَنِي عَنْهَا أَحَد مُنْذُ قَدِمْت الْعِرَاقَ قَبْلَك ثُمَّ قَالَ : نَعَمْ وَلَقَدْ سَأَلْنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : " اِثْنَا عَشَر كَعِدَّةِ نُقَبَاء بَنِي إِسْرَائِيل " هَذَا حَدِيث غَرِيب مِنْ هَذَا الْوَجْه وَأَصْل هَذَا الْحَدِيث ثَابِت فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيث جَابِر بْن سَمُرَة قَالَ : سَمِعْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : " لَا يَزَال أَمْر النَّاس مَاضِيًا مَا وَلِيَهُمْ اِثْنَا عَشَرَ رَجُلًا " ثُمَّ تَكَلَّمَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَلِمَةٍ خَفِيَتْ عَلَيَّ فَسَأَلْت أَيْ مَاذَا قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ :" كُلّهمْ مِنْ قُرَيْش " وَهَذَا لَفْظ مُسْلِم وَمَعْنَى هَذَا الْحَدِيث الْبِشَارَة بِوُجُودِ اِثْنَيْ عَشَر خَلِيفَة صَالِحًا يُقِيم الْحَقّ وَيَعْدِل فِيهِمْ وَلَا يَلْزَم مِنْ هَذَا تَوَالِيهِمْ وَتَتَابُع أَيَّامهمْ بَلْ قَدْ وُجِدَ مِنْهُمْ أَرْبَعَة عَلَى نَسَقٍ وَهُمْ الْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة : أَبُو بَكْر وَعُمَر وَعُثْمَان وَعَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ وَمِنْهُمْ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز بِلَا شَكٍّ عِنْد الْأَئِمَّة وَبَعْض بَنِي الْعَبَّاس وَلَا تَقُوم السَّاعَة حَتَّى تَكُون وِلَايَتهمْ لَا مَحَالَة وَالظَّاهِر أَنَّ مِنْهُمْ الْمَهْدِيّ الْمُبَشَّر بِهِ فِي الْأَحَادِيث الْوَارِدَة بِذِكْرِهِ فَذَكَرَ أَنَّهُ يُوَاطِئ اِسْمه اِسْم النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاسْمُ أَبِيهِ اِسْمَ أَبِيهِ فَيَمْلَأ الْأَرْض عَدْلًا وَقِسْطًا كَمَا مُلِئَتْ جَوْرًا وَظُلْمًا وَلَيْسَ هَذَا بِالْمُنْتَظَرِ الَّذِي تَتَوَهَّم الرَّافِضَةُ وُجُودَهُ ثُمَّ ظُهُورَهُ مِنْ سِرْدَاب سَامِرَا فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ لَهُ حَقِيقَة وَلَا وُجُود بِالْكُلِّيَّةِ بَلْ هُوَ مِنْ هَوَس الْعُقُول السَّخِيفَة وَتَوَهُّم الْخَيَالَات الضَّعِيفَة وَلَيْسَ الْمُرَاد بِهَؤُلَاءِ الْخُلَفَاء الِاثْنَا عَشَر الْأَئِمَّة الِاثْنَا عَشَرَ الَّذِينَ يَعْتَقِد فِيهِمْ الِاثْنَا عَشَرَ مِنْ الرَّوَافِضِ لِجَهْلِهِمْ وَقِلَّةِ عَقْلهمْ وَفِي التَّوْرَاة الْبِشَارَة بِإِسْمَاعِيل عَلَيْهِ السَّلَام وَأَنْ يُقِيم مِنْ صُلْبه اِثْنَا عَشَرَ عَظِيمًا وَهُمْ هَؤُلَاءِ الْخُلَفَاء الِاثْنَا عَشَر الْمَذْكُورُونَ فِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود وَجَابِر بْن سَمُرَة وَبَعْض الْجَهَلَة مِمَّنْ أَسْلَمَ مِنْ الْيَهُود إِذَا اِقْتَرَنَ بِهِمْ بَعْض الشِّيعَة يُوهِمُونَهُمْ أَنَّهُمْ الْأَئِمَّة الِاثْنَا عَشَرَ فَيَتَشَيَّع كَثِيرٌ مِنْهُمْ جَهْلًا وَسَفَهًا لِقِلَّةِ عِلْمِهِمْ وَعِلْمِ مَنْ لَقَّنَهُمْ ذَلِكَ بِالسُّنَنِ الثَّابِتَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَوْله تَعَالَى " وَقَالَ اللَّه إِنِّي مَعَكُمْ " أَيْ بِحِفْظِي وَكِلَاءَتِي وَنَصْرِي " لَئِنْ أَقَمْتُمْ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمْ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي " أَيْ صَدَّقْتُمُوهُمْ فِيمَا يَجِيئُونَكُمْ بِهِ مِنْ الْوَحْيِ " وَعَزَّرْتُمُوهُمْ " أَيْ نَصَرْتُمُوهُمْ وَوَازَرْتُمُوهُمْ عَلَى الْحَقِّ " وَأَقْرَضْتُمْ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا " وَهُوَ الْإِنْفَاق فِي سَبِيله وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِهِ " لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ " أَيْ ذُنُوبكُمْ أَمْحُوهَا وَأَسْتُرهَا وَلَا أُؤَاخِذكُمْ بِهَا " وَلَأُدْخِلَنَّكُم جَنَّات تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ " أَيْ أَدْفَع عَنْكُمْ الْمَحْذُور وَأُحَصِّل لَكُمْ الْمَقْصُودَ وَقَوْله " فَمَنْ كَفَرَ بَعْد ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيل " أَيْ فَمَنْ خَالَفَ هَذَا الْمِيثَاق بَعْد عَقْدِهِ وَتَوْكِيدِهِ وَشَدِّهِ وَجَحَدَهُ وَعَامَلَهُ مُعَامَلَةَ مَنْ لَا يَعْرِفُهُ فَقَدْ أَخْطَأَ الطَّرِيق الْوَاضِح وَعَدَلَ عَنْ الْهُدَى إِلَى الضَّلَال ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى عَمَّا حَلَّ بِهِمْ مِنْ الْعُقُوبَة عِنْد مُخَالَفَتهمْ مِيثَاقه وَنَقْضهمْ عَهْده .






[/color][/size]فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ

"فَبِمَا نَقْضِهِمْ" مَا زَائِدَة "مِيثَاقهمْ لَعَنَّاهُمْ" أَبْعَدْنَاهُمْ عَنْ رَحْمَتنَا "وَجَعَلْنَا قُلُوبهمْ قَاسِيَة" لَا تَلِين لِقَبُولِ الْإِيمَان "يُحَرِّفُونَ الْكَلِم" الَّذِي فِي التَّوْرَاة مِنْ نَعْت مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغَيْره "عَنْ مَوَاضِعه" الَّتِي وَضَعَهُ اللَّه عَلَيْهَا أَيْ يُبَدِّلُونَهُ "وَنَسُوا" تَرَكُوا "حَظًّا" نَصِيبًا "مِمَّا ذُكِّرُوا" أُمِرُوا "بِهِ" فِي التَّوْرَاة مِنْ اتِّبَاع مُحَمَّد "وَلَا تَزَال" خِطَاب لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "تَطَّلِع" تَظْهَر "عَلَى خَائِنَة" أَيْ خِيَانَة "مِنْهُمْ" بِنَقْضِ الْعَهْد وَغَيْره "إلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ" مِمَّنْ أَسْلَمَ "فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إنَّ اللَّه يُحِبّ الْمُحْسِنِينَ" وَهَذَا مَنْسُوخ بِآيَةِ السَّيْف






14
وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ

"وَمِنْ الَّذِينَ قَالُوا إنَّا نَصَارَى" مُتَعَلِّق بِقَوْلِهِ "أَخَذْنَا مِيثَاقهمْ" كَمَا أَخَذْنَا عَلَى بَنِي إسْرَائِيل الْيَهُود "فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ" فِي الْإِنْجِيل مِنْ الْإِيمَان وَغَيْره وَنَقَضُوا الْمِيثَاق "فَأَغْرَيْنَا" أَوْقَعْنَا "بَيْنهمْ الْعَدَاوَة وَالْبَغْضَاء إلَى يَوْم الْقِيَامَة" بِتَفَرُّقِهِمْ وَاخْتِلَاف أَهْوَائِهِمْ فَكُلّ فِرْقَة تُكَفِّر الْأُخْرَى "وَسَوْفَ يُنَبِّئهُمْ اللَّه" فِي الْآخِرَة "بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ" فَيُجَازِيهِمْ عَلَيْهِ




15
يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ

"يَا أَهْل الْكِتَاب" الْيَهُود وَالنَّصَارَى "قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولنَا" مُحَمَّد "يُبَيِّن لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ" تَكْتُمُونَ "مِنْ الْكِتَاب" التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل كَآيَةِ الرَّجْم وَصِفَته "وَيَعْفُوا عَنْ كَثِير" مِنْ ذَلِكَ فَلَا يُبَيِّنهُ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَصْلَحَة إلَّا افْتِضَاحكُمْ "قَدْ جَاءَكُمْ مِنْ اللَّه نُور" هُوَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "وَكِتَاب" قُرْآن "مُبِين" بَيِّن ظَاهِر




16
يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ

"يَهْدِي بِهِ" أَيْ بِالْكِتَابِ "اللَّه مَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانه" بِأَنْ آمَنَ "سُبُل السَّلَام" طُرُق السَّلَامَة "وَيُخْرِجهُمْ مِنْ الظُّلُمَات" الْكُفْر "إلَى النُّور" الْإِيمَان "بِإِذْنِهِ" بِإِرَادَتِهِ "وَيَهْدِيهِمْ إلَى صِرَاط مُسْتَقِيم" دِين الْإِسْلَام





17
لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ

"لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إنَّ اللَّه هُوَ الْمَسِيح ابْن مَرْيَم" حَيْثُ جَعَلُوهُ إلَهًا وَهُمْ الْيَعْقُوبِيَّة فِرْقَة مِنْ النَّصَارَى "قُلْ فَمَنْ يَمْلِك" أَيْ يَدْفَع "مِنْ" عَذَاب "اللَّه شَيْئًا إنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِك الْمَسِيح ابْن مَرْيَم وَأُمّه وَمَنْ فِي الْأَرْض جَمِيعًا" أَيْ لَا أَحَد يَمْلِك ذَلِكَ وَلَوْ كَانَ الْمَسِيح إلَهًا لَقَدَرَ عَلَيْهِ "وَلِلَّهِ مُلْك السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا بَيْنهمَا يَخْلُق مَا يَشَاء وَاَللَّه عَلَى كُلّ شَيْء" شَاءَهُ




18
وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ

"وَقَالَتْ الْيَهُود وَالنَّصَارَى" أَيْ كُلّ مِنْهُمَا "نَحْنُ أَبْنَاء اللَّه وَأَحِبَّاؤُهُ" أَيْ كَأَبْنَائِهِ فِي الْقُرْب وَالْمَنْزِلَة وَهُوَ كَأَبِينَا فِي الرَّحْمَة وَالشَّفَقَة "قُلْ" لَهُمْ يَا مُحَمَّد "فَلِمَ يُعَذِّبكُمْ بِذُنُوبِكُمْ" إنْ صَدَقْتُمْ فِي ذَلِكَ وَلَا يُعَذِّب الْأَب وَلَده وَلَا الْحَبِيب حَبِيبه وَقَدْ عَذَّبَكُمْ فَأَنْتُمْ كَاذِبُونَ "بَلْ أَنْتُمْ بَشَر مِمَّنْ" مِنْ جُمْلَة مَنْ "خَلَقَ" مِنْ الْبَشَر لَكُمْ مَا لَهُمْ وَعَلَيْكُمْ مَا عَلَيْهِمْ "يَغْفِر لِمَنْ يَشَاء" الْمَغْفِرَة لَهُ "وَيُعَذِّب مَنْ يَشَاء" تَعْذِيبه لَا اعْتِرَاض عَلَيْهِ "وَلِلَّهِ مُلْك السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمَا بَيْنهمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِير" الْمَرْجِع




19
يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ

"يَا أَهْل الْكِتَاب قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولنَا" مُحَمَّد "يُبَيِّن لَكُمْ" شَرَائِع الدِّين "عَلَى فَتْرَة" انْقِطَاع "مِنْ الرُّسُل" إذْ لَمْ يَكُنْ بَيْنه وَبَيْن عِيسَى رَسُول وَمُدَّة ذَلِكَ خَمْسمِائَةٍ وَتِسْع وَسِتُّونَ سَنَة لـ "أَنْ" لَا "تَقُولُوا" إذَا عُذِّبْتُمْ "مَا جَاءَنَا مِنْ" زَائِدَة "بَشِير وَلَا نَذِير فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِير وَنَذِير" فَلَا عُذْر لَكُمْ إذًا "وَاَللَّه عَلَى كُلّ شَيْء قَدِير" وَمِنْهُ تَعْذِيبكُمْ إنْ لَمْ تَتَّبِعُوهُ





20
وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ

"و" اُذْكُرْ "إذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْم اُذْكُرُوا نِعْمَة اللَّه عَلَيْكُمْ إذْ جَعَلَ فِيكُمْ" أَيْ مِنْكُمْ "أَنْبِيَاء وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا" أَصْحَاب خَدَم وَحَشَم "وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنْ الْعَالَمِينَ" مِنْ الْمَنّ وَالسَّلْوَى وَفَلْق الْبَحْر وَغَيْر ذَلِكَ



21
يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا

"يَا قَوْم اُدْخُلُوا الْأَرْض الْمُقَدَّسَة" الْمُطَهَّرَة "الَّتِي كَتَبَ اللَّه لَكُمْ" أَمَرَكُمْ بِدُخُولِهَا وَهِيَ الشَّام "وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَاركُمْ" تَنْهَزِمُوا خَوْف الْعَدُوّ "فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ" فِي سَعْيكُمْ




22
قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا

"قَالُوا يَا مُوسَى إنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ" مِنْ بَقَايَا عَاد طُوَالًا ذِي قُوَّة "وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ" لَهَا





23
قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ

"قَالَ" لَهُمْ "رَجُلَانِ مِنْ الَّذِينَ يَخَافُونَ" مُخَالَفَة أَمْر اللَّه وَهُمَا يُوشَع وَكَالِب مِنْ النُّقَبَاء الَّذِينَ بَعَثَهُمْ مُوسَى فِي كَشْف أَحْوَال الْجَبَابِرَة "أَنْعَمَ اللَّه عَلَيْهِمَا" بِالْعِصْمَةِ فَكَتَمَا مَا اطَّلَعَا عَلَيْهِ مِنْ حَالهمْ إلَّا عَنْ مُوسَى بِخِلَافِ بَقِيَّة النُّقَبَاء فَأَفْشَوْهُ فَجَبُنُوا "اُدْخُلُوا عَلَيْهِمْ الْبَاب" بَاب الْقَرْيَة وَلَا تَخْشَوْهُمْ فَإِنَّهُمْ أَجْسَاد بِلَا قُلُوب "فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ" قَالَا ذَلِكَ تَيَقُّنًا بِنَصْرِ اللَّه وَإِنْجَاز وَعْده





24
قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَا هُنَا

"قَالُوا يَا مُوسَى إنَّا لَنْ نَدْخُلهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْت وَرَبّك فَقَاتِلَا" هُمْ "إنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ" عَنْ الْقِتَال





25
قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ

"قَالَ" مُوسَى حِينَئِذٍ "رَبّ إنِّي لَا أَمْلِك إلَّا نَفْسِي وَأَخِي" وَلَا أَمْلِك غَيْرهمَا فَأُجْبِرهُمْ عَلَى الطَّاعَة "فَافْرُقْ" فَافْصِلْ





26
قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ

"قَالَ" تَعَالَى لَهُ "فَإِنَّهَا" أَيْ الْأَرْض الْمُقَدَّسَة "مُحَرَّمَة عَلَيْهِمْ" أَنْ يَدْخُلُوهَا "أَرْبَعِينَ سَنَة يَتِيهُونَ" يَتَحَيَّرُونَ "فِي الْأَرْض" وَهِيَ تِسْعَة فَرَاسِخ قَالَهُ ابْن عَبَّاس "فَلَا تَأْسَ" تَحْزَن "عَلَى الْقَوْم الْفَاسِقِينَ" رُوِيَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَسِيرُونَ اللَّيْل جَادِّينَ فَإِذَا أَصْبَحُوا إذَا هُمْ فِي الْمَوْضِع الَّذِي ابْتَدَءُوا مِنْهُ وَيَسِيرُونَ النَّهَار كَذَلِكَ حَتَّى انْقَرَضُوا كُلّهمْ إلَّا مَنْ لَمْ يَبْلُغ الْعِشْرِينَ قِيلَ : وَكَانُوا سِتّمِائَةِ أَلْف وَمَاتَ هَارُونَ وَمُوسَى فِي التِّيه وَكَانَ رَحْمَة لَهُمَا وَعَذَابًا لِأُولَئِكَ وَسَأَلَ مُوسَى رَبّه عِنْد مَوْته أَنْ يُدْنِيه مِنْ الْأَرْض الْمُقَدَّسَة رَمْيَة بِحَجَرٍ فَأَدْنَاهُ كَمَا فِي الْحَدِيث وَنَبِّئْ يُوشَع بَعْد الْأَرْبَعِينَ وَأُمِرَ بِقِتَالِ الْجَبَّارِينَ فَسَارَ بِمَنْ بَقِيَ مَعَهُ وَقَاتَلَهُمْ وَكَانَ يَوْم الْجُمُعَة وَوَقَفَتْ لَهُ الشَّمْس سَاعَة حَتَّى فَرَغَ مِنْ قِتَالهمْ وَرَوَى أَحْمَد فِي مُسْنَده حَدِيث إنَّ الشَّمْس لَمْ تُحْبَس عَلَى بَشَر إلَّا لِيُوشَع لَيَالِي سَارَ إلَى بَيْت الْمَقْدِس






27
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ

"وَاتْلُ" يَا مُحَمَّد "عَلَيْهِمْ" عَلَى قَوْمك "نَبَأ" خَبَر "ابْنَيْ آدَم" هَابِيل وَقَابِيل "بِالْحَقِّ" مُتَعَلِّق باُتْلُ "إذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا" إلَى اللَّه وَهُوَ كَبْش لِهَابِيلَ وَزَرْع لِقَابِيلَ "فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدهمَا" وَهُوَ هَابِيل بِأَنْ نَزَلَتْ نَار مِنْ السَّمَاء فَأَكَلَتْ قُرْبَانه "وَلَمْ يُتَقَبَّل مِنْ الْآخَر" وَهُوَ قَابِيل فَغَضِبَ وَأَضْمَرَ الْحَسَد فِي نَفْسه إلَى أَنْ حَجّ آدَم "قَالَ" لَهُ "لَأَقْتُلَنك" قَالَ : لِمَ ؟ قَالَ لِتَقَبُّلِ قُرْبَانك دُونِي





28
لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ

"لَئِنْ" لَام قَسَم "بَسَطْت" مَدَدْت "إلَيَّ يَدك لِتَقْتُلنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِي إلَيْك لِأَقْتُلك إنِّي أَخَاف اللَّه رَبّ الْعَالَمِينَ" فِي قَتْلك





29
إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ

"إنِّي أُرِيد أَنْ تَبُوء" تَرْجِع "بِإِثْمِي" بِإِثْمِ قَتْلِي "وَإِثْمك" الَّذِي ارْتَكَبْته مِنْ قَبْل "فَتَكُون مِنْ أَصْحَاب النَّار" وَلَا أُرِيد أَنْ أَبُوء بِإِثْمِك إذَا قَتَلْتُك فَأَكُون مِنْهُمْ قَالَ تَعَالَى : "وَذَلِكَ جَزَاء الظَّالِمِينَ"






30
فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ

"فَطَوَّعَتْ" زَيَّنَتْ "لَهُ نَفْسه قَتْل أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ" فَصَارَ "مِنْ الْخَاسِرِينَ" بِقَتْلِهِ وَلَمْ يَدْرِ مَا يَصْنَع بِهِ لِأَنَّهُ أَوَّل مَيِّت عَلَى وَجْه الْأَرْض مِنْ بَنِي آدَم فَحَمَلَهُ عَلَى ظَهْره





31
فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ

"فَبَعَثَ اللَّه غُرَابًا يَبْحَث فِي الْأَرْض" يَنْبُش التُّرَاب بِمِنْقَارِهِ وَبِرِجْلَيْهِ وَيُثِيرهُ عَلَى غُرَاب مَيِّت حَتَّى وَارَاهُ "لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي" يَسْتُر "سَوْأَة" جِيفَة "أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَى أَعَجَزْت" عَنْ "أَنْ أَكُون مِثْل هَذَا الْغُرَاب فَأُوَارِي سَوْأَة أَخِي فَأَصْبَحَ مِنْ النَّادِمِينَ" عَلَى حَمْله وَحَفَرَ لَهُ وَوَارَاهُ[/URL][/CENTER]




32
مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ

"مِنْ أَجْل ذَلِكَ" الَّذِي فَعَلَهُ قَابِيل "كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إسْرَائِيل أَنَّهُ" أَيْ الشَّأْن "مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْس" قَتَلَهَا "أَوْ" بِغَيْرِ "فَسَاد" أَتَاهُ "فِي الْأَرْض" مِنْ كُفْر أَوْ زِنًا أَوْ قَطْع طَرِيق أَوْ نَحْوه "فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاس جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا" بِأَنْ امْتَنَعَ عَنْ قَتْلهَا "فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاس جَمِيعًا" قَالَ ابْن عَبَّاس : مِنْ حَيْثُ انْتِهَاك حُرْمَتهَا وَصَوْنهَا "وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ" أَيْ بَنِي إسْرَائِيل "رُسُلنَا بِالْبَيِّنَاتِ" الْمُعْجِزَات "ثُمَّ إنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْد ذَلِكَ فِي الْأَرْض لَمُسْرِفُونَ" مُجَاوِزُونَ الْحَدّ بِالْكُفْرِ وَالْقَتْل وَغَيْر ذَلِكَ





33
إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ

وَنَزَلَ فِي الْعُرَنِيِّينَ لَمَّا قَدِمُوا الْمَدِينَة وَهُمْ مَرْضَى فَأَذِنَ لَهُمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَخْرُجُوا إلَى الْإِبِل وَيَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالهَا وَأَلْبَانهَا فَلَمَّا صَحُّوا قَتَلُوا رَاعِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاسْتَاقُوا الْإِبِل "إنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّه وَرَسُوله" بِمُحَارَبَةِ الْمُسْلِمِينَ "وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْض فَسَادًا" بِقَطْعِ الطَّرِيق "أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّع أَيْدِيهمْ وَأَرْجُلهمْ مِنْ خِلَاف " أَيْ أَيْدِيهمْ الْيُمْنَى وَأَرْجُلهمْ الْيُسْرَى "أَوْ يُنْفَوْا مِنْ الْأَرْض" أَوْ لِتَرْتِيبِ الْأَحْوَال فَالْقَتْل لِمَنْ قَتَلَ فَقَطْ وَالصَّلْب لِمَنْ قَتَلَ وَأَخَذَ الْمَال وَالْقَطْع لِمَنْ أَخَذَ الْمَال وَلَمْ يَقْتُل وَالنَّفْي لِمَنْ أَخَاف فَقَطْ قَالَهُ ابْن عَبَّاس وَعَلَيْهِ الشَّافِعِيّ وَأَصَحّ قَوْلَيْهِ أَنَّ الصَّلْب ثَلَاثًا بَعْد الْقَتْل وَقِيلَ قَبْله قَلِيلًا وَيُلْحَق بِالنَّفْيِ مَا أَشْبَهَهُ فِي التَّنْكِيل مِنْ الْحَبْس وَغَيْره "ذَلِكَ" الْجَزَاء الْمَذْكُور "لَهُمْ خِزْي" ذُلّ "فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَة عَذَاب عَظِيم" هُوَ عَذَاب النَّار





34
إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ

"إلَّا الَّذِينَ تَابُوا" مِنْ الْمُحَارِبِينَ وَالْقُطَّاع "مِنْ قَبْل أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّه غَفُور" لَهُمْ مَا أَتَوْهُ "رَحِيم" بِهِمْ عَبَّرَ بِذَلِك دُون فَلَا تَحُدُّوهُمْ لِيُفِيدَ أَنَّهُ لَا يَسْقُط عَنْهُ بِتَوْبَتِهِ إلَّا حُدُود اللَّه دُون حُقُوق الْآدَمِيِّينَ كَذَا ظَهَرَ لِي وَلَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لَهُ وَاَللَّه أَعْلَم فَإِذَا قَتَلَ وَأَخَذَ الْمَال يُقْتَل وَيُقْطَع وَلَا يُصْلَب وَهُوَ أَصَحّ قَوْلَيْ الشَّافِعِيّ وَلَا تُفِيد تَوْبَته بَعْد الْقُدْرَة عَلَيْهِ شَيْئًا وَهُوَ أَصَحّ قَوْلَيْهِ أَيْضًا





35
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ

"يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّه" خَافُوا عِقَابه بِأَنْ تُطِيعُوهُ "وَابْتَغُوا" اُطْلُبُوا "إلَيْهِ الْوَسِيلَة" مَا يُقَرِّبكُمْ إلَيْهِ مِنْ طَاعَته "وَجَاهِدُوا فِي سَبِيله" لِإِعْلَاءِ دِينه "لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ" تَفُوزُونَ






36
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ

"إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ" ثَبَتَ "أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْض جَمِيعًا وَمِثْله مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَاب يَوْم الْقِيَامَة مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَاب أَلِيم"





37
يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ

"يُرِيدُونَ" يَتَمَنَّوْنَ "أَنْ يَخْرُجُوا مِنْ النَّار وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَاب مُقِيم" دَائِم





38
وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ

"وَالسَّارِق وَالسَّارِقَة" أَلْ فِيهِمَا مَوْصُولَة مُبْتَدَأ وَلِشَبَهِهِ بِالشَّرْطِ دَخَلَتْ الْفَاء فِي خَبَره وَهُوَ "فَاقْطَعُوا أَيْدِيهمَا" أَيْ يَمِين كُلّ مِنْهُمَا مِنْ الْكُوع وَبَيَّنَتْ السُّنَّة أَنَّ الَّذِي يُقْطَع فِيهِ رُبُع دِينَار فَصَاعِدًا وَأَنَّهُ إذَا عَادَ قُطِعَتْ رِجْله الْيُسْرَى مِنْ مَفْصِل الْقَدَم ثُمَّ الْيَد الْيُسْرَى ثُمَّ الرِّجْل الْيُمْنَى وَبَعْد ذَلِكَ يُعَزَّر "جَزَاء" نُصِبَ عَلَى الْمَصْدَر "بِمَا كَسَبَا نَكَالًا" عُقُوبَة لَهُمَا "مِنْ اللَّه وَاَللَّه عَزِيز" غَالِب عَلَى أَمْره "حَكِيم" فِي خَلْقه .





39
فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ

"فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْد ظُلْمه" رَجَعَ عَنْ السَّرِقَة "وَأَصْلَحَ" عَمَله "فَإِنَّ اللَّه يَتُوب عَلَيْهِ إنَّ اللَّه غَفُور رَحِيم" فِي التَّعْبِير بِهَذَا مَا تَقَدَّمَ فَلَا يَسْقُط بِتَوْبَتِهِ حَقّ الْآدَمِيّ مِنْ الْقَطْع وَرَدّ الْمَال نَعَمْ بَيَّنَتْ السُّنَّة أَنَّهُ إنْ عَفَا عَنْهُ قَبْل الرَّفْع إلَى الْإِمَام سَقَطَ الْقَطْع وَعَلَيْهِ الشَّافِعِيّ





40
أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ

"أَلَمْ تَعْلَم" الِاسْتِفْهَام فِيهِ لِلتَّقْرِيرِ "أَنَّ اللَّه لَهُ مُلْك السَّمَوَات وَالْأَرْض يُعَذِّب مَنْ يَشَاء" تَعْذِيبه "وَيَغْفِر لِمَنْ يَشَاء" الْمَغْفِرَة لَهُ "وَاَللَّه عَلَى كُلّ شَيْء قَدِير" وَمِنْهُ التَّعْذِيب وَالْمَغْفِرَة





41
يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ

"يَا أَيّهَا الرَّسُول لَا يَحْزُنك" صُنْع "الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْر" يَقَعُونَ فِيهِ بِسُرْعَةٍ أَيْ يُظْهِرُونَهُ إذَا وَجَدُوا فُرْصَة "مِنْ" لِلْبَيَانِ "الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ" بِأَلْسِنَتِهِمْ مُتَعَلِّق بِقَالُوا "وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبهمْ" وَهُمْ الْمُنَافِقُونَ "وَمِنْ الَّذِينَ هَادُوا" قَوْم "سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ" الَّذِي افْتَرَتْهُ أَحْبَارهمْ سَمَاع قَبُول "سَمَّاعُونَ" مِنْك "لِقَوْمٍ" لِأَجْلِ قَوْم "آخَرِينَ" مِنْ الْيَهُود "لَمْ يَأْتُوك" وَهُمْ أَهْل خَيْبَر زَنَى فِيهِمْ مُحْصَنَانِ فَكَرِهُوا رَجْمهمَا فَبَعَثُوا قُرَيْظَة لِيَسْأَلُوا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ حُكْمهمَا "يُحَرِّفُونَ الْكَلِم" الَّذِي فِي التَّوْرَاة كَآيَةِ الرَّجْم "مِنْ بَعْد مَوَاضِعه" الَّتِي وَضَعَهُ اللَّه عَلَيْهَا أَيْ يُبَدِّلُونَهُ "يَقُولُونَ" لِمَنْ أَرْسَلُوهُمْ "إنْ أُوتِيتُمْ هَذَا" الْحُكْم الْمُحَرَّف أَيْ الْجَلْد الَّذِي أَفْتَاكُمْ بِهِ مُحَمَّد "فَخُذُوهُ" فَاقْبَلُوهُ "وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ" بَلْ أَفْتَاكُمْ بِخِلَافِهِ "فَاحْذَرُوا" أَنْ تَقْبَلُوهُ "وَمَنْ يُرِدْ اللَّه فِتْنَته" إضْلَاله "فَلَنْ تَمْلِك لَهُ مِنْ اللَّه شَيْئًا" فِي دَفْعهَا "أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدْ اللَّه أَنْ يُطَهِّر قُلُوبهمْ" مِنْ الْكُفْر وَلَوْ أَرَادَهُ لَكَانَ "لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْي" ذُلّ بِالْفَضِيحَةِ وَالْجِزْيَة


42
سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ

"سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ" بِضَمِّ الْحَاء وَسُكُونهَا أَيْ الْحَرَام كَالرِّشَا "فَإِنْ جَاءُوك" لِتَحْكُم بَيْنهمْ "فَاحْكُمْ بَيْنهمْ أَوْ أَعْرِض عَنْهُمْ" هَذَا التَّخْيِير مَنْسُوخ بِقَوْلِهِ تَعَالَى "وَأَنْ اُحْكُمْ بَيْنهمْ" الْآيَة فَيَجِب الْحُكْم بَيْنهمْ إذَا تَرَافَعُوا إلَيْنَا وَهُوَ أَصَحّ قَوْلَيْ الشَّافِعِيّ فَلَوْ تَرَافَعُوا إلَيْنَا مَعَ مُسْلِم وَجَبَ إجْمَاعًا "وَإِنْ تُعْرِض عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوك شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْت" بَيْنهمْ "فَاحْكُمْ بَيْنهمْ بِالْقِسْطِ" بِالْعَدْلِ "إنَّ اللَّه يُحِبّ الْمُقْسِطِينَ" الْعَادِلِينَ فِي الْحُكْم أَيْ يُثِيبهُمْ





43
وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ

"وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَك وَعِنْدهمْ التَّوْرَاة فِيهَا حُكْم اللَّه" بِالرَّجْمِ وَهُوَ اسْتِفْهَام تَعْجِيب أَيْ لَمْ يَقْصِدُوا بِذَلِك مَعْرِفَة الْحَقّ بَلْ مَا هُوَ أَهْوَن عَلَيْهِمْ "ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ" يُعْرِضُونَ عَنْ حُكْمك بِالرَّجْمِ الْمُوَافِق لِكِتَابِهِمْ "مِنْ بَعْد ذَلِكَ" التَّحْكِيم





44
إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ

"إنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاة فِيهَا هُدًى" مِنْ الضَّلَالَة "وَنُور" بَيَان لِلْأَحْكَامِ "يَحْكُم بِهَا النَّبِيُّونَ" مِنْ بَنِي إسْرَائِيل "الَّذِينَ أَسْلَمُوا" انْقَادُوا لِلَّهِ "لِلَّذِينَ هَادُوا والرَّبَّانِيُّون" الْعُلَمَاء مِنْهُ "وَالْأَحْبَار" الْفُقَهَاء "بِمَا" أَيْ بِسَبَبِ الَّذِي "اُسْتُحْفِظُوا" اُسْتُوْدِعُوهُ أَيْ اسْتَحْفَظَهُمْ اللَّه إيَّاهُ "مِنْ كِتَاب اللَّه" أَنْ يُبَدِّلُوهُ "وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاء" أَنَّهُ حَقّ "فَلَا تَخْشَوْا النَّاس" أَيّهَا الْيَهُود فِي إظْهَار مَا عِنْدكُمْ مِنْ نَعْت مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالرَّجْم وَغَيْرهَا "وَاخْشَوْنِي" فِي كِتْمَانه "وَلَا تَشْتَرُوا" تَسْتَبْدِلُوا "بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا" مِنْ الدُّنْيَا تَأْخُذُونَهُ عَلَى كِتْمَانهَا "وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّه فَأُولَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ" بِهِ





45
وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ

"وَكَتَبْنَا" فَرَضْنَا "عَلَيْهِمْ فِيهَا" أَيْ التَّوْرَاة "أَنَّ النَّفْس" تُقْتَل "بِالنَّفْسِ" إذَا قَتَلَتْهَا "وَالْعَيْن بِالْعَيْنِ" تُفْقَأ "وَالْأَنْف بِالْأَنْفِ" يُجْدَع "وَالْأُذُن بِالْأُذُنِ" تُقْطَع "وَالسِّنّ بِالسِّنِّ" تُقْلَع وَفِي قِرَاءَة بِالرَّفْعِ فِي الْأَرْبَعَة "وَالْجُرُوح" بِالْوَجْهَيْنِ "قِصَاص" أَيْ يُقْتَصّ فِيهَا إذَا أَمْكَنَ كَالْيَدِ وَالرِّجْل وَنَحْو ذَلِكَ وَمَا لَا يُمْكِن فِيهِ الْحُكُومَة وَهَذَا الْحُكْم وَإِنْ كَتَبَ عَلَيْهِمْ فَهُوَ مُقَرَّر فِي شَرْعنَا "فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ" أَيْ بِالْقِصَاصِ بِأَنْ مَكَّنَ مِنْ نَفْسه "فَهُوَ كَفَّارَة لَهُ" لِمَا أَتَاهُ "وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّه" فِي الْقِصَاص وَغَيْره





46
وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ

"وَقَفَّيْنَا" أَتْبَعنَا "عَلَى آثَارهمْ" أَيْ النَّبِيِّينَ "بِعِيسَى ابْن مَرْيَم مُصَدِّقًا لِمَا بَيْن يَدَيْهِ" قَبْله "مِنْ التَّوْرَاة وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيل فِيهِ هُدًى" مِنْ الضَّلَالَة "وَنُور" بَيَان لِلْأَحْكَامِ "وَمُصَدِّقًا" حَال "لِمَا بَيْن يَدَيْهِ مِنْ التَّوْرَاة" لِمَا فِيهَا مِنْ الْأَحْكَام





47
وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ

"و" قُلْنَا "لِيَحْكُم أَهْل الْإِنْجِيل بِمَا أَنْزَلَ اللَّه فِيهِ" مِنْ الْأَحْكَام وَفِي قِرَاءَة بِنَصْبِ يَحْكُم وَكَسْر لَامه عَطْفًا عَلَى مَعْمُول آتَيْنَاهُ






48
وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ

"وَأَنْزَلْنَا إلَيْك" يَا مُحَمَّد "الْكِتَاب" الْقُرْآن "بِالْحَقِّ" مُتَعَلِّق بأَنْزَلْنَا "مُصَدِّقًا لِمَا بَيْن يَدَيْهِ" قَبْله "مِنْ الْكِتَاب وَمُهَيْمِنًا" شَاهِدًا "عَلَيْهِ" وَالْكِتَاب بِمَعْنَى الْكُتُب "فَاحْكُمْ بَيْنهمْ" بَيْن أَهْل الْكِتَاب إذَا تَرَافَعُوا إلَيْك "بِمَا أَنْزَلَ اللَّه" إلَيْك "وَلَا تَتَّبِع أَهْوَاءَهُمْ" عَادِلًا "عَمَّا جَاءَك مِنْ الْحَقّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ" أَيّهَا الْأُمَم "شِرْعَة" شَرِيعَة "وَمِنْهَاجًا" طَرِيقًا وَاضِحًا فِي الدِّين يَمْشُونَ عَلَيْهِ "وَلَوْ شَاءَ اللَّه لَجَعَلَكُمْ أُمَّة وَاحِدَة" عَلَى شَرِيعَة وَاحِدَة "وَلَكِنْ" فَرَّقَكُمْ فِرَقًا "لِيَبْلُوكُمْ" لِيَخْتَبِركُمْ "فِي مَا آتَاكُمْ" مِنْ الشَّرَائِع الْمُخْتَلِفَة لِيَنْظُر الْمُطِيع مِنْكُمْ وَالْعَاصِي . "فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَات" سَارِعُوا إلَيْهَا "إلَى اللَّه مَرْجِعكُمْ جَمِيعًا" بِالْبَعْثِ "فَيُنَبِّئكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ" مِنْ أَمْر الدِّين وَيَجْزِي كُلًّا مِنْكُمْ بِعَمَلِهِ







49
وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ

لـ "أَنْ" لَا "يَفْتِنُوك" يُضِلُّوك "عَنْ بَعْض مَا أَنْزَلَ اللَّه إلَيْك فَإِنْ تَوَلَّوْا" عَنْ الْحُكْم الْمُنَزَّل وَأَرَادُوا غَيْره "فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيد اللَّه أَنْ يُصِيبهُمْ" بِالْعُقُوبَةِ فِي الدُّنْيَا "بِبَعْضِ ذُنُوبهمْ" الَّتِي أَتَوْهَا وَمِنْهَا التَّوَلِّي وَيُجَازِيهِمْ عَلَى جَمِيعهَا فِي الْأُخْرَى







50
أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ

"أَفَحُكْم الْجَاهِلِيَّة يَبْغُونَ" بِالْيَاءِ وَالتَّاء يَطْلُبُونَ مِنْ الْمُدَاهَنَة وَالْمَيْل إذَا تَوَلَّوْا ؟ اسْتِفْهَام إنْكَارِيّ "وَمَنْ" أَيْ لَا أَحَد "أَحْسَن مِنْ اللَّه حُكْمًا لِقَوْمٍ" عِنْد قَوْم "يُوقِنُونَ" بِهِ خُصُّوا بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُمْ الَّذِينَ يَتَدَبَّرُونَ





51
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ

"يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُود وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء" تُوَالُونَهُمْ وَتُوَادُّونَهُمْ "بَعْضهمْ أَوْلِيَاء بَعْض" لِاتِّحَادِهِمْ فِي الْكُفْر "وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ" مِنْ جُمْلَتهمْ "إنَّ اللَّه لَا يَهْدِي الْقَوْم الظَّالِمِينَ" بِمُوَالَاتِهِمْ الْكُفَّار[/CENTER


52
فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ

"فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبهمْ مَرَض" ضَعْف اعْتِقَاد كَعَبْدِ اللَّه بْن أُبَيٍّ الْمُنَافِق "يُسَارِعُونَ فِيهِمْ" فِي مُوَالَاتهمْ "يَقُولُونَ" مُعْتَذِرِينَ عَنْهَا "نَخْشَى أَنْ تُصِيبنَا دَائِرَة" يَدُور بِهَا الدَّهْر عَلَيْنَا مِنْ جَدَب أَوْ غَلَبَة وَلَا يَتِمّ أَمْر مُحَمَّد فَلَا يَمِيرُونَا "فَعَسَى اللَّه أَنْ يَأْتِي بِالْفَتْحِ" بِالنَّصْرِ لِنَبِيِّهِ بِإِظْهَارِ دِينه "أَوْ أَمْر مِنْ عِنْده" يَهْتِك سِتْر الْمُنَافِقِينَ وَافْتِضَاحهمْ "فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسهمْ" مِنْ الشَّكّ وَمُوَالَاة الْكُفَّار





53
وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ

"وَيَقُول" بِالرَّفْعِ اسْتِئْنَافًا بِوَاوٍ وَدُونهَا وَبِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى يَأْتِي "الَّذِينَ آمَنُوا" لِبَعْضِهِمْ إذَا هَتَكَ سِتْرهمْ تَعَجُّبًا "أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاَللَّهِ جَهْد أَيْمَانهمْ" غَايَة اجْتِهَادهمْ فِيهَا "إنَّهُمْ لَمَعَكُمْ" فِي الدِّين "حَبِطَتْ" بَطَلَتْ "أَعْمَالهمْ" الصَّالِحَة "فَأَصْبَحُوا" صَارُوا "خَاسِرِينَ" الدُّنْيَا بِالْفَضِيحَةِ وَالْآخِرَة بِالْعِقَابِ





54
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ

"يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدّ" بِالْفَكِّ وَالْإِدْغَام يَرْجِع "مِنْكُمْ عَنْ دِينه" إلَى الْكُفْر إخْبَار بِمَا عَلِمَ اللَّه وُقُوعه وَقَدْ ارْتَدَّ جَمَاعَة بَعْد مَوْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّه" بَدَلهمْ "بِقَوْمٍ يُحِبّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ" قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : "هُمْ قَوْم هَذَا وَأَشَارَ إلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ" رَوَاهُ الْحَاكِم فِي صَحِيحه "أَذِلَّة عَلَى الْمُؤْمِنِينَ" عَاطِفِينَ "أَعِزَّة عَلَى الْكَافِرِينَ" أَشِدَّاء "يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيل اللَّه وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَة لَائِم" فِيهِ كَمَا يَخَاف الْمُنَافِقُونَ لَوْم الْكُفَّار "ذَلِكَ فَضْل اللَّه يُؤْتِيه مَنْ يَشَاء وَاَللَّه وَاسِع" كَثِير الْفَضْل "عَلِيم" بِمَنْ هُوَ أَهْله وَنَزَلَ لَمَّا قَالَ ابْن سَلَام يَا رَسُول اللَّه إنَّ قَوْمنَا هَجَرُونَا






55
إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ

"إنَّمَا وَلِيّكُمْ اللَّه وَرَسُوله وَاَلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاة وَيُؤْتُونَ الزَّكَاة وَهُمْ رَاكِعُونَ" خَاشِعُونَ أَوْ يُصَلُّونَ صَلَاة التَّطَوُّع





56
وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ

"وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّه وَرَسُوله وَاَلَّذِينَ آمَنُوا" فَيُعِينهُمْ وَيَنْصُرهُمْ "فَإِنَّ حِزْب اللَّه هُمْ الْغَالِبُونَ" لِنَصْرِهِ إيَّاهُمْ أَوْقَعه مَوْقِع فَإِنَّهُمْ بَيَانًا لِأَنَّهُمْ مِنْ حِزْبه أَيْ أَتْبَاعه






57
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ

"يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينكُمْ هُزُوًا" مَهْزُوءًا بِهِ "وَلَعِبًا مِنْ" لِلْبَيَانِ "الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب مِنْ قَبْلكُمْ وَالْكُفَّار" الْمُشْرِكِينَ بِالْجَرِّ وَالنَّصْب "أَوْلِيَاء وَاتَّقُوا اللَّه" بِتَرْكِ مُوَالَاتهمْ "إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ" صَادِقِينَ فِي إيمَانكُمْ





58
وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ

"و" الَّذِينَ "إذَا نَادَيْتُمْ" دَعَوْتُمْ "إلَى الصَّلَاة" بِالْأَذَانِ "اتَّخَذُوهَا" أَيْ الصَّلَاة "هُزُوًا وَلَعِبًا" بِأَنْ يَسْتَهْزِئُوا بِهَا وَيَتَضَاحَكُوا "ذَلِكَ" الِاتِّخَاذ "بِأَنَّهُمْ" أَيْ بِسَبَبِ أَنَّهُمْ "قَوْم لَا يَعْقِلُونَ"





59
قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ

وَنَزَلَ لَمَّا قَالَ الْيَهُود لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : بِمَنْ تُؤْمِن مِنْ الرُّسُل فَقَالَ : "بِاَللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إلَيْنَا" الْآيَة فَلَمَّا ذَكَرَ عِيسَى قَالُوا : لَا نَعْلَم دِينًا شَرًّا مِنْ دِينكُمْ "قُلْ يَا أَهْل الْكِتَاب هَلْ تَنْقِمُونَ" تُنْكِرُونَ "مِنَّا إلَّا أَنْ آمَنَّا بِاَللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْل" إلَى الْأَنْبِيَاء "وَأَنَّ أَكْثَركُمْ فَاسِقُونَ" عُطِفَ عَلَى أَنْ آمَنَّا - الْمَعْنَى مَا تُنْكِرُونَ إلَّا إيمَاننَا وَمُخَالَفَتكُمْ فِي عَدَم قَبُوله الْمُعَبَّر عَنْهُ بِالْفِسْقِ اللَّازِم عَنْهُ وَلَيْسَ هَذَا مِمَّا يُنْكَر






60
قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ

"قُلْ هَلْ أُنَبِّئكُمْ" أُخْبِركُمْ "بِشَرٍّ مِنْ" أَهْل "ذَلِكَ" الَّذِي تَنْقِمُونَهُ "مَثُوبَة" ثَوَابًا بِمَعْنَى جَزَاء "عِنْد اللَّه" هُوَ "مَنْ لَعَنَهُ اللَّه" أَبْعَده عَنْ رَحْمَته "وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمْ الْقِرَدَة وَالْخَنَازِير" بِالْمَسْخِ "وَ" مَنْ "عَبَدَ الطَّاغُوت" الشَّيْطَان بِطَاعَتِهِ وَرُوعِيَ فِي مِنْهُمْ مَعْنَى مِنْ وَفِيمَا قَبْله لَفْظهَا وَهُمْ الْيَهُود وَفِي قِرَاءَة بِضَمِّ بَاء عَبَدَ وَإِضَافَته إلَى مَا بَعْد اسْم جَمْع لعَبَدَ وَنَصْبه بِالْعَطْفِ عَلَى الْقِرَدَة "أُولَئِكَ شَرّ مَكَانًا" تَمْيِيز لِأَنَّ مَأْوَاهُمْ النَّار "وَأَضَلّ عَنْ سَوَاء السَّبِيل" طَرِيق الْحَقّ وَأَصْل السَّوَاء الْوَسَط وَذَكَرَ شَرّ وَأَضَلّ فِي مُقَابَلَة قَوْلهمْ لَا نَعْلَم دِينًا شَرًّا مِنْ دِينكُمْ




61
وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ

"وَإِذَا جَاءُوكُمْ" أَيْ مُنَافِقُو الْيَهُود "قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا" إلَيْكُمْ مُتَلَبِّسِينَ "بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ" مِنْ عِنْدكُمْ مُتَلَبِّسِينَ وَلَمْ يُؤْمِنُوا "وَاَللَّه أَعْلَم بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ" وَاَللَّه أَعْلَم بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَهُ مِنْ النِّفَاق



62
وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ

"وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ" أَيْ الْيَهُود "يُسَارِعُونَ" يَقَعُونَ سَرِيعًا "فِي الْإِثْم" الْكَذِب "وَالْعُدْوَان" الظُّلْم "وَأَكْلهمْ السُّحْت" الْحَرَام كَالرِّشَا "لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ" لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَهُ عَمَلهمْ هَذَا





63
لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ

"لَوْلَا" هَلَّا "يَنْهَاهُمْ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَار" مِنْهُمْ "عَنْ قَوْلهمْ الْإِثْم" الْكَذِب "وَأَكْلهمْ السُّحْت لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ" وَأَكْلهمْ السُّحْت لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَهُ تَرْك نَهْيهمْ





64
وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ

"وَقَالَتْ الْيَهُود" لَمَّا ضُيِّقَ عَلَيْهِمْ بِتَكْذِيبِهِمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْد أَنْ كَانُوا أَكْثَر النَّاس مَالًا "يَد اللَّه مَغْلُولَة" مَقْبُوضَة عَنْ إدْرَار الرِّزْق عَلَيْنَا كَنَّوْا بِهِ عَنْ الْبُخْل - تَعَالَى اللَّه عَنْ ذَلِكَ - "غُلَّتْ" أَمْسَكَتْ "أَيْدِيهمْ" عَنْ فِعْل الْخَيْرَات دُعَاء عَلَيْهِمْ "وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ" مُبَالَغَة فِي الْوَصْف بِالْجُودِ وَثَنْي الْيَد لِإِفَادَةِ الْكَثْرَة إذْ غَايَة مَا يَبْذُلهُ السَّخِيّ مِنْ مَاله أَنْ يُعْطِي بِيَدَيْهِ "يُنْفِق كَيْفَ يَشَاء" مِنْ تَوْسِيع وَتَضْيِيق لَا اعْتِرَاض عَلَيْهِ "وَلَيَزِيدَن كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إلَيْك مِنْ رَبّك" مِنْ الْقُرْآن "طُغْيَانًا وَكُفْرًا" لِكُفْرِهِمْ بِهِ "وَأَلْقَيْنَا بَيْنهمْ الْعَدَاوَة وَالْبَغْضَاء إلَى يَوْم الْقِيَامَة" فَكُلّ فِرْقَة مِنْهُمْ تُخَالِف الْأُخْرَى "كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ" أَيْ لِحَرْبِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "أَطْفَأَهَا اللَّه" أَيْ كُلَّمَا أَرَادُوهُ رَدَّهُمْ "وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْض فَسَادًا" أَيْ مُفْسِدِينَ بِالْمَعَاصِي "وَاَللَّه لَا يُحِبّ الْمُفْسِدِينَ" بِمَعْنَى أَنَّهُ يُعَاقِبهُمْ






65
وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ

"وَلَوْ أَنَّ أَهْل الْكِتَاب آمَنُوا" بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "وَاتَّقَوْا" الْكُفْر





66
وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ

"وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل" بِالْعَمَلِ بِمَا فِيهِمَا وَمِنْهُ الْإِيمَان بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "وَمَا أُنْزِلَ إلَيْهِمْ" مِنْ الْكُتُب "مِنْ رَبّهمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقهمْ وَمِنْ تَحْت أَرْجُلهمْ" بِأَنْ يُوَسِّع عَلَيْهِمْ الرِّزْق وَيُفِيض مِنْ كُلّ جِهَة "مِنْهُمْ أُمَّة" جَمَاعَة "مُقْتَصِدَة" تَعْمَل بِهِ وَهُمْ مَنْ آمَنَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَعَبْدِ اللَّه بْن سَلَام وَأَصْحَابه "وَكَثِير مِنْهُمْ سَاءَ" بِئْسَ "مَا" شَيْئًا "يَعْمَلُونَـ" ـه





67
يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ

"يَا أَيّهَا الرَّسُول بَلِّغْ" جَمِيع "مَا أُنْزِلَ إلَيْك مِنْ رَبّك" وَلَا تَكْتُم شَيْئًا مِنْهُ خَوْفًا أَنْ تُنَال بِمَكْرُوهٍ "وَإِنْ لَمْ تَفْعَل" أَيْ لَمْ تُبَلِّغ جَمِيع مَا أُنْزِلَ إلَيْك "فَمَا بَلَّغْت رِسَالَته" بِالْإِفْرَادِ وَالْجَمْع لِأَنَّ كِتْمَان بَعْضهَا كَكِتْمَانِ كُلّهَا "وَاَللَّه يَعْصِمك مِنْ النَّاس" أَنْ يَقْتُلُوك وَكَانَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحْرَس حَتَّى نَزَلَتْ فَقَالَ : "انْصَرِفُوا فَقَدْ عَصَمَنِي اللَّه" رَوَاهُ الْحَاكِم





68
قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ

"قُلْ يَا أَهْل الْكِتَاب لَسْتُمْ عَلَى شَيْء" مِنْ الدِّين مُعْتَدّ بِهِ "حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَمَا أُنْزِلَ إلَيْكُمْ مِنْ رَبّكُمْ" بِأَنْ تَعْمَلُوا بِمَا فِيهِ وَمِنْهُ الْإِيمَان بِي "وَلَيَزِيدَن كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إلَيْك مِنْ رَبّك" مِنْ الْقُرْآن "طُغْيَانًا وَكُفْرًا" لِكُفْرِهِمْ بِهِ "فَلَا تَأْسَ" تَحْزَن "عَلَى الْقَوْم الْكَافِرِينَ" إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِك أَيْ لَا تَهْتَمّ بِهِمْ





69
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ

"إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَاَلَّذِينَ هَادُوا" هُمْ الْيَهُود مُبْتَدَأ "وَالصَّابِئُونَ" فِرْقَة مِنْهُمْ "وَالنَّصَارَى" وَيُبْدَل مِنْ الْمُبْتَدَأ "مَنْ آمَنَ" مِنْهُمْ "بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْف عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ" فِي الْآخِرَة خَبَر الْمُبْتَدَأ وَدَالّ عَلَى خَبَر إنَّ





70
لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ

"لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاق بَنِي إسْرَائِيل" عَلَى الْإِيمَان بِاَللَّهِ وَرُسُله "وَأَرْسَلْنَا إلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُول" مِنْهُمْ "بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسهمْ" مِنْ الْحَقّ كَذَّبُوهُ "فَرِيقًا" مِنْهُمْ "كَذَّبُوا وَفَرِيقًا" مِنْهُمْ "يَقْتُلُونَ" كَزَكَرِيَّا وَالتَّعْبِير بِهِ دُون قَتَلُوا حِكَايَة لِلْحَالِ الْمَاضِيَة لِلْفَاصِلَةِ





71
وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ

"وَحَسِبُوا" ظَنُّوا أَنْ "لَا تَكُون" بِالرَّفْعِ فَأَنْ مُخَفَّفَة وَالنَّصْب فَهِيَ نَاصِبَة أَيْ تَقَع "فِتْنَة" عَذَاب بِهِمْ عَلَى تَكْذِيب الرُّسُل وَقَتْلهمْ "فَعَمُوا" عَنْ الْحَقّ فَلَمْ يُبْصِرُوهُ "وَصَمُّوا" عَنْ اسْتِمَاعه "ثُمَّ تَابَ اللَّه عَلَيْهِمْ" لَمَّا تَابُوا "ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا" ثَانِيًا "كَثِير مِنْهُمْ" بَدَل مِنْ الضَّمِير "وَاَللَّه بَصِير بِمَا يَعْمَلُونَ" فَيُجَازِيهِمْ بِهِ[/CENTER]





72
لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ

"لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إنَّ اللَّه هُوَ الْمَسِيح ابْن مَرْيَم" سَبَقَ مِثْله "وَقَالَ" لَهُمْ "الْمَسِيح يَا بَنِي إسْرَائِيل اُعْبُدُوا اللَّه رَبِّي وَرَبّكُمْ" فَإِنِّي عَبْد وَلَسْت بِإِلَهٍ "إنَّهُ مَنْ يُشْرِك بِاَللَّهِ" فِي الْعِبَادَة غَيْره "فَقَدْ حَرَّمَ اللَّه عَلَيْهِ الْجَنَّة" مَنَعَهُ أَنْ يَدْخُلهَا "وَمَأْوَاهُ النَّار وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ" زَائِدَة "أَنْصَار" يَمْنَعُونَهُمْ مِنْ عَذَاب اللَّه






73
لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ

"لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إنَّ اللَّه ثَالِث" آلِهَة "ثَلَاثَة" أَيْ أَحَدهَا وَالْآخَرَانِ عِيسَى وَأُمّه وَهُمْ فِرْقَة مِنْ النَّصَارَى "وَمَا مِنْ إلَه إلَّا إلَه وَاحِد وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ" مِنْ التَّثْلِيث وَيُوَحِّدُوا "لَيَمَسَّن الَّذِينَ كَفَرُوا" أَيْ ثَبَتُوا عَلَى الْكُفْر "مِنْهُمْ عَذَاب أَلِيم" مُؤْلِم وَهُوَ النَّار




74
أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ

"أَفَلَا يَتُوبُونَ إلَى اللَّه ويَسْتَغْفِرُونَه" مِمَّا قَالُوا اسْتِفْهَام تَوْبِيخ "وَاَللَّه غَفُور" لِمَنْ تَابَ "رَحِيم" بِهِ




75
مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ

"خَلَتْ" مَضَتْ "مِنْ قَبْله الرُّسُل" فَهُوَ يُمْضِي مِثْلهمْ وَلَيْسَ بِإِلَهٍ كَمَا زَعَمُوا وَإِلَّا لَمَا مَضَى "وَأُمّه صِدِّيقَة" مُبَالَغَة فِي الصِّدْق "كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَام" كَغَيْرِهِمَا مِنْ النَّاس وَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ لَا يَكُون إلَهًا لِتَرْكِيبِهِ وَضَعْفه وَمَا يَنْشَأ مِنْهُ مِنْ الْبَوْل وَالْغَائِط "اُنْظُرْ" مُتَعَجِّبًا "كَيْفَ نُبَيِّن لَهُمْ الْآيَات" عَلَى وَحْدَانِيّتنَا "ثُمَّ اُنْظُرْ أَنَّى" كَيْفَ "يُؤْفَكُونَ" يُصْرَفُونَ عَنْ الْحَقّ مَعَ قِيَام الْبُرْهَان






76
قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ

"قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُون اللَّه" أَيْ غَيْره "مَا لَا يَمْلِك لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاَللَّه هُوَ السَّمِيع" لِأَقْوَالِكُمْ "الْعَلِيم" بِأَحْوَالِكُمْ وَالِاسْتِفْهَام لِلْإِنْكَارِ




77
قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ

"قُلْ يَا أَهْل الْكِتَاب" الْيَهُود وَالنَّصَارَى "لَا تَغْلُوا" تُجَاوِزُوا الْحَدّ "فِي دِينكُمْ" غُلُوًّا "غَيْر الْحَقّ" بِأَنْ تَضَعُوا عِيسَى أَوْ تَرْفَعُوهُ فَوْق حَقّه "وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاء قَوْم قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْل" بِغُلُوِّهِمْ وَهُمْ أَسْلَافهمْ "وَأَضَلُّوا كَثِيرًا" مِنْ النَّاس "وَضَلُّوا عَنْ سَوَاء السَّبِيل" عَنْ طَرِيق الْحَقّ وَالسَّوَاء فِي الْأَصْل الْوَسَط





87
لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ

"لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إسْرَائِيل عَلَى لِسَان دَاود" بِأَنْ دَعَا عَلَيْهِمْ فَمُسِخُوا قِرَدَة وَهُمْ أَصْحَاب أَيْلَة "وَعِيسَى ابْن مَرْيَم" بِأَنْ دَعَا عَلَيْهِمْ فَمُسِخُوا خَنَازِير وَهُمْ أَصْحَاب الْمَائِدَة "ذَلِكَ" اللَّعْن




79
كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ

"كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ" أَيْ لَا يَنْهَى بَعْضهمْ بَعْضًا "عَنْ" مُعَاوَدَة "مُنْكَر فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ" فِعْلهمْ هَذَا





80
تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ

"تَرَى" يَا مُحَمَّد "كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا" مِنْ أَهْل مَكَّة بُغْضًا لَك "لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسهمْ" مِنْ الْعَمَل لِمَعَادِهِمْ الْمُوجِب لَهُمْ





81
وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ

"وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَالنَّبِيّ" مُحَمَّد "وَمَا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ" أَيْ الْكُفَّار "أَوْلِيَاء وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ" خَارِجُونَ عَنْ الْإِيمَان



82
لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ

"لَتَجِدَن" يَا مُحَمَّد "أَشَدّ النَّاس عَدَاوَة لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُود وَاَلَّذِينَ أَشْرَكُوا" مِنْ أَهْل مَكَّة لِتَضَاعُفِ كُفْرهمْ وَجَهْلهمْ وَانْهِمَاكهمْ فِي اتِّبَاع الْهَوَى "وَلَتَجِدَن أَقْرَبهمْ مَوَدَّة لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إنَّا نَصَارَى ذَلِكَ" أَيْ قُرْب مَوَدَّتهمْ لِلْمُؤْمِنِينَ "بِأَنَّ" بِسَبَبِ أَنَّ "مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ" عُلَمَاء "وَرُهْبَانًا" عُبَّادًا "وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ" عَنْ اتِّبَاع الْحَقّ كَمَا يَسْتَكْبِر الْيَهُود وَأَهْل مَكَّة , نَزَلَتْ فِي وَفْد النَّجَاشِيّ الْقَادِمِينَ عَلَيْهِ مِنْ الْحَبَشَة قَرَأَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُورَة يس فَبَكَوْا وَأَسْلَمُوا وَقَالُوا مَا أَشْبَه هَذَا بِمَا كَانَ يَنْزِل عَلَى عِيسَى





83
وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ

"وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إلَى الرَّسُول" مِنْ الْقُرْآن "تَرَى أَعْيُنهمْ تَفِيض مِنْ الدَّمْع مِمَّا عَرَفُوا مِنْ الْحَقّ يَقُولُونَ رَبّنَا آمَنَّا" صَدَّقْنَا بِنَبِيِّك وَكِتَابك "فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ" الْمُقَرَّبِينَ بِتَصْدِيقِهِمْ





84
وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ

"و" قَالُوا فِي جَوَاب مَنْ عَيَّرَهُمْ بِالْإِسْلَامِ مِنْ الْيَهُود "مَا لَنَا لَا نُؤْمِن بِاَللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنْ الْحَقّ" الْقُرْآن أَيْ لَا مَانِع لَنَا مِنْ الْإِيمَان مَعَ وُجُود مُقْتَضِيه "وَنَطْمَع" عُطِفَ عَلَى نُؤْمِن "أَنْ يُدْخِلنَا رَبّنَا مَعَ الْقَوْم الصَّالِحِينَ" الْمُؤْمِنِينَ الْجَنَّة




85
فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ

"فَأَثَابَهُمْ اللَّه بِمَا قَالُوا جَنَّات تَجْرِي مِنْ تَحْتهَا الْأَنْهَار خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِك جَزَاء الْمُحْسِنِينَ" بِالْإِيمَانِ





86
وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ

ثُمَّ أَخْبَرَ عَنْ حَال الْأَشْقِيَاء فَقَالَ : " وَاَلَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا " أَيْ جَحَدُوا بِهَا وَخَالَفُوهَا أُولَئِكَ أَصْحَاب الْجَحِيم " أَيْ هُمْ أَهْلهَا وَالدَّاخِلُونَ فِيهَا .






87
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ

وَنَزَلَ لَمَّا هَمَّ قَوْم مِنْ الصَّحَابَة أَنْ يُلَازِمُوا الصَّوْم وَالْقِيَام وَلَا يَقْرَبُوا النِّسَاء وَالطِّيب وَلَا يَأْكُلُوا اللَّحْم وَلَا يَنَامُوا عَلَى الْفِرَاش "يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَات مَا أَحَلَّ اللَّه لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا" تَتَجَاوَزُوا أَمْر اللَّه




وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ


"وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمْ اللَّه حَلَالًا طَيِّبًا" مَفْعُول وَالْجَارّ وَالْمَجْرُور قَبْله حَال مُتَعَلِّق بِهِ




89
لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ

"لَا يُؤَاخِذكُمْ اللَّه بِاللَّغْوِ" الْكَائِن "فِي أَيْمَانكُمْ" هُوَ مَا يَسْبِق إلَيْهِ اللِّسَان مِنْ غَيْر قَصْد الْحَلِف كَقَوْلِ الْإِنْسَان : لَا وَاَللَّه وَبَلَى وَاَللَّه "وَلَكِنْ يُؤَاخِذكُمْ بِمَا عَقَدْتُمْ" بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيد وَفِي قِرَاءَة عَاقَدْتُمْ "الْأَيْمَان" عَلَيْهِ بِأَنْ حَلَفْتُمْ عَنْ قَصْد "فَكَفَّارَته" أَيْ الْيَمِين إذَا حَنِثْتُمْ فِيهِ "إطْعَام عَشَرَة مَسَاكِين" لِكُلِّ مِسْكِين مُدّ "مِنْ أَوْسَط مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ" مِنْهُ أَيْ أَقْصَدُهُ وَأَغْلَبه لَا أَعْلَاهُ وَلَا أَدْنَاهُ "أَوْ كِسْوَتهمْ" بِمَا يُسَمَّى كِسْوَة كَقَمِيصٍ وَعِمَامَة وَإِزَار وَلَا يَكْفِي دَفْع مَا ذُكِرَ إلَى مِسْكِين وَاحِد وَعَلَيْهِ الشَّافِعِيّ "أَوْ تَحْرِير" عِتْق "رَقَبَة" أَيْ مُؤْمِنَة كَمَا فِي كَفَّارَة الْقَتْل وَالظِّهَار حَمْلًا لِلْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّد "فَمَنْ لَمْ يَجِد" وَاحِدًا مِمَّا ذُكِرَ "فَصِيَام ثَلَاثَة أَيَّام" كَفَّارَته وَظَاهِره أَنَّهُ لَا يُشْتَرَط التَّتَابُع وَعَلَيْهِ الشَّافِعِيّ "ذَلِكَ" الْمَذْكُور "كَفَّارَة أَيْمَانكُمْ إذَا حَلَفْتُمْ" وَحَنِثْتُمْ "وَاحْفَظُوا أَيْمَانكُمْ" أَنْ تَنْكُثُوهَا مَا لَمْ تَكُنْ عَلَى فِعْل بِرّ أَوْ إصْلَاح بَيْن النَّاس كَمَا فِي سُورَة الْبَقَرَة "كَذَلِكَ" أَيْ مِثْل مَا بُيِّنَ لَكُمْ مَا ذُكِرَ "يُبَيِّن اللَّه لَكُمْ آيَاته لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ" ـهُ عَلَى ذَلِكَ






90

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ


"يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إنَّمَا الْخَمْر" الْمُسْكِر الَّذِي يُخَامِر الْعَقْل "وَالْمَيْسِر" الْقِمَار "وَالْأَنْصَاب" الْأَصْنَام "وَالْأَزْلَام" قِدَاح الِاسْتِقْسَام "رِجْس" خَبِيث مُسْتَقْذَر "مِنْ عَمَل الشَّيْطَان" الَّذِي يُزَيِّنهُ "فَاجْتَنِبُوهُ" أَيْ الرِّجْس الْمُعَبَّر عَنْ هَذِهِ الْأَشْيَاء أَنْ تَفْعَلُوهُ





91

إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ


"إنَّمَا يُرِيد الشَّيْطَان أَنْ يُوقِع بَيْنكُمْ الْعَدَاوَة وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْر وَالْمَيْسِر" إذْ أَتَيْتُمُوهُمَا لِمَا يَحْصُل فِيهِمَا مِنْ الشَّرّ وَالْفِتَن "وَيَصُدّكُمْ" بِالِاشْتِغَالِ بِهِمَا "عَنْ ذِكْر اللَّه وَعَنْ الصَّلَاة" خَصَّهَا بِالذِّكْرِ تَعْظِيمًا لَهَا "فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ" عَنْ إتْيَانهمَا أَيْ انْتَهُوا



92

وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ


"وَأَطِيعُوا اللَّه وَأَطِيعُوا الرَّسُول وَاحْذَرُوا" الْمَعَاصِي "فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ" عَنْ الطَّاعَة "فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولنَا الْبَلَاغ الْمُبِين" الْإِبْلَاغ الْبَيِّن وَجَزَاؤُكُمْ عَلَيْنَا




93
لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ

"لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات جُنَاح فِيمَا طَعِمُوا" أَكَلُوا مِنْ الْخَمْر وَالْمَيْسِر قَبْل التَّحْرِيم "إذَا مَا اتَّقَوْا" الْمُحَرَّمَات "وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا" ثَبَتُوا عَلَى التَّقْوَى وَالْإِيمَان "ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا" الْعَمَل "وَاَللَّه يُحِبّ الْمُحْسِنِينَ" بِمَعْنَى أَنَّهُ يُثِيبهُمْ





94
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ

"يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنكُمْ" لَيَخْتَبِرَنكُمْ "اللَّه بِشَيْءٍ" يُرْسِلهُ لَكُمْ "مِنْ الصَّيْد تَنَالهُ" أَيْ الصِّغَار مِنْهُ "أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحكُمْ" الْكِبَار مِنْهُ وَكَانَ ذَلِكَ بِالْحُدَيْبِيَةِ وَهُمْ مُحْرِمُونَ فَكَانَتْ الْوَحْش وَالطَّيْر تَغْشَاهُمْ فِي رِحَالهمْ "لِيَعْلَم اللَّه" عِلْم ظُهُور "مَنْ يَخَافهُ بِالْغَيْبِ" حَال أَيْ غَائِبًا لَمْ يَرَهُ فَيَجْتَنِب الصَّيْد "فَمَنْ اعْتَدَى بَعْد ذَلِكَ" النَّهْي عَنْهُ فَاصْطَادَهُ




95
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو

"يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْد وَأَنْتُمْ حُرُم" مُحْرِمُونَ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَة "وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاء" بِالتَّنْوِينِ وَرُفِعَ مَا بَعْده أَيْ فَعَلَيْهِ جَزَاء هُوَ "مِثْل مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَم" أَيْ شَبَهه فِي الْخِلْقَة وَفِي قِرَاءَة بِإِضَافَةِ جَزَاء "يَحْكُم بِهِ" أَيْ بِالْمِثْلِ رَجُلَانِ "ذَوَا عَدْل مِنْكُمْ" لَهُمَا فِطْنَة يُمَيِّزَانِ بِهَا أَشْبَه الْأَشْيَاء بِهِ وَقَدْ حَكَمَ ابْن عَبَّاس وَعُمَر وَعَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ فِي النَّعَامَة بِبَدَنَةٍ وَابْن عَبَّاس وَأَبُو عُبَيْدَة فِي بَقَر الْوَحْش وَحِمَاره بِبَقَرَةٍ وَابْن عُمَر وَابْن عَوْف فِي الظَّبْي بِشَاةٍ وَحَكَمَ بِهَا ابْن عَبَّاس وَعُمَر وَغَيْرهمَا فِي الْحَمَام لِأَنَّهُ يُشْبِههَا فِي الْعَبّ "هَدْيًا" حَال مِنْ جَزَاء "بَالِغ الْكَعْبَة" أَيْ يَبْلُغ بِهِ الْحَرَم فَيُذْبَح فِيهِ وَيَتَصَدَّق بِهِ عَلَى مَسَاكِينه وَلَا يَجُوز أَنْ يُذْبَح حَيْثُ كَانَ وَنَصْبه نَعْتًا لِمَا قَبْله وَإِنْ أُضِيف لِأَنَّ إضَافَته لَفْظِيَّة لَا تُفِيد تَعْرِيفًا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلصَّيْدِ مِثْل مِنْ النَّعَم كَالْعُصْفُورِ وَالْجَرَاد فَعَلَيْهِ قِيمَته "أَوْ" عَلَيْهِ "كَفَّارَة" غَيْر الْجَزَاء وَإِنْ وَجَدَهُ هِيَ "طَعَام مَسَاكِين" مِنْ غَالِب قُوت الْبَلَد مَا يُسَاوِي قِيمَة الْجَزَاء لِكُلِّ مِسْكِين مُدّ وَفِي قِرَاءَة بِإِضَافَةِ كَفَّارَة لِمَا بَعْده وَهِيَ لِلْبَيَانِ "أَوْ" عَلَيْهِ "عَدْل" مِثْل "ذَلِكَ" الطَّعَام "صِيَامًا" يَصُومهُ عَنْ كُلّ مُدّ يَوْم وَإِنْ وَجَدَهُ وَجَبَ ذَلِكَ عَلَيْهِ "لِيَذُوقَ وَبَال" ثِقَل جَزَاء "أَمْره" الَّذِي فَعَلَهُ "عَفَا اللَّه عَمَّا سَلَف" مِنْ قَتْل الصَّيْد قَبْل تَحْرِيمه "وَمَنْ عَادَ" إلَيْهِ "فَيَنْتَقِم اللَّه مِنْهُ وَاَللَّه عَزِيز" غَالِب عَلَى أَمْره "ذُو انْتِقَام" مِمَّنْ عَصَاهُ وَأُلْحِق بِقَتْلِهِ مُتَعَمِّدًا فِيمَا ذُكِرَ الْخَطَأ





96
أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ

"أُحِلَّ لَكُمْ" أَيّهَا النَّاس حَلَالًا كُنْتُمْ أَوْ مُحْرِمِينَ "صَيْد الْبَحْر" أَنْ تَأْكُلُوهُ وَهُوَ مَا لَا يَعِيش إلَّا فِيهِ كَالسَّمَكِ بِخِلَافِ مَا يَعِيش فِيهِ وَفِي الْبَرّ كَالسَّرَطَانِ "وَطَعَامه" مَا يَقْذِفهُ مَيِّتًا "مَتَاعًا" تَمْتِيعًا "لَكُمْ" تَأْكُلُونَهُ "وَلِلسَّيَّارَةِ" الْمُسَافِرِينَ مِنْكُمْ يَتَزَوَّدُونَهُ "وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْد الْبَرّ" وَهُوَ مَا يَعِيش فِيهِ مِنْ الْوَحْش الْمَأْكُول أَنْ تَصِيدُوهُ "مَا دُمْتُمْ حُرُمًا" فَلَوْ صَادَهُ حَلَال فَلِلْمُحْرِمِ أَكْله كَمَا بَيَّنَتْهُ السُّنَّة





97
جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ

"جَعَلَ اللَّه الْكَعْبَة الْبَيْت الْحَرَام" الْمُحَرَّم "قِيَامًا لِلنَّاسِ" يَقُوم بِهِ أَمْر دِينهمْ بِالْحَجِّ إلَيْهِ وَدُنْيَاهُمْ بِأَمْنِ دَاخِله وَعَدَم التَّعَرُّض لَهُ وَجَبْي ثَمَرَات كُلّ شَيْء إلَيْهِ وَفِي قِرَاءَة قَيِّمًا بِلَا أَلِف مَصْدَر قَامَ غَيْر مُعَلّ "وَالشَّهْر الْحَرَام" بِمَعْنَى الْأَشْهُر الْحُرُم ذُو الْقَعْدَة وَذُو الْحِجَّة وَالْمُحَرَّم وَرَجَب قِيَامًا لَهُمْ بِأَمْنِهِمْ مِنْ الْقِتَال فِيهَا . "وَالْهَدْي وَالْقَلَائِد" قِيَامًا لَهُمْ بِأَمْنِ صَاحِبهمَا مِنْ التَّعَرُّض لَهُ "ذَلِكَ" الْجَعْل الْمَذْكُور "لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّه يَعْلَم مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الْأَرْض وَأَنَّ اللَّه بِكُلِّ شَيْء عَلِيم" فَإِنَّ جَعْله ذَلِكَ لِجَلْبِ الْمَصَالِح لَكُمْ وَدَفْع الْمَضَارّ عَنْكُمْ قَبْل وُقُوعهَا دَلِيل عَلَى عِلْمه بِمَا هُوَ فِي الْوُجُود وَمَا هُوَ كَائِن




98

اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ


"اعْلَمُوا أَنَّ اللَّه شَدِيد الْعِقَاب" لِأَعْدَائِهِ "وَأَنَّ اللَّه غَفُور" لِأَوْلِيَائِهِ "رَحِيم" بِهِمْ




99
مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ

"مَا عَلَى الرَّسُول إلَّا الْبَلَاغ" لَكُمْ "وَاَللَّه يَعْلَم مَا تُبْدُونَ" تُظْهِرُونَ مِنْ الْعَمَل "وَمَا تَكْتُمُونَ" تُخْفُونَ مِنْهُ فَيُجَازِيكُمْ بِهِ




100
قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ

"قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيث" الْحَرَام "وَالطَّيِّب" الْحَلَال "وَلَوْ أَعْجَبَك" أَيْ سَرَّك "كَثْرَة الْخَبِيث فَاتَّقُوا اللَّه" فِي تَرْكه "يَا أُولِي الْأَلْبَاب لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ" تَفُوزُونَ




101
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ

وَنَزَلَ لَمَّا أَكْثَرُوا سُؤَاله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاء إنْ تُبْدَ" تُظْهَر "لَكُمْ تَسُؤْكُمْ" لِمَا فِيهَا مِنْ الْمَشَقَّة "وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِين يُنَزَّل الْقُرْآن" فِي زَمَن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "تُبْدَ لَكُمْ" الْمَعْنَى إذَا سَأَلْتُمْ عَنْ أَشْيَاء فِي زَمَنه يَنْزِل الْقُرْآن بِإِبْدَائِهَا وَمَتَى أَبْدَاهَا سَاءَتْكُمْ فَلَا تَسْأَلُوا عَنْهَا قَدْ "عَفَا اللَّه عَنْهَا" عَنْ مَسْأَلَتكُمْ فَلَا تَعُودُوا





102
قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ

"قَدْ سَأَلَهَا" أَيْ الْأَشْيَاء "قَوْم مِنْ قَبْلكُمْ" أَنْبِيَاءَهُمْ فَأَجِيبُوا بِبَيَانِ أَحْكَامهَا "ثُمَّ أَصْبَحُوا" صَارُوا "بِهَا كَافِرِينَ" بِتَرْكِهِمْ الْعَمَل بِهَا





103
مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ

"مَا جَعَلَ" شَرَعَ "اللَّه مِنْ بَحِيرَة وَلَا سَائِبَة وَلَا وَصِيلَة وَلَا حَامٍ" كَمَا كَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّة يَفْعَلُونَهُ رَوَى الْبُخَارِيّ عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب قَالَ : الْبَحِيرَة الَّتِي يُمْنَح دَرّهَا لِلطَّوَاغِيتِ فَلَا يَحْلُبهَا أَحَد مِنْ النَّاس وَالسَّائِبَة الَّتِي كَانُوا يُسَيِّبُونَهَا لِآلِهَتِهِمْ فَلَا يُحْمَل عَلَيْهَا شَيْء وَالْوَصِيلَة النَّاقَة الْبِكْر تُبْكِر فِي أَوَّل نِتَاج الْإِبِل بِأُنْثَى ثُمَّ تُثْنِي بَعْد بِأُنْثَى وَكَانُوا يُسَيِّبُونَهَا لِطَوَاغِيتِهِمْ إنْ وَصَلَتْ إحْدَاهُمَا بِأُخْرَى لَيْسَ بَيْنهمَا ذَكَر وَالْحَام فَحْل الْإِبِل يَضْرِب الضِّرَاب الْمَعْدُودَة فَإِذَا قَضَى ضِرَابه وَدَعُوهُ لِلطَّوَاغِيتِ وَأَعْفَوْهُ مِنْ أَنْ يُحْمَل عَلَيْهِ شَيْء وَسَمَّوْهُ الْحَامِي "وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّه الْكَذِب" فِي ذَلِكَ وَفِي نِسْبَته إلَيْهِ "وَأَكْثَرهمْ لَا يَعْقِلُونَ" أَنَّ ذَلِكَ افْتِرَاء لِأَنَّهُمْ قَلَّدُوا فِيهِ آبَاءَهُمْ




104
وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ

"وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إلَى مَا أَنْزَلَ اللَّه وَإِلَى الرَّسُول" أَيْ إلَى حُكْمه مِنْ تَحْلِيل مَا حَرَّمْتُمْ "قَالُوا حَسْبنَا" كَافِينَا "مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا" مِنْ الدِّين وَالشَّرِيعَة "أَوَلَوْ" حَسْبهمْ ذَلِكَ "كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ" إلَى الْحَقّ وَالِاسْتِفْهَام لِلْإِنْكَارِ




105
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ

"يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسكُمْ" أَيْ احْفَظُوهَا وَقُومُوا بِصَلَاحِهَا "لَا يَضُرّكُمْ مَنْ ضَلَّ إذَا اهْتَدَيْتُمْ" قِيلَ الْمُرَاد لَا يَضُرّكُمْ مَنْ ضَلَّ مِنْ أَهْل الْكِتَاب وَقِيلَ الْمُرَاد غَيْرهمْ لِحَدِيثِ أَبِي ثَعْلَبَة الْخُشَنِيّ : سَأَلْت عَنْهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : "ائْتَمِرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنَاهَوْا عَنْ الْمُنْكَر حَتَّى إذَا رَأَيْت شُحًّا مُطَاعًا وَهَوًى مُتَّبَعًا وَدُنْيَا مُؤْثَرَة وَإِعْجَاب كُلّ ذِي رَأْي بِرَأْيِهِ فَعَلَيْك نَفْسك" رَوَاهُ الْحَاكِم وَغَيْره "إلَى اللَّه مَرْجِعكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ" فَيُجَازِيكُمْ بِهِ




106
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ

"يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَة بَيْنكُمْ إذَا حَضَرَ أَحَدكُمْ الْمَوْت" أَيْ أَسْبَابه "حِين الْوَصِيَّة اثْنَانِ ذَوَا عَدْل مِنْكُمْ" خَبَر بِمَعْنَى الْأَمْر أَيْ لِيَشْهَد وَإِضَافَة شَهَادَة لَبَيِّن عَلَى الِاتِّسَاع وَحِين بَدَل مِنْ إذَا أَوْ ظَرْف لحَضَرَ "أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْركُمْ" أَيْ غَيْر مِلَّتكُمْ "إنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ" سَافَرْتُمْ "فِي الْأَرْض فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَة الْمَوْت تَحْبِسُونَهُمَا" تُوقِفُونَهُمَا صِفَة آخَرَانِ "مِنْ بَعْد الصَّلَاة" أَيْ صَلَاة الْعَصْر "فَيُقْسِمَانِ" يَحْلِفَانِ "بِاَللَّهِ إنْ ارْتَبْتُمْ" شَكَكْتُمْ فِيهَا وَيَقُولَانِ "لَا نَشْتَرِي بِهِ" بِاَللَّهِ "ثَمَنًا" عِوَضًا نَأْخُذهُ بَدَله مِنْ الدُّنْيَا بِأَنْ نَحْلِف بِهِ أَوْ نَشْهَد كَذِبًا لِأَجْلِهِ "وَلَوْ كَانَ" الْمُقْسَم لَهُ أَوْ الْمَشْهُود لَهُ "ذَا قُرْبَى" قَرَابَة مِنَّا "وَلَا نَكْتُم شَهَادَة اللَّه" الَّتِي أُمِرْنَا بِهَا "إنَّا إذًا" إنْ كَتَمْنَاهَا




107
فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ

"فَإِنْ عُثِرَ" اُطُّلِعَ بَعْد حَلِفهمَا "عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إثْمًا" أَيْ فِعْلًا مَا يُوجِبهُ مِنْ خِيَانَة أَوْ كَذِب فِي الشَّهَادَة بِأَنْ وُجِدَ عِنْدهمَا مِثْلَا مَا اُتُّهِمَا بِهِ وَادَّعَيَا أَنَّهُمَا ابْتَاعَاهُ مِنْ الْمَيِّت أَوْ وَصَّى لَهُمَا بِهِ "فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامهمَا" فِي تَوَجُّه الْيَمِين عَلَيْهِمَا "مِنْ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمْ" الْوَصِيَّة وَهُمْ الْوَرَثَة وَيُبْدَل مِنْ آخَرَانِ "الْأَوْلَيَانِ" بِالْمَيِّتِ أَيْ الْأَقْرَبَانِ إلَيْهِ وَفِي قِرَاءَة الْأَوَّلَيْنِ جَمْع أَوَّل صِفَة أَوْ بَدَل مِنْ الَّذِينَ "فَيُقْسِمَانِ بِاَللَّهِ" عَلَى خِيَانَة الشَّاهِدَيْنِ وَيَقُولَانِ "لَشَهَادَتنَا" يَمِيننَا "أَحَقّ" أَصْدَق "مِنْ شَهَادَتهمَا" يَمِينهمَا "وَمَا اعْتَدَيْنَا" تَجَاوَزْنَا الْحَقّ فِي الْيَمِين "إنَّا إذًا لَمِنْ الظَّالِمِينَ" الْمَعْنَى لِيُشْهِد الْمُحْتَضِر عَلَى وَصِيَّته اثْنَيْنِ أَوْ يُوصِي إلَيْهِمَا مِنْ أَهْل دِينه أَوْ غَيْرهمْ إنْ فَقَدَهُمْ لِسَفَرٍ وَنَحْوه فَإِنْ ارْتَابَ الْوَرَثَة فِيهِمَا فَادَّعَوْا أَنَّهُمَا خَانَا بِأَخْذِ شَيْء أَوْ دَفْعه إلَى شَخْص زَعَمَا أَنَّ الْمَيِّت أَوْصَى لَهُ بِهِ فَلْيَحْلِفَا إلَى آخِره فَإِنْ اطَّلَعَ عَلَى أَمَارَة تَكْذِيبهمَا فَادَّعَيَا دَافِعًا لَهُ حَلَفَ أَقْرَب الْوَرَثَة عَلَى كَذِبهمَا وَصَدَّقَ مَا ادَّعَوْهُ وَالْحُكْم ثَابِت فِي الْوَصِيَّيْنِ مَنْسُوخ فِي الشَّاهِدَيْنِ وَكَذَا شَهَادَة غَيْر أَهْل الْمِلَّة مَنْسُوخَة وَاعْتِبَار صَلَاة الْعَصْر لِلتَّغْلِيظِ وَتَخْصِيص الْحَلِف فِي الْآيَة بِاثْنَيْنِ مِنْ أَقْرَب الْوَرَثَة لِخُصُوصِ الْوَاقِعَة الَّتِي نَزَلَتْ لَهَا وَهِيَ مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيّ أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي سَهْم خَرَجَ مَعَ تَمِيم الدَّارِيّ وَعَدِيّ بْن بُدَاء أَيْ وَهُمَا نَصْرَانِيَّانِ , فَمَاتَ السَّهْمِيّ بِأَرْضٍ لَيْسَ فِيهَا مُسْلِم فَلَمَّا قَدِمَا بِتَرِكَتِهِ فَقَدُوا جَامًا مِنْ فِضَّة مُخَوَّصًا بِالذَّهَبِ فَرُفِعَا إلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَزَلَتْ فَأَحْلَفَهُمَا ثُمَّ وُجِدَ الْجَام بِمَكَّة فَقَالُوا ابْتَعْنَاهُ مِنْ تَمِيم وَعَدِيّ فَنَزَلَتْ الْآيَة الثَّانِيَة فَقَامَ رَجُلَانِ مِنْ أَوْلِيَاء السَّهْمِيّ فَحَلَفَا , وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ فَقَامَ عَمْرو بْن الْعَاصِ وَرَجُل آخَر مِنْهُمْ فَحَلَفَا وَكَانَ أَقْرَب إلَيْهِ وَفِي رِوَايَة فَمَرِضَ فَأَوْصَى إلَيْهِمَا وَأَمَرَهُمَا أَنْ يَبْلُغَا مَا تَرَكَ أَهْله فَلَمَّا مَاتَ أَخَذَا الْجَام وَدَفَعَا إلَى أَهْله مَا بَقِيَ




108
ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ

"ذَلِكَ" الْحُكْم الْمَذْكُور مِنْ رَدّ الْيَمِين عَلَى الْوَرَثَة "أَدْنَى" أَقْرَب إلَى "أَنْ يَأْتُوا" أَيْ الشُّهُود أَوْ الْأَوْصِيَاء "بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْههَا" الَّذِي تَحَمَّلُوهَا عَلَيْهِ مِنْ غَيْر تَحْرِيف وَلَا خِيَانَة "أَوْ" أَقْرَب إلَى أَنْ "يَخَافُوا أَنْ تُرَدّ أَيْمَان بَعْد أَيْمَانهمْ" عَلَى الْوَرَثَة الْمُدَّعِينَ فَيَحْلِفُونَ عَلَى خِيَانَتهمْ وَكَذِبهمْ فَيَفْتَضِحُونَ وَيَغْرَمُونَ فَلَا يَكْذِبُوا "وَاتَّقُوا اللَّه" بِتَرْكِ الْخِيَانَة وَالْكَذِب "وَاسْمَعُوا" مَا تُؤْمَرُونَ بِهِ سَمَاع قَبُول "وَاَللَّه لَا يَهْدِي الْقَوْم الْفَاسِقِينَ" الْخَارِجِينَ عَنْ طَاعَته إلَى سَبِيل الْخَيْر




109
يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ

"يَوْم يَجْمَع اللَّه الرُّسُل" هُوَ يَوْم الْقِيَامَة "فَيَقُول" لَهُمْ تَوْبِيخًا لِقَوْمِهِمْ "مَاذَا" أَيْ الَّذِي "أُجِبْتُمْ" بِهِ حِين دَعَوْتُمْ إلَى التَّوْحِيد "قَالُوا لَا عِلْم لَنَا" بِذَلِكَ "إنَّك أَنْت عَلَّام الْغُيُوب" مَا غَابَ عَنْ الْعِبَاد وَذَهَبَ عَنْهُمْ عِلْمه لِشِدَّةِ هَوْل يَوْم الْقِيَامَة وَفَزَعهمْ ثُمَّ يَشْهَدُونَ عَلَى أُمَمهمْ لَمَّا يَسْكُنُونَ




110
إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ

اُذْكُرْ "إذْ قَالَ اللَّه يَا عِيسَى ابْن مَرْيَم اُذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْك وَعَلَى وَالِدَتك" بِشُكْرِهَا "إذْ أَيَّدْتُك" قَوَّيْتُك "بِرُوحِ الْقُدُس" جِبْرِيل "تُكَلِّم النَّاس" حَال مِنْ الْكَاف فِي أَيَّدْتُك "فِي الْمَهْد" أَيْ طِفْلًا "وَكَهْلًا" يُفِيد نُزُوله قَبْل السَّاعَة لِأَنَّهُ رُفِعَ قَبْل الْكُهُولَة كَمَا سَبَقَ فِي آل عِمْرَان "وَإِذْ عَلَّمْتُك الْكِتَاب وَالْحِكْمَة وَالتَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَإِذْ تَخْلُق مِنْ الطِّين كَهَيْئَةِ" كَصُورَةِ "الطَّيْر" وَالْكَاف اسْم بِمَعْنَى مِثْل مَفْعُول "بِإِذْنِي فَتَنْفُخ فِيهَا فَتَكُون طَيْرًا بِإِذْنِي" بِإِرَادَتِي "وَتُبْرِئ الْأَكْمَه وَالْأَبْرَص بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِج الْمَوْتَى" مِنْ قُبُورهمْ أَحْيَاء "بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْت بَنِي إسْرَائِيل عَنْك" حِين هَمُّوا بِقَتْلِك "إذْ جِئْتهمْ بِالْبَيِّنَاتِ" الْمُعْجِزَات "فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إنْ" مَا "هَذَا" الَّذِي جِئْت بِهِ "إلَّا سِحْر مُبِين" وَفِي قِرَاءَة سَاحِر أَيْ عِيسَى




111
وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ

"وَإِذْ أَوْحَيْت إلَى الْحَوَارِيِّينَ" أَمَرْتهمْ عَلَى لِسَانه "أَنْ" أَيْ بِأَنْ "آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي" عِيسَى "قَالُوا آمَنَّا" بِهِمَا




112
إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ

اُذْكُرْ "إذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْن مَرْيَم هَلْ يَسْتَطِيع" أَيْ يَفْعَل "رَبّك" وَفِي قِرَاءَة بالْفَوْقَانية وَنُصِبَ مَا بَعْده أَيْ تَقْدِر أَنْ تَسْأَلهُ "أَنْ يُنْزِل عَلَيْنَا مَائِدَة مِنْ السَّمَاء قَالَ" لَهُمْ عِيسَى "اتَّقُوا اللَّه" فِي اقْتِرَاح الْآيَات




113
قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ

"قَالُوا نُرِيد" سُؤَالهَا مِنْ أَجْل "أَنْ نَأْكُل مِنْهَا وَتَطْمَئِنّ" تَسْكُن "قُلُوبنَا" بِزِيَادَةِ الْيَقِين "وَنَعْلَم" نَزْدَاد عِلْمًا "أَنْ" مُخَفَّفَة أَيْ أَنَّك "قَدْ صَدَقْتنَا" فِي ادِّعَاء النُّبُوَّة



114
قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ

"قَالَ عِيسَى ابْن مَرْيَم اللَّهُمَّ رَبّنَا أَنْزِل عَلَيْنَا مَائِدَة مِنْ السَّمَاء تَكُون لَنَا" أَيْ يَوْم نُزُولهَا "عِيدًا" نُعَظِّمهُ وَنُشَرِّفهُ "لِأَوَّلِنَا" بَدَل مِنْ لَنَا بِإِعَادَةِ الْجَارّ "وَآخِرنَا" مِمَّنْ يَأْتِي بَعْدنَا "وَآيَة مِنْك" عَلَى قُدْرَتك وَنُبُوَّتِي "وَارْزُقْنَا" إيَّاهَا




115
قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ

"قَالَ اللَّه" مُسْتَجِيبًا لَهُ "إنِّي مُنَزِّلُهَا" بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيد "عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُر بَعْد" أَيْ بَعْد نُزُولهَا "مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبهُ أَحَدًا مِنْ الْعَالَمِينَ" فَنَزَلَتْ الْمَلَائِكَة بِهَا مِنْ السَّمَاء عَلَيْهَا سَبْعَة أَرْغِفَة وَسَبْعَة أَحْوَات فَأَكَلُوا مِنْهَا حَتَّى شَبِعُوا قَالَهُ ابْن عَبَّاس وَفِي حَدِيث أُنْزِلَتْ الْمَائِدَة مِنْ السَّمَاء خُبْزًا وَلَحْمًا فَأُمِرُوا أَنْ لَا يَخُونُوا وَلَا يَدَّخِرُوا لِغَدٍ فَخَانُوا وَادَّخَرُوا فَمُسِخُوا قِرَدَة وَخَنَازِير





116
وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ

"و" اُذْكُرْ "إذْ قَالَ" أَيْ يَقُول "اللَّه" لِعِيسَى فِي الْقِيَامَة تَوْبِيخًا لِقَوْمِهِ "يَا عِيسَى ابْن مَرْيَم أَأَنْت قُلْت لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إلَهَيْنِ مِنْ دُون اللَّه قَالَ " عِيسَى وَقَدْ أُرْعِدَ "سُبْحَانك" تَنْزِيهًا لَك عَمَّا لَا يَلِيق بِك مِنْ شَرِيك وَغَيْره "مَا يَكُون" مَا يَنْبَغِي "لِي أَنْ أَقُول مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ" خَبَر لَيْسَ وَلِي لِلتَّبْيِينِ "إنْ كُنْت قُلْته فَقَدْ عَلِمْته تَعْلَم مَا" أُخْفِيه "فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَم مَا فِي نَفْسك" أَيْ مَا تُخْفِيه مِنْ مَعْلُومَاتك





117
مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ

"مَا قُلْت لَهُمْ إلَّا مَا أَمَرْتنِي بِهِ" وَهُوَ "أَنْ اُعْبُدُوا اللَّه رَبِّي وَرَبّكُمْ وَكُنْت عَلَيْهِمْ شَهِيدًا" رَقِيبًا أَمْنَعهُمْ مِمَّا يَقُولُونَ "مَا دُمْت فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتنِي" قَبَضْتنِي بِالرَّفْعِ إلَى السَّمَاء "كُنْت أَنْت الرَّقِيب عَلَيْهِمْ" الْحَفِيظ لِأَعْمَالِهِمْ "وَأَنْت عَلَى كُلّ شَيْء" مِنْ قَوْلِي لَهُمْ وَقَوْلهمْ بَعْدِي وَغَيْر ذَلِكَ "شَهِيد" مُطَّلِع عَالِم بِهِ





118
إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ

"إنْ تُعَذِّبهُمْ" أَيْ مَنْ أَقَامَ عَلَى الْكُفْر مِنْهُمْ "فَإِنَّهُمْ عِبَادك" وَأَنْت مَالِكهمْ تَتَصَرَّف فِيهِمْ كَيْفَ شِئْت لَا اعْتِرَاض عَلَيْك "وَإِنْ تَغْفِر لَهُمْ" أَيْ لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ "فَإِنَّك أَنْت الْعَزِيز" عَلَى أَمْره "الْحَكِيم" فِي صُنْعه





119
قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ

"قَالَ اللَّه هَذَا" أَيْ يَوْم الْقِيَامَة "يَوْم يَنْفَع الصَّادِقِينَ" فِي الدُّنْيَا كَعِيسَى "صِدْقهمْ" لِأَنَّهُ يَوْم الْجَزَاء وَلَا يَنْفَع الْكَاذِبِينَ فِي الدُّنْيَا صِدْقهمْ فِيهِ كَالْكُفَّارِ لِمَا يُؤْمِنُونَ عِنْد رُؤْيَة الْعَذَاب "لَهُمْ جَنَّات تَجْرِي مِنْ تَحْتهَا الْأَنْهَار خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ" بِطَاعَتِهِ "وَرَضُوا عَنْهُ" بِثَوَابِهِ "ذَلِكَ الْفَوْز الْعَظِيم" وَلَا يَنْفَع الْكَاذِبِينَ فِي الدُّنْيَا صِدْقهمْ فِيهِ كَالْكُفَّارِ لَمَا يُؤْمِنُونَ عِنْد رُؤْيَة الْعَذَاب






120
لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ

"لِلَّهِ مُلْك السَّمَاوَات وَالْأَرْض" خَزَائِن الْمَطَر وَالنَّبَات وَالرِّزْق وَغَيْرهَا "وَمَا فِيهِنَّ" أَتَى بِمَا تَغْلِيبًا لِغَيْرِ الْعَاقِل "وَهُوَ عَلَى كُلّ شَيْء قَدِير" وَمِنْهُ إثَابَة الصَّادِق وَتَعْذِيب الْكَاذِب , وَخُصَّ الْعَقْل ذَاته فَلَيْسَ عَلَيْهَا بِقَادِرٍ



تم بحمد الله ختم تفسير سورة المـــــــائدة


توقيع HecT000R :





انا مشــً فارســ ولا فتٌى احلامــ ،، انا زحمةِ و ربكٌة و شغلــ جنانًــ
نصى بيضحكَــ و التانى زعلانًــ ،، انا شيخً_فلتانُــ
طيبــ شرير و جرئ و جبانًـ ،، اوقاتــ مشرقٌــ ،، و اوقاتــ بهتانـ
و ساعاتــ سلمُــ ،، و ساعاتــ تعبانًــ ،، مفترى جداً ،، و كمانًــ غلبانــ

التعديل الأخير تم بواسطة HecT000R ; 05-05-2010 الساعة 02:35 PM

رد مع اقتباس
إعلانات google

قديم 05-05-2010, 02:42 PM   #2

HecT000R
كبار الشخصيات



الصورة الرمزية HecT000R


• الانـتـسـاب » Mar 2009
• رقـم العـضـويـة » 59040
• المشـــاركـات » 7,893
• الـدولـة » مطروح / اسكندرية الصحراوى
• الـهـوايـة »
• اسـم الـسـيـرفـر » No Server
• الـجـنـس » Male
• نقـاط التقييم » 58
HecT000R جـيـد

HecT000R غير متواجد حالياً



افتراضي



1
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ

سُورَة الْأَنْعَام [ مَكِّيَّة إلَّا الْآيَات : 20 و23 و91 و93 و114 و141 و151 و152 و153 فَمَدَنِيَّة وَآيَاتهَا 165 ]

"الْحَمْد" وَهُوَ الْوَصْف بِالْجَمِيلِ ثَابِت "لِلَّهِ" وَهَلْ الْمُرَاد الْإِعْلَام بِذَلِك لِلْإِيمَانِ بِهِ أَوْ الثَّنَاء بِهِ أَوْ هُمَا ؟ احْتِمَالَات أَفْيَدهَا الثَّالِث قَالَهُ الشَّيْخ فِي سُورَة الْكَهْف "الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَات وَالْأَرْض" خَصَّهُمَا بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُمَا أَعْظَم الْمَخْلُوقَات لِلنَّاظِرِينَ "وَجَعَلَ" خَلَقَ "الظُّلُمَات وَالنُّور" أَي: كُلّ ظُلْمَة وَنُور وَجَمَعَهَا دُونه لِكَثْرَةِ أَسْبَابهَا وَهَذَا مِنْ دَلَائِل وَحْدَانِيّته "ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا" مَعَ قِيَام هَذَا الدَّلِيل "بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ" يُسَوُّونَ غَيْره فِي الْعِبَادَة





2
هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ

"هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِين" بِخَلْقِ أَبِيكُمْ آدَم مِنْهُ "ثُمَّ قَضَى أَجَلًا" لَكُمْ تَمُوتُونَ عِنْد انْتِهَائِهِ "وَأَجَل مُسَمًّى" مَضْرُوب "عِنْده" لِبَعْثِكُمْ "ثُمَّ أَنْتُمْ" أَيّهَا الْكُفَّار "تَمْتَرُونَ" تَشُكُّونَ فِي الْبَعْث بَعْد عِلْمكُمْ أَنَّهُ ابْتَدَأَ خَلْقكُمْ وَمَنْ قَدَرَ عَلَى الِابْتِدَاء فَهُوَ عَلَى الْإِعَادَة أَقْدَر





3
وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ

"وَهُوَ اللَّه" مُسْتَحِقّ لِلْعِبَادَةِ "فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض يَعْلَم سِرّكُمْ وَجَهْركُمْ" مَا تُسِرُّونَ وَمَا تَجْهَرُونَ بِهِ بَيْنكُمْ "وَيَعْلَم مَا تَكْسِبُونَ" تَعْمَلُونَ مِنْ خَيْر وَشَرّ




4
وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ

"وَمَا تَأْتِيهِمْ" أَيْ أَهْل مَكَّة "مِنْ" صِلَة "آيَة مِنْ آيَات رَبّهمْ" مِنْ الْقُرْآن




5
فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ

"فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ" بِالْقُرْآنِ "لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاء" عَوَاقِب




6
أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ

"أَلَمْ يَرَوْا" فِي أَسْفَارهمْ إلَى الشَّام وَغَيْرهَا "كَمْ" خَبَرِيَّة بِمَعْنَى كَثِيرًا "أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلهمْ مِنْ قَرْن" أُمَّة مِنْ الْأُمَم الْمَاضِيَة "مَكَّنَّاهُمْ" أَعْطَيْنَاهُمْ مَكَانًا "فِي الْأَرْض" بِالْقُوَّةِ وَالسِّعَة "مَا لَمْ نُمَكِّن" نُعْطِ "لَكُمْ" فِيهِ الْتِفَات عَنْ الْغَيْبَة "وَأَرْسَلْنَا السَّمَاء" الْمَطَر "عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا" مُتَتَابِعًا "وَجَعَلْنَا الْأَنْهَار تَجْرِي مِنْ تَحْتهمْ" تَحْت مَسَاكِنهمْ "فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ" بِتَكْذِيبِهِمْ الْأَنْبِيَاء




7
وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ

"وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْك كِتَابًا" مَكْتُوبًا "فِي قِرْطَاس" رَقّ كَمَا اقْتَرَحُوهُ "فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ" أَبْلَغ مَنْ عَايَنُوهُ لِأَنَّهُ أَنْفَى لِلشَّكِّ "لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ" مَا "هَذَا إلَّا سِحْر مُبِين" تَعَنُّتًا وَعِنَادًا




8
وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ

"وَقَالُوا لَوْلَا" هَلَّا "أُنْزِلَ عَلَيْهِ" عَلَى مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "مَلَك" يُصَدِّقهُ "وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا" كَمَا اقْتَرَحُوا فَلَمْ يُؤْمِنُوا "لَقُضِيَ الْأَمْر" بِهَلَاكِهِمْ "ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ" يُمْهَلُونَ لِتَوْبَةٍ أَوْ مَعْذِرَة كَعَادَةِ اللَّه فِيمَنْ قَبْلهمْ مِنْ إهْلَاكهمْ عِنْد وُجُود مُقْتَرَحهمْ إذَا لَمْ يُؤْمِنُوا




9
وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ

"وَلَوْ جَعَلْنَاهُ" أَيْ الْمُنَزَّل إلَيْهِمْ "مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ" أَيْ الْمَلَك "رَجُلًا" أَيْ عَلَى صُورَته لِيَتَمَكَّنُوا مِنْ رُؤْيَته إذْ لَا قُوَّة لِلْبَشَرِ عَلَى رُؤْيَة الْمَلَك "و" لَوْ أَنْزَلْنَاهُ وَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا "لَلَبَسْنَا" شَبَّهْنَا "عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ" عَلَى أَنْفُسهمْ بِأَنْ يَقُولُوا مَا هَذَا إلَّا بَشَر مِثْلكُمْ




10
وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ

"وَلَقَدْ اُسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلك" فِيهِ تَسْلِيَة لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "فَحَاقَ" نَزَلَ "بِاَلَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ" وَهُوَ الْعَذَاب فَكَذَا يَحِيق بِمَنْ اسْتَهْزَأَ بِك




11
قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ

"قُلْ" لَهُمْ "سِيرُوا فِي الْأَرْض ثُمَّ اُنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَة الْمُكَذِّبِينَ" الرُّسُل مِنْ هَلَاكهمْ بِالْعَذَابِ لِيَعْتَبِرُوا



12
قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ

"قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض قُلْ لِلَّهِ" إنْ لَمْ يَقُولُوهُ لَا جَوَاب غَيْره "كَتَبَ عَلَى نَفْسه" قَضَى عَلَى نَفْسه "الرَّحْمَة" فَضْلًا مِنْهُ وَفِيهِ تَلَطُّف فِي دُعَائِهِمْ إلَى الْإِيمَان "لَيَجْمَعَنكُمْ إلَى يَوْم الْقِيَامَة" لِيُجَازِيَكُمْ بِأَعْمَالِكُمْ "لَا رَيْب" شَكّ "فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسهمْ" بِتَعْرِيضِهَا لِلْعَذَابِ مُبْتَدَأ خَبَره "فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ"





13
وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ

"وَلَهُ" تَعَالَى "مَا سَكَنَ" حَلَّ "فِي اللَّيْل وَالنَّهَار" أَيْ كُلّ شَيْء فَهُوَ رَبّه وَخَالِقه وَمَالِكه "وَهُوَ السَّمِيع" لِمَا يُقَال "الْعَلِيم" بِمَا يَفْعَل




14
قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ

"قُلْ" لَهُمْ "أَغَيْر اللَّه أَتَّخِذ وَلِيًّا" أَعْبُدهُ "فَاطِر السَّمَاوَات وَالْأَرْض" مُبْدِعهمَا "وَهُوَ يُطْعِم" يَرْزُق "وَلَا يُطْعَم" يُرْزَق "قُلْ إنِّي أُمِرْت أَنْ أَكُون أَوَّل مَنْ أَسْلَمَ" لِلَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّة "و" قِيلَ لِي "لَا تَكُونَن مِنْ الْمُشْرِكِينَ" بِهِ




15
قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ

"قُلْ إنِّي أَخَاف إنْ عَصَيْت رَبِّي" بِعِبَادَةِ غَيْره "عَذَاب يَوْم عَظِيم" هُوَ يَوْم الْقِيَامَة





16
مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ

"مَنْ يُصْرَف" بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ أَيْ الْعَذَاب وَلِلْفَاعِلِ أَيْ اللَّه وَالْعَائِد مَحْذُوف "عَنْهُ يَوْمئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ" تَعَالَى أَيْ أَرَادَ لَهُ الْخَيْر "وَذَلِكَ الْفَوْز الْمُبِين" النَّجَاة الظَّاهِرَة





17
وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ

"وَإِنْ يَمْسَسْك اللَّه بِضُرٍّ" بَلَاء كَمَرَضٍ وَفَقْر "فَلَا كَاشِف" رَافِع "لَهُ إلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْك بِخَيْرٍ" كَصِحَّةٍ وَغِنًى "فَهُوَ عَلَى كُلّ شَيْء قَدِير" وَمِنْهُ مَسَكَ بِهِ وَلَا يَقْدِر عَلَى رَدّه عَنْك غَيْره





18
وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ

"وَهُوَ الْقَاهِر" الْقَادِر الَّذِي لَا يُعْجِزهُ شَيْء مُسْتَعْلِيًا "فَوْق عِبَاده وَهُوَ الْحَكِيم" فِي خَلْقه "الْخَبِير" بِبَوَاطِنِهِمْ كَظَوَاهِرِهِمْ




19
قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ

نَزَلَ لَمَّا قَالُوا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ائْتِنَا بِمَنْ يَشْهَد لَك بِالنُّبُوَّةِ فَإِنَّ أَهْل الْكِتَاب أَنْكَرُوك : "قُلْ" لَهُمْ "أَيّ شَيْء أَكْبَر شَهَادَة" تَمْيِيز مُحَوَّل عَنْ الْمُبْتَدَأ "قُلْ اللَّه" إنْ لَمْ يَقُولُوهُ لَا جَوَاب غَيْره هُوَ "شَهِيد بَيْنِي وَبَيْنكُمْ" عَلَى صِدْقِي "وَأُوحِيَ إلَيَّ هَذَا الْقُرْآن لِأُنْذِركُمْ" أُخَوِّفكُمْ يَا أَهْل مَكَّة "بِهِ وَمَنْ بَلَغَ" عُطِفَ عَلَى ضَمِير أُنْذِركُمْ أَيْ بِلُغَةِ الْقُرْآن مِنْ الْإِنْس وَالْجِنّ "أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّه آلِهَة أُخْرَى" اسْتِفْهَام إنْكَارِيّ "قُلْ" لَهُمْ "لَا أَشْهَد" بِذَلِكَ "قُلْ إنَّمَا هُوَ إلَه وَاحِد وَإِنَّنِي بَرِيء مِمَّا تُشْرِكُونَ" مَعَهُ مِنْ الْأَصْنَام



الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ

"الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَاب يَعْرِفُونَهُ" أَيْ مُحَمَّدًا بِنَعْتِهِ فِي كِتَابهمْ "كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسهمْ" مِنْهُمْ "فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ" بِهِ





21
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ

"وَمَنْ" أَيْ لَا أَحَد "أَظْلَم مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّه كَذِبًا" بِنِسْبَةِ الشَّرِيك إلَيْهِ "أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ" الْقُرْآن "إنَّهُ" أَيْ الشَّأْن "لَا يُفْلِح الظَّالِمُونَ" بِذَلِكَ
[/center]




22
وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ

"وَ" اذْكُرْ " يَوْم نَحْشُرهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُول لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا" تَوْبِيخًا "أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمْ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ" أَنَّهُمْ شُرَكَاء اللَّه




23
ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ

"ثُمَّ لَمْ تَكُنْ" بِالتَّاءِ وَالْيَاء "فِتْنَتهمْ" بِالنَّصْبِ وَالرَّفْع أَيْ مَعْذِرَتهمْ "إلَّا أَنْ قَالُوا" أَيْ قَوْلهمْ "وَاَللَّه رَبّنَا" بِالْجَرِّ نَعْت وَالنَّصْب نِدَاء





24
انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ

"اُنْظُرْ" يَا مُحَمَّد "كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسهمْ" بِنَفْيِ الشِّرْك عَنْهُمْ "وَضَلَّ" غَابَ "عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ" يَفْتَرُونَهُ عَلَى اللَّه مِنْ شُرَكَاء




25
وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ

"وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِع إلَيْك" إذَا قَرَأْت "وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبهمْ أَكِنَّة" أَغْطِيَة لـ "أَنْ" لَا "يَفْقُهُوهُ" يَفْهَمُوا الْقُرْآن "وَفِي آذَانهمْ وَقْرًا" صَمَمًا فَلَا يَسْمَعُونَهُ سَمَاع قَبُول "وَإِنْ يَرَوْا كُلّ آيَة لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إذَا جَاءُوك يُجَادِلُونَك يَقُول الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ" مَا "هَذَا" الْقُرْآن "إلَّا أَسَاطِير الْأَوَّلِينَ" أَكَاذِيب كَالْأَضَاحِيكِ وَالْأَعَاجِيب جَمْع أُسْطُورَة بِالضَّمِّ





26
وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ

"وَهُمْ يَنْهَوْنَ" النَّاس "عَنْهُ" عَنْ اتِّبَاع النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "وَيَنْأَوْنَ" يَتَبَاعَدُونَ "عَنْهُ" فَلَا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقِيلَ : نَزَلَتْ فِي أَبِي طَالِب كَانَ يَنْهَى عَنْ أَذَاهُ وَلَا يُؤْمِن بِهِ "وَإِنْ" مَا "يُهْلِكُونَ" بِالنَّأْيِ عَنْهُ "إلَّا أَنْفُسهمْ" لِأَنَّ ضَرَره عَلَيْهِمْ "وَمَا يَشْعُرُونَ" بِذَلِكَ




27
وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ

"وَلَوْ تَرَى" يَا مُحَمَّد "إذْ وُقِفُوا" عُرِضُوا "عَلَى النَّار فَقَالُوا يَا" لِلتَّنْبِيهِ "لَيْتَنَا نُرَدّ" إلَى الدُّنْيَا "وَلَا نُكَذِّب بِآيَاتِ رَبّنَا وَنَكُون مِنْ الْمُؤْمِنِينَ" بِرَفْعِ الْفِعْلَيْنِ اسْتِئْنَافًا وَنَصْبهمَا فِي جَوَاب التَّمَنِّي وَرَفْع الْأَوَّل وَنَصْب الثَّانِي وَجَوَاب لَوْ رَأَيْت أَمْرًا عَظِيمًا




28
بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ

"بَلْ" لِلْإِضْرَابِ عَنْ إرَادَة الْإِيمَان الْمَفْهُوم مِنْ التَّمَنِّي "بَدَا" ظَهَرَ "لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْل" يَكْتُمُونَ بِقَوْلِهِمْ "وَاَللَّه رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ" بِشَهَادَةِ جَوَارِحهمْ فَتَمَنَّوْا ذَلِكَ "وَلَوْ رُدُّوا" إلَى الدُّنْيَا فَرْضًا "لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ" مِنْ الشِّرْك "وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ" فِي وَعْدهمْ بِالْإِيمَانِ




29
وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ

"وَقَالُوا" أَيْ مُنْكِرُو الْبَعْث "إنْ" مَا "هِيَ" أَيْ الْحَيَاة




30
وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ

"وَلَوْ تَرَى إذْ وُقِفُوا" عُرِضُوا "عَلَى رَبّهمْ" لَرَأَيْت أَمْرًا عَظِيمًا "قَالَ" لَهُمْ عَلَى لِسَان الْمَلَائِكَة تَوْبِيخًا "أَلَيْسَ هَذَا" الْبَعْث وَالْحِسَاب "بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبّنَا" إنَّهُ لَحَقّ "قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَاب بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ" بِهِ فِي الدُّنْيَا




31
قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا

"قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّه" بِالْبَعْثِ "حَتَّى" غَايَة لِلتَّكْذِيبِ "إذَا جَاءَتْهُمْ السَّاعَة" الْقِيَامَة "بَغْتَة" فَجْأَة "قَالُوا يَا حَسْرَتنَا" هِيَ شِدَّة التَّأَلُّم وَنِدَاؤُهَا مَجَاز أَيْ هَذَا أَوَانك فَاحْضُرِي "عَلَى مَا فَرَّطْنَا" قَصَّرْنَا "فِيهَا" أَيْ الدُّنْيَا "وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارهمْ عَلَى ظُهُورهمْ" بِأَنْ تَأْتِيهِمْ عِنْد الْبَعْث فِي أَقْبَح شَيْء صُورَة وَأَنْتَنه رِيحًا فَتَرْكَبهُمْ "أَلَا سَاءَ" بِئْسَ "مَا يَزِرُونَ" يَحْمِلُونَهُ حَمْلهمْ ذَلِكَ




32
وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ


"وَمَا الْحَيَاة الدُّنْيَا" أَيْ الِاشْتِغَال بِهَا "إلَّا لَعِب وَلَهْو" وَأَمَّا الطَّاعَة وَمَا يُعِين عَلَيْهَا فَمِنْ أُمُور الْآخِرَة "وَلَلدَّار الْآخِرَة" وَفِي قِرَاءَة وَلَدَار الْآخِرَة أَيْ الْجَنَّة "خَيْر لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ" الشِّرْك "أَفَلَا يَعْقِلُونَ" بِالْيَاءِ وَالتَّاء ذَلِكَ فَيُؤْمِنُونَ





33
قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ

"قَدْ" لِلتَّحْقِيقِ "نَعْلَم إنَّهُ" أَيْ الشَّأْن "لَيَحْزُنك الَّذِي يَقُولُونَ" لَك مِنْ التَّكْذِيب "فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَك" فِي السِّرّ لِعِلْمِهِمْ أَنَّك صَادِق وَفِي قِرَاءَة بِالتَّخْفِيفِ أَيْ لَا يَنْسُبُونَك إلَى الْكَذِب "وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ" وَضَعَهُ مَوْضِع الْمُضْمَر "بِآيَاتِ اللَّه" الْقُرْآن "يَجْحَدُونَ" يُكَذِّبُونَ





34
وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ

"وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُل مِنْ قَبْلك" فِيهِ تَسْلِيَة لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرنَا" بِإِهْلَاكِ قَوْمهمْ فَاصْبِرْ حَتَّى يَأْتِيك النَّصْر بِإِهْلَاكِ قَوْمك "وَلَا مُبَدِّل لِكَلِمَاتِ اللَّه" مَوَاعِيده . "وَلَقَدْ جَاءَك مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ" مَا يَسْكُن بِهِ قَلْبك





35
وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ

"وَإِنْ كَانَ كَبُرَ" عَظُمَ "عَلَيْك إعْرَاضهمْ" عَنْ الْإِسْلَام لِحِرْصِك عَلَيْهِمْ "فَإِنْ اسْتَطَعْت أَنْ تَبْتَغِي نَفَقًا" سَرَبًا "فِي الْأَرْض أَوْ سُلَّمًا" مِصْعَدًا "فِي السَّمَاء فَتَأْتِيهِمْ بِآيَةٍ" مِمَّا اقْتَرَحُوا فَافْعَلْ الْمَعْنَى أَنَّك لَا تَسْتَطِيع ذَلِكَ فَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُم اللَّه "وَلَوْ شَاءَ اللَّه" هِدَايَتهمْ "لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى" وَلَكِنْ لَمْ يَشَأْ ذَلِكَ فَلَمْ يُؤْمِنُوا "فَلَا تَكُونَن مِنْ الْجَاهِلِينَ" بِذَلِكَ





36
إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ


"إنَّمَا يَسْتَجِيب" دُعَاءَك إلَى الْإِيمَان "الَّذِينَ يَسْمَعُونَ" سَمَاع تَفَهُّم وَاعْتِبَار "وَالْمَوْتَى" أَيْ الْكُفَّار شَبَّهَهُمْ بِهِمْ فِي عَدَم السَّمَاع "يَبْعَثهُمْ اللَّه" فِي الْآخِرَة "ثُمَّ إلَيْهِ يُرْجَعُونَ" يُرَدُّونَ فَيُجَازِيهِمْ بِأَعْمَالِهِمْ





37
وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ

"وَقَالُوا" أَيْ كُفَّار مَكَّة "لَوْلَا" هَلَّا "نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَة مِنْ رَبّه" كَالنَّاقَةِ وَالْعَصَا وَالْمَائِدَة "قُلْ" لَهُمْ "إنَّ اللَّه قَادِر عَلَى أَنْ يُنَزِّل" بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيف "آيَة" مِمَّا اقْتَرَحُوا "وَلَكِنَّ أَكْثَرهمْ لَا يَعْلَمُونَ" أَنَّ نُزُولهَا بَلَاء عَلَيْهِمْ لِوُجُوبِ هَلَاكهمْ إنْ جَحَدُوهَا






38
وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ

"وَمَا مِنْ" زَائِدَة "دَابَّة" تَمْشِي "فِي الْأَرْض وَلَا طَائِر يَطِير" فِي الْهَوَاء "بِجَنَاحَيْهِ إلَّا أُمَم أَمْثَالكُمْ" فِي تَدْبِير خَلْقهَا وَرِزْقهَا وَأَحْوَالهَا "مَا فَرَّطْنَا" تَرَكْنَا "فِي الْكِتَاب" اللَّوْح الْمَحْفُوظ "مِنْ" زَائِدَة "شَيْء" فَلَمْ نَكْتُبهُ "ثُمَّ إلَى رَبّهمْ يُحْشَرُونَ" فَيَقْضِي بَيْنهمْ وَيَقْتَصّ لِلْجَمَّاءِ مِنْ الْقَرْنَاء ثُمَّ يَقُول لَهُمْ كُونُوا تُرَابًا





39
وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ

"وَاَلَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا" الْقُرْآن "صُمّ" عَنْ سَمَاعهَا سَمَاع قَبُول "وَبُكْم" عَنْ النُّطْق بِالْحَقِّ "فِي الظُّلُمَات" الْكُفْر "مَنْ يَشَأْ اللَّه" إضْلَاله "يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ" هِدَايَته "يَجْعَلهُ عَلَى صِرَاط" طَرِيق "مُسْتَقِيم" دِين الْإِسْلَام





40
قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ

"قُلْ" يَا مُحَمَّد لِأَهْلِ مَكَّة "أَرَأَيْتُكُمْ" أَخْبِرُونِي "إنْ أَتَاكُمْ عَذَاب اللَّه" فِي الدُّنْيَا "أَوْ أَتَتْكُمْ السَّاعَة" الْقِيَامَة الْمُشْتَمِلَة عَلَيْهِ بَغْتَة "أَغَيْر اللَّه تَدْعُونَ" لَا "إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ" فِي أَنَّ الْأَصْنَام تَنْفَعكُمْ فَادْعُوهَا





41
بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ

"بَلْ إيَّاهُ" لَا غَيْره "تَدْعُونَ" فِي الشَّدَائِد "فَيَكْشِف مَا تَدْعُونَ إلَيْهِ" أَنْ يَكْشِفهُ عَنْكُمْ مِنْ الضُّرّ وَنَحْوه "إنْ شَاءَ" كَشْفه "وَتَنْسَوْنَ" تَتْرُكُونَ "مَا تُشْرِكُونَ" مَعَهُ مِنْ الْأَصْنَام فَلَا تَدْعُونَهُ





42
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ

"وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إلَى أُمَم مِنْ" زَائِدَة "قَبْلك" رُسُلًا فَكَذَّبُوهُمْ "فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ" شِدَّة الْفَقْر "وَالضَّرَّاء" الْمَرَض "لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ" يَتَذَلَّلُونَ فَيُؤْمِنُونَ





53
وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ

"وَكَذَلِكَ فَتَنَّا" ابْتَلَيْنَا "بَعْضهمْ بِبَعْضٍ" أَيْ الشَّرِيف بِالْوَضِيعِ وَالْغَنِيّ بِالْفَقِيرِ بِأَنْ قَدَّمْنَاهُ بِالسَّبْقِ إلَى الْإِيمَان "لِيَقُولُوا" أَيْ الشُّرَفَاء وَالْأَغْنِيَاء مُنْكِرِينَ "أَهَؤُلَاءِ" الْفُقَرَاء "مَنَّ اللَّه عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْننَا" بِالْهِدَايَةِ أَيْ لَوْ كَانَ مَا هُمْ عَلَيْهِ هُدًى مَا سَبَقُونَا إلَيْهِ "أَلَيْسَ اللَّه بِأَعْلَم بِالشَّاكِرِينَ" لَهُ فَيَهْدِيهِمْ : بَلَى




54
وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ

"وَإِذَا جَاءَك الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ" لَهُمْ "سَلَام عَلَيْكُمْ كَتَبَ" قَضَى "رَبّكُمْ عَلَى نَفْسه الرَّحْمَة أَنَّهُ" أَيْ الشَّأْن وَفِي قِرَاءَة بِالْفَتْحِ بَدَل مِنْ الرَّحْمَة "مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ" مِنْهُ حَيْثُ ارْتَكَبَهُ "ثُمَّ تَابَ" رَجَعَ "مِنْ بَعْده" بَعْد عَمَله عَنْهُ "وَأَصْلَحَ" عَمَله "فَإِنَّهُ" أَيْ اللَّه "غَفُور" لَهُ "رَحِيم" بِهِ وَفِي قِرَاءَة بِالْفَتْحِ أَيْ فَالْمَغْفِرَة لَهُ




55
وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ

"وَكَذَلِكَ" كَمَا بَيَّنَّا مَا ذُكِرَ "نُفَصِّل" نُبَيِّن "الْآيَات" الْقُرْآن لِيَظْهَر الْحَقّ فَيُعْمَل بِهِ "وَلِتَسْتَبِينَ" تَظْهَر "سَبِيل" طَرِيق "الْمُجْرِمِينَ" فَتُجْتَنَب وَفِي قِرَاءَة بالتحتانية وَفِي أُخْرَى بالفوقانية وَنَصْب سَبِيل خِطَاب لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ




56
قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ

"قُلْ إنِّي نُهِيت أَنْ أَعْبُد الَّذِينَ تَدْعُونَ" تَعْبُدُونَ "مِنْ دُون اللَّه قُلْ لَا أَتَّبِع أَهْوَاءَكُمْ" فِي عِبَادَتهَا "قَدْ ضَلَلْت إذًا" إنْ اتَّبَعْتهَا




57
قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ

"قُلْ إنِّي عَلَى بَيِّنَة" بَيَان "مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ" وَقَدْ كَذَّبْتُمْ بِرَبِّي حَيْثُ أَشْرَكْتُمْ "مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ" مِنْ الْعَذَاب "إنْ" مَا "الْحُكْم" فِي ذَلِكَ وَغَيْره "إلَّا لِلَّهِ يَقُصّ" الْقَضَاء "الْحَقّ وَهُوَ خَيْر الْفَاصِلِينَ" الْحَاكِمِينَ وَفِي قِرَاءَة يَقُصّ أَيْ يَقُول




58
قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ

"قُلْ" لَهُمْ "لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْر بَيْنِي وَبَيْنكُمْ" بِأَنْ أُعَجِّلهُ لَكُمْ وَأَسْتَرِيح وَلَكِنَّهُ عِنْد اللَّه "وَاَللَّه أَعْلَم بِالظَّالِمِينَ" مَتَى يُعَاقِبهُمْ




59
وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ

"وَعِنْده" تَعَالَى "مَفَاتِح الْغَيْب" خَزَائِنه أَوْ الطُّرُق الْمُوَصِّلَة إلَى عِلْمه "لَا يَعْلَمهَا إلَّا هُوَ" وَهِيَ الْخَمْسَة الَّتِي فِي قَوْله "إنَّ اللَّه عِنْده عِلْم السَّاعَة" الْآيَة كَمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيّ "وَيَعْلَم مَا" يَحْدُث "فِي الْبَرّ" الْقِفَار "وَالْبَحْر" الْقُرَى الَّتِي عَلَى الْأَنْهَار "وَمَا تَسْقُط مِنْ" زَائِدَة "وَرَقَة إلَّا يَعْلَمهَا وَلَا حَبَّة فِي ظُلُمَات الْأَرْض وَلَا رَطْب وَلَا يَابِس" عُطِفَ عَلَى وَرَقَة "إلَّا فِي كِتَاب مُبِين" هُوَ اللَّوْح الْمَحْفُوظ . وَالِاسْتِثْنَاء بَدَل اشْتِمَال مِنْ الِاسْتِثْنَاء قَبْله





60
وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ

"وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ" يَقْبِض أَرْوَاحكُمْ عِنْد النَّوْم "وَيَعْلَم مَا جَرَحْتُمْ" كَسَبْتُمْ "بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثكُمْ فِيهِ" أَيْ النَّهَار بِرَدِّ أَرْوَاحكُمْ "لِيُقْضَى أَجَل مُسَمًّى" هُوَ أَجَل الْحَيَاة "ثُمَّ إلَيْهِ مَرْجِعكُمْ" بِالْبَعْثِ "ثُمَّ يُنَبِّئكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ" فَيُجَازِيكُمْ بِهِ




61
وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ

"وَهُوَ الْقَاهِر" مُسْتَعْلِيًا "فَوْق عِبَاده وَيُرْسِل عَلَيْكُمْ حَفَظَة" مَلَائِكَة تُحْصِي أَعْمَالكُمْ "حَتَّى إذَا جَاءَ أَحَدكُمْ الْمَوْت تَوَفَّتْهُ" وَفِي قِرَاءَة تَوَفَّاهُ "رُسُلنَا" الْمَلَائِكَة الْمُوَكَّلُونَ بِقَبْضِ الْأَرْوَاح "وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ" يُقَصِّرُونَ فِيمَا يُؤْمَرُونَ بِهِ




62
ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ

"ثُمَّ رُدُّوا" أَيْ الْخَلْق "إلَى اللَّه مَوْلَاهُمْ" مَالِكهمْ "الْحَقّ" الثَّابِت الْعَدْل لِيُجَازِيَهُمْ "أَلَا لَهُ الْحُكْم" الْقَضَاء النَّافِذ فِيهِمْ "وَهُوَ أَسْرَع الْحَاسِبِينَ" يُحَاسِب الْخَلْق كُلّهمْ فِي قَدْر نِصْف نَهَار مِنْ أَيَّام الدُّنْيَا لِحَدِيثٍ بِذَلِكَ




63
قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ

"قُلْ" يَا مُحَمَّد لِأَهْلِ مَكَّة "مَنْ يُنْجِيكُمْ مِنْ ظُلُمَات الْبَرّ وَالْبَحْر" أَهْوَالهمَا فِي أَسْفَاركُمْ حِين "تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا" عَلَانِيَة "وَخُفْيَة" سِرًّا تَقُولُونَ "لَئِنْ" لَام قَسَم "أَنْجَيْتنَا" وَفِي قِرَاءَة أَنْجَانَا أَيْ اللَّه "مِنْ هَذِهِ" الظُّلُمَات وَالشَّدَائِد "لَنَكُونَنَّ مِنْ الشَّاكِرِينَ" الْمُؤْمِنِينَ




64
قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ

"قُلْ" لَهُمْ "اللَّه يُنَجِّيكُمْ" بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيد "مِنْهَا وَمِنْ كُلّ كَرْب" غَمّ سِوَاهَا "ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ" بِهِ




65
قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ

"قُلْ هُوَ الْقَادِر عَلَى أَنْ يَبْعَث عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقكُمْ" مِنْ السَّمَاء كَالْحِجَارَةِ وَالصَّيْحَة "أَوْ مِنْ تَحْت أَرَجُلكُمْ" كَالْخَسْفِ "أَوْ يُلْبِسكُمْ" يَخْلِطكُمْ "شِيَعًا" فِرَقًا مُخْتَلِفَة الْأَهْوَاء "وَيُذِيق بَعْضكُمْ بَأْس بَعْض" بِالْقِتَالِ قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَمَّا نَزَلَتْ "هَذَا أَهْوَن وَأَيْسَر" وَلَمَّا نَزَلَ مَا قَبْله قَالَ : "أَعُوذ بِوَجْهِك" رَوَاهُ الْبُخَارِيّ وَرَوَى مُسْلِم حَدِيث "سَأَلْت رَبِّي أَلَّا يَجْعَل بَأْس أُمَّتِي بَيْنهمْ فَمَنَعَنِيهَا" وَفِي حَدِيث "لَمَّا نَزَلَتْ قَالَ أَمَا إنَّهَا كَائِنَة وَلَمْ يَأْتِ تَأْوِيلهَا بَعْد" "اُنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّف" نُبَيِّن لَهُمْ "الْآيَات" الدَّلَالَات عَلَى قُدْرَتنَا "لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ" يَعْلَمُونَ أَنَّ مَا هُمْ عَلَيْهِ بَاطِل




66
وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ

"وَكَذَّبَ بِهِ" بِالْقُرْآنِ "قَوْمك وَهُوَ الْحَقّ" الصِّدْق "قُلْ" لَهُمْ "لَسْت عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ" فَأُجَازِيكُمْ إنَّمَا أَنَا مُنْذِر وَأَمْركُمْ إلَى اللَّه وَهَذَا قَبْل الْأَمْر بِالْقِتَالِ




67

لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ



"لِكُلِّ نَبَإ" خَبَر "مُسْتَقَرّ" وَقْت يَقَع فِيهِ وَيَسْتَقِرّ وَمِنْهُ عَذَابكُمْ "وَسَوْف تَعْلَمُونَ" تَهْدِيد لَهُمْ




68
وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ

"وَإِذَا رَأَيْت الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتنَا" الْقُرْآن بِالِاسْتِهْزَاءِ "فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ" وَلَا تُجَالِسهُمْ "حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيث غَيْره وَإِمَّا" فِيهِ إدْغَام نُون إنْ الشَّرْطِيَّة فِي مَا الْمَزِيدَة "يُنْسِيَنك" بِسُكُونِ النُّون وَالتَّخْفِيف وَفَتْحهَا وَالتَّشْدِيد "الشَّيْطَان" فَقَعَدْت مَعَهُمْ "فَلَا تَقْعُد بَعْد الذِّكْرَى" أَيْ تَذْكِرَة "مَعَ الْقَوْم الظَّالِمِينَ" فِيهِ وَضْع الظَّاهِر مَوْضِع الْمُضْمَر وَقَالَ الْمُسْلِمُونَ إنْ قُمْنَا كُلَّمَا خَاضُوا لَمْ نَسْتَطِعْ أَنْ نَجْلِس فِي الْمَسْجِد وَأَنْ نَطُوف فَنَزَلَ :




69
وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ

"وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ" اللَّه "مِنْ حِسَابهمْ" أَيْ الْخَائِضِينَ "مِنْ" زَائِدَة "شَيْء" إذَا جَالَسُوهُمْ "وَلَكِنْ" عَلَيْهِمْ "ذِكْرَى" تَذْكِرَة لَهُمْ وَمَوْعِظَة "لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ" الْخَوْض




70
وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ

"وَذَرْ" اُتْرُكْ "الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينهمْ" الَّذِي كُلِّفُوهُ "لَعِبًا وَلَهْوًا" بِاسْتِهْزَائِهِمْ بِهِ "وَغَرَّتْهُمْ الْحَيَاة الدُّنْيَا" فَلَا تَتَعَرَّض لَهُمْ وَهَذَا قَبْل الْأَمْر بِالْقِتَالِ "وَذَكِّرْ" عِظْ "بِهِ" بِالْقُرْآنِ النَّاس "أَنْ" لَا "تُبْسَل نَفْس" تَسْلَم إلَى الْهَلَاك "بِمَا كَسَبَتْ" عَمِلَتْ "لَيْسَ لَهَا مِنْ دُون اللَّه" أَيْ غَيْره "وَلِيّ" نَاصِر "وَلَا شَفِيع" يَمْنَع عَنْهَا الْعَذَاب "وَإِنْ تَعْدِل كُلّ عَدْل" تَفْدِ كُلّ فِدَاء "لَا يُؤْخَذ مِنْهَا" مَا تَفْدِي بِهِ "أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَاب مِنْ حَمِيم" مَاء بَالِغ نِهَايَة الْحَرَارَة "وَعَذَاب أَلِيم" مُؤْلِم "بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ" بِكُفْرِهِمْ




71
قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ

"قُلْ أَنَدْعُو" أَنَعْبُدُ "مِنْ دُون اللَّه مَا لَا يَنْفَعنَا" بِعِبَادَتِهِ "وَلَا يَضُرّنَا" بِتَرْكِهَا وَهُوَ الْأَصْنَام "وَنُرَدّ عَلَى أَعْقَابنَا" نَرْجِع مُشْرِكِينَ "بَعْد إذْ هَدَانَا اللَّه" إلَى الْإِسْلَام "كَاَلَّذِي اسْتَهْوَتْهُ" أَضَلَّتْهُ "الشَّيَاطِين فِي الْأَرْض حَيْرَان" مُتَحَيِّرًا لَا يَدْرِي أَيْنَ يَذْهَب حَال مِنْ الْهَاء "لَهُ أَصْحَاب" رُفْقَة "يَدْعُونَهُ إلَى الْهُدَى" أَيْ لِيُهْدُوهُ الطَّرِيق يَقُولُونَ لَهُ "ائْتِنَا" فَلَا يُجِيبهُمْ فَيَهْلَك وَالِاسْتِفْهَام لِلْإِنْكَارِ وَجُمْلَة التَّشْبِيه حَال مِنْ ضَمِير نُرَدّ "قُلْ إنَّ هُدَى اللَّه" الَّذِي هُوَ الْإِسْلَام "هُوَ الْهُدَى" وَمَا عَدَاهُ ضَلَال "وَأُمِرْنَا لِنُسْلِم" أَيْ بِأَنْ نُسْلِم




72
وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ

"وَأَنْ" أَيْ بِأَنْ "أَقِيمُوا الصَّلَاة وَاتَّقُوهُ" تَعَالَى "وَهُوَ الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ" تُجْمَعُونَ يَوْم الْقِيَامَة لِلْحِسَابِ





83
وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ

"وَتِلْكَ" مُبْتَدَأ وَيُبْدَل مِنْهُ "حُجَّتنَا" الَّتِي احْتَجَّ بِهَا إبْرَاهِيم عَلَى وَحْدَانِيَّة اللَّه مِنْ أُفُول الْكَوْكَب وَمَا بَعْده وَالْخَبَر "آتَيْنَاهَا إبْرَاهِيم" أَرْشَدْنَاهُ لَهَا حُجَّة "عَلَى قَوْمه نَرْفَع دَرَجَات مَنْ نَشَاء" بِالْإِضَافَةِ وَالتَّنْوِين فِي الْعِلْم وَالْحِكْمَة "إنَّ رَبّك حَكِيم" فِي صُنْعه "عَلِيم" بِخَلْقِهِ






84
وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ

"وَوَهَبْنَا لَهُ إسْحَاق وَيَعْقُوب" ابْنه "كُلًّا" مِنْهُمَا "هَدْينَا وَنُوحًا هَدْينَا مِنْ قَبْل" أَيْ قَبْل إبْرَاهِيم "وَمِنْ ذُرِّيَّته" أَيْ نُوح "دَاوُد وَسُلَيْمَان" ابْنه "وَأَيُّوب وَيُوسُف" ابْن يَعْقُوب "وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ" كَمَا جَزَيْنَاهُمْ






85
وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ

"وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى" ابْنه "وَعِيسَى" ابْن مَرْيَم يُفِيد أَنَّ الذُّرِّيَّة تَتَنَاوَل أَوْلَاد الْبِنْت "وَإِلْيَاس" ابْن أَخِي هَارُونَ أَخِي مُوسَى "كُلّ" مِنْهُمْ





86
وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ

"وَإِسْمَاعِيل" ابْن إبْرَاهِيم "وَاَلْيَسَع" اللَّام زَائِدَة "وَيُونُس وَلُوطًا" ابْن هَارَانِ أَخِي إبْرَاهِيم "وَكُلًّا" مِنْهُمْ "فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ" بِالنُّبُوَّةِ





87
وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ

"وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتهمْ وَإِخْوَانهمْ" عُطِفَ عَلَى كُلًّا أَوْ نُوحًا وَمِنْ لِلتَّبْعِيضِ لِأَنَّ بَعْضهمْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَد وَبَعْضهمْ كَانَ فِي وَلَده كَافِر "وَاجْتَبَيْنَاهُمْ" اخْتَرْنَاهُمْ





88
ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ

"ذَلِكَ" الدِّين الَّذِي هُدُوا إلَيْهِ "هُدَى اللَّه يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاء مِنْ عِبَاده وَلَوْ أَشْرَكُوا" فَرْضًا





89
أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ

"أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَاب" بِمَعْنَى الْكُتُب "وَالْحُكْم" الْحِكْمَة "وَالنُّبُوَّة فَإِنْ يَكْفُر بِهَا" أَيْ بِهَذِهِ الثَّلَاثَة "هَؤُلَاءِ" أَيْ أَهْل مَكَّة "فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا" أَرْصَدْنَا لَهَا "قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ" هُمْ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَار



90
أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ

"أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى" هُمْ "اللَّه فَبِهُدَاهُمْ" طَرِيقهمْ مِنْ التَّوْحِيد وَالصَّبْر "اقْتَدِهِ" بِهَاءِ السَّكْت وَقْفًا وَوَصْلًا وَفِي قِرَاءَة بِحَذْفِهَا وَصْلًا "قُلْ" لِأَهْلِ مَكَّة "لَا أَسْأَلكُمْ عَلَيْهِ" أَيْ الْقُرْآن "أَجْرًا" تُعْطُونِيهِ "إنْ هُوَ" مَا الْقُرْآن "إلَّا ذِكْرَى" عِظَة "لِلْعَالَمِينَ" الْإِنْس وَالْجِنّ





91
وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ

"وَمَا قَدَرُوا" أَيْ الْيَهُود "اللَّه حَقّ قَدْره" أَيْ مَا عَظَّمُوهُ حَقّ عَظَمَته أَوْ مَا عَرَفُوهُ حَقّ مَعْرِفَته "إذْ قَالُوا" لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ خَاصَمُوهُ فِي الْقُرْآن "مَا أَنْزَلَ اللَّه عَلَى بَشَر مِنْ شَيْء قُلْ" لَهُمْ "مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَاب الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ يَجْعَلُونَهُ" بِالْيَاءِ وَالتَّاء فِي الْمَوَاضِع الثَّلَاثَة "قَرَاطِيس" أَيْ يَكْتُبُونَهُ فِي دَفَاتِر مُقَطَّعَة "يُبْدُونَهَا" أَيْ مَا يُحِبُّونَ إبْدَاءَهُ مِنْهَا . "وَيُخْفُونَ كَثِيرًا" مِمَّا فِيهَا كَنَعْتِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "وَعَلِمْتُمْ" أَيّهَا الْيَهُود فِي الْقُرْآن "مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ" مِنْ التَّوْرَاة بِبَيَانِ مَا الْتَبَسَ عَلَيْكُمْ وَاخْتَلَفْتُمْ فِيهِ "قُلْ اللَّه" أَنْزَلَهُ إنْ لَمْ يَقُولُوهُ لَا جَوَاب غَيْره "ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضهمْ" بَاطِلهمْ




92
وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ

"وَهَذَا" الْقُرْآن "كِتَاب أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَك مُصَدِّق الَّذِي بَيْن يَدَيْهِ" قَبْله مِنْ الْكُتُب "وَلِتُنْذِر" بِالتَّاءِ وَالْيَاء عُطِفَ عَلَى مَعْنَى مَا قَبْله أَيْ أَنْزَلْنَاهُ لِلْبَرَكَةِ وَالتَّصْدِيق وَلِتُنْذِر بِهِ "أُمّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلهَا" أَيْ أَهْل مَكَّة وَسَائِر النَّاس "وَاَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتهمْ يُحَافِظُونَ" خَوْفًا مِنْ عِقَابهَا





93
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ

"وَمَنْ" أَيْ لَا أَحَد "أَظْلَم مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّه كَذِبًا" بِادِّعَاءِ النُّبُوَّة وَلَمْ يُنَبَّأ "أَوْ قَالَ أُوحِيَ إلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إلَيْهِ شَيْء" نَزَلَتْ فِي مُسَيْلِمَة "وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْل مَا أَنْزَلَ اللَّه" وَهُمْ الْمُسْتَهْزِئُونَ قَالُوا لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْل هَذَا "وَلَوْ تَرَى" يَا مُحَمَّد "إذْ الظَّالِمُونَ" الْمَذْكُورُونَ "فِي غَمَرَات" سَكَرَات "الْمَوْت وَالْمَلَائِكَة بَاسِطُوا أَيْدِيهمْ" إلَيْهِمْ بِالضَّرْبِ وَالتَّعْذِيب يَقُولُونَ لَهُمْ تَعْنِيفًا "أَخْرِجُوا أَنْفُسكُمْ" إلَيْنَا لِنَقْبِضهَا "الْيَوْم تُجْزَوْنَ عَذَاب الْهُون" الْهَوَان "بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّه غَيْر الْحَقّ" بِدَعْوَى النُّبُوَّة وَالْإِيحَاء كَذِبًا "وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاته تَسْتَكْبِرُونَ" تَتَكَبَّرُونَ عَنْ الْإِيمَان بِهَا وَجَوَاب لَوْ رَأَيْت أَمْرًا فَظِيعًا



94
وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ

"و" يُقَال لَهُمْ إذَا بُعِثُوا "لَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى" مُنْفَرِدِينَ عَنْ الْأَهْل وَالْمَال وَالْوَلَد "كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّل مَرَّة" أَيْ حُفَاة عُرَاة غُرْلًا "وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ" أَعْطَيْنَاكُمْ مِنْ الْأَمْوَال "وَرَاء ظُهُوركُمْ" فِي الدُّنْيَا بِغَيْرِ اخْتِيَاركُمْ "و" يُقَال لَهُمْ تَوْبِيخًا "مَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمْ" الْأَصْنَام "الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ" أَيْ فِي اسْتِحْقَاق عِبَادَتكُمْ "شُرَكَاء" لِلَّهِ "لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنكُمْ" وَصْلكُمْ أَيْ تَشَتَّتَ جَمْعكُمْ وَفِي قِرَاءَة بِالنَّصْبِ ظَرْف أَيْ وَصْلكُمْ بَيْنكُمْ "وَضَلَّ" ذَهَبَ "عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ" فِي الدُّنْيَا مِنْ شَفَاعَتهَا





95
إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ

"إنَّ اللَّه فَالِق" شَاقّ "الْحَبّ" عَنْ النَّبَات "وَالنَّوَى" عَنْ النَّخْل "يُخْرِج الْحَيّ مِنْ الْمَيِّت" كَالْإِنْسَانِ وَالطَّائِر مِنْ النُّطْفَة وَالْبَيْضَة "وَمُخْرِج الْمَيِّت مِنْ الْحَيّ" النُّطْفَة وَالْبَيْضَة "ذَلِكُمْ" الْفَالِق الْمُخْرِج "اللَّه فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ" فَكَيْفَ تُصْرَفُونَ عَنْ الْإِيمَان مَعَ قِيَام الْبُرْهَان





96
فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ

"فَالِق الْإِصْبَاح" مَصْدَر بِمَعْنَى الصُّبْح أَيْ شَاقّ عَمُود الصُّبْح وَهُوَ أَوَّل مَا يَبْدُو مِنْ نُور النَّهَار عَنْ ظُلْمَة اللَّيْل . "وَجَعَلَ اللَّيْل سَكَنًا" تَسْكُن فِيهِ الْخَلْق مِنْ التَّعَب "وَالشَّمْس وَالْقَمَر" بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى مَحَلّ اللَّيْل "حُسْبَانًا" حِسَابًا لِلْأَوْقَاتِ أَوْ الْبَاء مَحْذُوفَة وَهُوَ حَال مِنْ مُقَدَّر أَيْ يَجْرِيَانِ بِحُسْبَانٍ كَمَا فِي آيَة الرَّحْمَن [55 : 5] "ذَلِكَ" الْمَذْكُور "تَقْدِير الْعَزِيز" فِي مُلْكه "الْعَلِيم" بِخَلْقِهِ




97
وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ

"وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ النُّجُوم لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَات الْبَرّ وَالْبَحْر" فِي الْأَسْفَار "قَدْ فَصَّلْنَا" بَيَّنَّا "الْآيَات" الدَّلَالَات عَلَى قُدْرَتنَا "لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ" يَتَدَبَّرُونَ




98
وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ

"وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ" خَلَقَكُمْ "مِنْ نَفْس وَاحِدَة" هِيَ آدَم "فَمُسْتَقَرّ" مِنْكُمْ فِي الرَّحِم "وَمُسْتَوْدَع" مِنْكُمْ فِي الصُّلْب وَفِي قِرَاءَة بِفَتْحِ الْقَاف أَيْ مَكَان قَرَار لَكُمْ "قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَات لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ" مَا يُقَال لَهُمْ



99
وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ

"وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا" فِيهِ الْتِفَات عَنْ الْغَيْبَة "بِهِ" بِالْمَاءِ "نَبَات كُلّ شَيْء" يَنْبُت "فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ" أَيْ النَّبَات شَيْئًا "خَضِرًا" بِمَعْنَى أَخْضَر "نُخْرِج مِنْهُ" مِنْ الْخَضِر "حَبًّا مُتَرَاكِبًا" يَرْكَب بَعْضه بَعْضًا كَسَنَابِل الْحِنْطَة وَنَحْوهَا "وَمِنْ النَّخْل" خَبَر وَيُبْدَل مِنْهُ "مِنْ طَلْعهَا" أَوَّل مَا يَخْرُج مِنْهَا وَالْمُبْتَدَأ "قِنْوَان" عَرَاجِين "دَانِيَة" قَرِيب بَعْضهَا مِنْ بَعْض "وَجَنَّات" أَخْرَجْنَا بِهِ بَسَاتِين "مِنْ أَعْنَاب وَالزَّيْتُون وَالرُّمَّان مُشْتَبِهًا" وَرَقهمَا حَال "وَغَيْر مُتَشَابِه" ثَمَرهَا "اُنْظُرُوا" يَا مُخَاطَبُونَ نَظَرَ اعْتِبَار "إلَى ثَمَره" بِفَتْحِ الثَّاء وَالْمِيم وَبِضَمِّهِمَا وَهُوَ جَمْع ثَمَرَة كَشَجَرَةٍ وَشَجَر وَخَشَبَة وَخَشَب "إذَا أَثْمَرَ" أَوَّل مَا يَبْدُو كَيْفَ هُوَ "وَيَنْعه" إلَى نُضْجه إذَا أَدْرَكَ كَيْفَ يَعُود "إنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَات" دَلَالَات عَلَى قُدْرَته تَعَالَى عَلَى الْبَعْث وَغَيْره "لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ" خُصُّوا بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُمْ الْمُنْتَفِعُونَ بِهَا فِي الْإِيمَان بِخِلَافِ الْكَافِرِينَ




100
وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ

"وَجَعَلُوا لِلَّهِ" مَفْعُول ثَانٍ "شُرَكَاء" مَفْعُول أَوَّل وَيُبْدَل مِنْهُ "الْجِنّ" حَيْثُ أَطَاعُوهُمْ فِي عِبَادَة الْأَوْثَان "و" قَدْ "خَلَقَكُمْ" فَكَيْفَ يَكُونُوا شُرَكَاء "وَخَرَقُوا" بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيد أَيْ اخْتَلَقُوا "لَهُ بَنِينَ وَبَنَات بِغَيْرِ عِلْم" حَيْثُ قَالُوا عُزَيْر ابْن اللَّه وَالْمَلَائِكَة بَنَات اللَّه "سُبْحَانه" تَنْزِيهًا لَهُ "وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ" بِأَنَّ لَهُ وَلَدًا





101
بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ

"بَدِيع السَّمَاوَات وَالْأَرْض" هُوَ مُبْدِعهمَا مِنْ غَيْر مِثَال سَبَقَ "أَنَّى" كَيْفَ "يَكُون لَهُ وَلَد وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَة" زَوْجَة "وَخَلَقَ كُلّ شَيْء" مِنْ شَأْنه أَنْ يَخْلُق "ذَلِكُمْ اللَّه رَبّكُمْ لَا إلَه إلَّا هُوَ خَالِق كُلّ شَيْء فَاعْبُدُوهُ" وَحِّدُوهُ "وَهُوَ عَلَى كُلّ شَيْء وَكِيل" حَفِيظ




102
ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ

يَقُول تَعَالَى " ذَلِكُمْ اللَّه رَبّكُمْ " أَيْ الَّذِي خَلَقَ كُلّ شَيْء وَلَا وَلَد لَهُ وَلَا صَاحِبَة " لَا إِلَه إِلَّا هُوَ خَالِق كُلّ شَيْء فَاعْبُدُوهُ" أَيْ فَاعْبُدُوهُ وَحْده لَا شَرِيك لَهُ وَأَقِرُّوا لَهُ بِالْوَحْدَانِيَّةِ وَأَنَّهُ لَا إِلَه إِلَّا هُوَ وَأَنَّهُ لَا وَلَد لَهُ وَلَا وَالِد وَلَا صَاحِبَة لَهُ وَلَا نَظِير وَلَا عَدِيل " وَهُوَ عَلَى كُلّ شَيْء وَكِيل " أَيْ حَفِيظ وَرَقِيب يُدَبِّر كُلّ مَا سِوَاهُ وَيَرْزُقهُمْ وَيَكْلَأهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار .




103
لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ

"لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار" أَيْ لَا تَرَاهُ وَهَذَا مَخْصُوص لِرُؤْيَةِ الْمُؤْمِنِينَ لَهُ فِي الْآخِرَة لِقَوْلِهِ تَعَالَى : "وُجُوه يَوْمئِذٍ نَاضِرَة إلَى رَبّهَا نَاظِرَة" وَحَدِيث الشَّيْخَيْنِ "إنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ الْقَمَر لَيْلَة الْبَدْر" وَقِيلَ الْمُرَاد لَا تُحِيط بِهِ "وَهُوَ يُدْرِك الْأَبْصَار" أَيْ يَرَاهَا وَلَا تَرَاهُ وَلَا يَجُوز فِي غَيْره أَنْ يُدْرِك الْبَصَر وَهُوَ لَا يُدْرِكهُ أَوْ يُحِيط بِهِ عِلْمًا "وَهُوَ اللَّطِيف" بِأَوْلِيَائِهِ "الْخَبِير" بِهِمْ




104
قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ

قُلْ يَا مُحَمَّد لَهُمْ : "قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِر" حُجَج "مِنْ رَبّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ" فَمَنْ أَبْصَرَهَا فَآمَنَ "فَلِنَفْسِهِ" أَبْصَرَ لِأَنَّ ثَوَاب إبْصَاره لَهُ "وَمَنْ عَمِيَ" عَنْهَا فَضَلَّ "فَعَلَيْهَا" وَبَال إضْلَاله "وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ" رَقِيب لِأَعْمَالِكُمْ إنَّمَا أَنَا نَذِير[/CENTER]





105
وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ

"وَكَذَلِكَ" كَمَا بَيَّنَّا مَا ذُكِرَ "نُصَرِّف" نُبَيِّن "الْآيَات" لِيَعْتَبِرُوا "وَلِيَقُولُوا" أَيْ الْكُفَّار فِي عَاقِبَة الْأَمْر "دَرَسْت" ذَاكَرْت أَهْل الْكِتَاب وَفِي قِرَاءَة دَرَسْت أَيْ كُتُب الْمَاضِينَ وَجِئْت بِهَذَا مِنْهَا




106
اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ

"اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إلَيْك مِنْ رَبّك" أَيْ الْقُرْآن




107
وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ

"وَلَوْ شَاءَ اللَّه مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاك عَلَيْهِمْ حَفِيظًا" رَقِيبًا فَتُجَازِيهِمْ بِأَعْمَالِهِمْ "وَمَا أَنْت عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ" فَتُجْبِرهُمْ عَلَى الْإِيمَان وَهَذَا قَبْل الْأَمْر بِالْقِتَالِ




108
وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ

"وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ" ـهُمْ "مِنْ دُون اللَّه" أَيْ الْأَصْنَام "فَيَسُبُّوا اللَّه عَدْوًا" اعْتِدَاء وَظُلْمًا "بِغَيْرِ عِلْم" أَيْ جَهْلًا مِنْهُمْ بِاَللَّهِ "كَذَلِكَ" كَمَا زَيَّنَّا لِهَؤُلَاءِ مَا هُمْ عَلَيْهِ "زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّة عَمَلهمْ" مِنْ الْخَيْر وَالشَّرّ فَأْتُوهُ "ثُمَّ إلَى رَبّهمْ مَرْجِعهمْ" فِي الْآخِرَة "فَيُنَبِّئهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ" فَيُجَازِيهِمْ بِهِ




109
وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ

"وَأَقْسَمُوا" أَيْ كُفَّار مَكَّة "بِاَللَّهِ جَهْد أَيْمَانهمْ" أَيْ غَايَة اجْتِهَادهمْ فِيهَا "لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَة" مِمَّا اقْتَرَحُوا "لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ" لَهُمْ "إنَّمَا الْآيَات عِنْد اللَّه" يُنَزِّلهَا كَمَا يَشَاء وَإِنَّمَا أَنَا نَذِير "وَمَا يُشْعِركُمْ" يُدْرِيكُمْ بِإِيمَانِهِمْ إذَا جَاءَتْ : أَيْ أَنْتُمْ لَا تَدْرُونَ ذَلِكَ "أَنَّهَا إذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ" لِمَا سَبَقَ فِي عِلْمِي وَفِي قِرَاءَة بِالتَّاءِ خِطَابًا لِلْكُفَّارِ وَفِي أُخْرَى بِفَتْحِ أَنَّ بِمَعْنَى لَعَلَّ أَوْ مَعْمُولَة لِمَا قَبْلهَا




110
وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ

"وَنُقَلِّب أَفْئِدَتهمْ" نُحَوِّل قُلُوبهمْ عَنْ الْحَقّ فَلَا يَفْهَمُونَهُ "وَأَبْصَارهمْ" عَنْهُ فَلَا يُبْصِرُونَهُ فَلَا يُؤْمِنُونَ "كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ" أَيْ بِمَا أُنْزِلَ مِنْ الْآيَات "أَوَّل مَرَّة وَنَذَرهُمْ" نَتْرُكهُمْ "فِي طُغْيَانهمْ يَعْمَهُونَ" يَتَرَدَّدُونَ مُتَحَيَّرِينَ




111
وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ

"وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إلَيْهِمْ الْمَلَائِكَة وَكَلَّمَهُمْ الْمَوْتَى" كَمَا اقْتَرَحُوا "وَحَشَرْنَا" جَمَعْنَا "عَلَيْهِمْ كُلّ شَيْء قُبُلًا" بِضَمَّتَيْنِ جَمْع قَبِيل أَيْ فَوْجًا فَوْجًا وَبِكَسْرِ الْقَاف وَفَتْح الْبَاء أَيْ مُعَايَنَة فَشَهِدُوا بِصِدْقِك "مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا" لِمَا سَبَقَ فِي عِلْم اللَّه "إلَّا" لَكِنْ "أَنْ يَشَاء اللَّه" إيمَانهمْ فَيُؤْمِنُوا "وَلَكِنَّ أَكْثَرهمْ يَجْهَلُونَ" ذَلِكَ




112
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ

"وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيّ عَدُوًّا" كَمَا جَعَلْنَا هَؤُلَاءِ أَعْدَاءَك وَيُبْدَل مِنْهُ "شَيَاطِين" مَرَدَة "الْإِنْس وَالْجِنّ يُوحِي" يُوَسْوِس "بَعْضهمْ إلَى بَعْض زُخْرُف الْقَوْل" مُمَوَّهه مِنْ الْبَاطِل "غُرُورًا" أَيْ لِيَغُرُّوهُمْ "وَلَوْ شَاءَ رَبّك مَا فَعَلُوهُ" أَيْ الْإِيحَاء الْمَذْكُور "فَذَرْهُمْ" دَعْ الْكُفَّار "وَمَا يَفْتَرُونَ" مِنْ الْكُفْر وَغَيْره مِمَّا زُيِّنَ لَهُمْ وَهَذَا قَبْل الْأَمْر بِالْقِتَالِ




113
وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ

"وَلِتَصْغَى" عُطِفَ عَلَى غُرُورًا أَيْ تَمِيل "إلَيْهِ" أَيْ الزُّخْرُف "أَفْئِدَة" قُلُوب "الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا" يَكْتَسِبُوا "مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ" مِنْ الذُّنُوب فَيُعَاقَبُوا عَلَيْهِ




114
أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ

وَنَزَلَ لَمَّا طَلَبُوا مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَجْعَل بَيْنه وَبَيْنهمْ حَكَمًا قُلْ : "أَفَغَيْر اللَّه أَبْتَغِي" أَطْلُب "حَكَمًا" قَاضِيًا بَيْنِي وَبَيْنكُمْ "وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إلَيْكُمْ الْكِتَاب" الْقُرْآن "مُفَصَّلًا" مُبَيَّنًا فِيهِ الْحَقّ مِنْ الْبَاطِل "وَاَلَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَاب" التَّوْرَاة كَعَبْدِ اللَّه بْن سَلَام وَأَصْحَابه "يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّل" بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيد "مِنْ رَبّك بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَن مِنْ الْمُمْتَرِينَ" الشَّاكِّينَ فِيهِ وَالْمُرَاد بِذَلِكَ التَّقْرِير لِلْكُفَّارِ أَنَّهُ حَقّ




115
وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ

"وَتَمَّتْ كَلِمَة رَبّك" بِالْأَحْكَامِ وَالْمَوَاعِيد "صِدْقًا وَعَدْلًا" تَمْيِيز "لَا مُبَدِّل لِكَلِمَاتِهِ" بِنَقْصٍ أَوْ خَلْف "وَهُوَ السَّمِيع" لِمَا يُقَال "الْعَلِيم" بِمَا يُفْعَل





116
وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ

"وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَر مَنْ فِي الْأَرْض" أَيْ الْكُفَّار "يُضِلُّوك عَنْ سَبِيل اللَّه" دِينه "إنْ" مَا "يَتَّبِعُونَ إلَّا الظَّنّ" فِي مُجَادَلَتهمْ لَك فِي أَمْر الْمَيْتَة إذَا قَالُوا مَا قَتَلَ اللَّه أَحَقّ أَنْ تَأْكُلُوهُ مِمَّا قَتَلْتُمْ "وَإِنْ" مَا "هُمْ إلَّا يَخْرُصُونَ" يَكْذِبُونَ فِي ذَلِكَ




117
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ

"إنَّ رَبّك هُوَ أَعْلَم" أَيْ عَالِم "مَنْ يَضِلّ عَنْ سَبِيله وَهُوَ أَعْلَم بِالْمُهْتَدِينَ" فَيُجَازِي كُلًّا مِنْهُمْ




118
فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ

"فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْم اللَّه عَلَيْهِ" أَيْ ذُبِحَ عَلَى اسْمه




119
وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ

إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْم إِنَّ رَبّك هُوَ أَعْلَم بِالْمُعْتَدِينَ " فَقَالَ " وَمَا لَكُمْ أَنْ لَا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اِسْم اللَّه عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ " أَيْ قَدْ بَيَّنَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ وَوَضَّحَهُ وَقَرَأَ بَعْضهمْ فَصَلِّ بِالتَّشْدِيدِ وَقَرَأَ آخَرُونَ بِالتَّخْفِيفِ وَالْكُلّ بِمَعْنَى الْبَيَان وَالْوُضُوح" إِلَّا مَا اُضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ " أَيْ إِلَّا فِي حَال الِاضْطِرَار فَإِنَّهُ يُبَاح لَكُمْ مَا وَجَدْتُمْ ثُمَّ بَيَّنَ تَعَالَى جَهَالَة الْمُشْرِكِينَ فِي آرَائِهِمْ الْفَاسِدَة مِنْ اِسْتِحْلَالهمْ الْمَيِّتَات وَمَا ذُكِرَ عَلَيْهِ غَيْر اِسْم اللَّه تَعَالَى فَقَالَ " وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْم إِنَّ رَبّك هُوَ أَعْلَم بِالْمُعْتَدِينَ " أَيْ هُوَ أَعْلَم بِاعْتِدَائِهِمْ وَكَذِبهمْ وَافْتِرَائِهِمْ .




120
وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ

"وَذَرُوا" اُتْرُكُوا "ظَاهِر الْإِثْم وَبَاطِنه" عَلَانِيَته وَسِرّه . وَالْإِثْم قِيلَ الزِّنَا وَقِيلَ كُلّ مَعْصِيَة "إنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْم سَيُجْزَوْنَ" فِي الْآخِرَة "بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ" يَكْتَسِبُونَ




121
وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ

"وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَر اسْم اللَّه عَلَيْهِ" بِأَنْ مَاتَ أَوْ ذُبِحَ عَلَى اسْم غَيْره وَإِلَّا فَمَا ذَبَحَهُ الْمُسْلِم وَلَمْ يُسَمِّ فِيهِ عَمْدًا أَوْ نِسْيَانًا فَهُوَ حَلَال قَالَهُ ابْن عَبَّاس وَعَلَيْهِ الشَّافِعِيّ "وَإِنَّهُ" أَيْ الْأَكْل مِنْهُ "لَفِسْق" خُرُوج عَمَّا يَحِلّ "وَإِنَّ الشَّيَاطِين لَيُوحُونَ" يُوَسْوِسُونَ "إلَى أَوْلِيَائِهِمْ" الْكُفَّار "لِيُجَادِلُوكُمْ" فِي تَحْلِيل الْمَيْتَة "وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ" فِيهِ




122
أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ

وَنَزَلَ فِي أَبِي جَهْل وَغَيْره: "أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا" بِالْكُفْرِ "فَأَحْيَيْنَاهُ" بِالْهُدَى "وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاس" يَتَبَصَّر بِهِ الْحَقّ مِنْ غَيْره وَهُوَ الْإِيمَان "كَمَنْ مَثَله" مَثَل زَائِدَة أَيْ كَمَنْ هُوَ "فِي الظُّلُمَات لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا" وَهُوَ الْكَافِر ؟ لَا "كَذَلِكَ" كَمَا زَيَّنَ لِلْمُؤْمِنِينَ الْإِيمَان "زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ" مِنْ الْكُفْر وَالْمَعَاصِي




123
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ

"وَكَذَلِكَ" كَمَا جَعَلْنَا فُسَّاق مَكَّة أَكَابِرهَا "جَعَلْنَا فِي كُلّ قَرْيَة أَكَابِر مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا" بِالصَّدِّ عَنْ الْإِيمَان "وَمَا يَمْكُرُونَ إلَّا بِأَنْفُسِهِمْ" لِأَنَّ وَبَاله عَلَيْهِمْ "وَمَا يَشْعُرُونَ" بِذَلِكَ




124
وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ

"وَإِذَا جَاءَتْهُمْ" أَيْ أَهْل مَكَّة "آيَة" عَلَى صِدْق النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "قَالُوا لَنْ نُؤْمِن" بِهِ "حَتَّى نُؤْتَى مِثْل مَا أُوتِيَ رُسُل اللَّه" مِنْ الرِّسَالَة وَالْوَحْي إلَيْنَا لِأَنَّا أَكْثَر مَالًا وَأَكْبَر سِنًّا "اللَّه أَعْلَم حَيْثُ يَجْعَل رِسَالَته" بِالْجَمْعِ وَالْإِفْرَاد وَحَيْثُ مَفْعُول بِهِ لِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ أَعْلَم : أَيْ يَعْلَم الْمَوْضِع الصَّالِح لِوَضْعِهَا فِيهِ فَيَضَعهَا وَهَؤُلَاءِ لَيْسُوا أَهْلًا لَهَا "سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا" بِقَوْلِهِمْ ذَلِكَ "صَغَار" ذُلّ "عِنْد اللَّه وَعَذَاب شَدِيد بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ" أَيْ بِسَبَبِ مَكْرهمْ




125
فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ

"فَمَنْ يُرِدْ اللَّه أَنْ يَهْدِيه يَشْرَح صَدْره لِلْإِسْلَامِ" بِأَنْ يَقْذِف فِي قَلْبه نُورًا فَيَنْفَسِح لَهُ وَيَقْبَلهُ كَمَا وَرَدَ فِي حَدِيث "وَمَنْ يُرِدْ" اللَّه "أَنْ يُضِلّهُ يَجْعَل صَدْره ضَيِّقًا" بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيد عَنْ قَبُوله "حَرَجًا" شَدِيد الضِّيق بِكَسْرِ الرَّاء صِفَة وَفَتْحهَا مَصْدَر وَصَفَ فِيهِ مُبَالَغَة "كَأَنَّمَا يَصَّعَّد" وَفِي قِرَاءَة يَصَّاعَد وَفِيهِمَا إدْغَام التَّاء فِي الْأَصْل فِي الصَّاد وَفِي أُخْرَى بِسُكُونِهَا "فِي السَّمَاء" إذَا كُلِّفَ الْإِيمَان لِشِدَّتِهِ عَلَيْهِ "كَذَلِكَ" الْجَعْل "يَجْعَل اللَّه الرِّجْس" الْعَذَاب أَوْ الشَّيْطَان أَيْ يُسَلِّطهُ



126
وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ

"وَهَذَا" الَّذِي أَنْت عَلَيْهِ يَا مُحَمَّد "صِرَاط" طَرِيق "رَبّك مُسْتَقِيمًا" لَا عِوَج فِيهِ وَنَصْبه عَلَى الْحَال الْمُؤَكِّد لِلْجُمْلَةِ وَالْعَامِل فِيهَا مَعْنَى الْإِشَارَة "قَدْ فَصَّلْنَا" بَيَّنَّا "الْآيَات لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ" فِيهِ إدْغَام التَّاء فِي الْأَصْل فِي الذَّال أَيْ يَتَّعِظُونَ وَخُصُّوا بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُمْ الْمُنْتَفِعُونَ




127
لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ

"لَهُمْ دَار السَّلَام" أَيْ السَّلَام وَهِيَ الْجَنَّة




128
وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ

"وَ" وَاذْكُرْ "يَوْم" "نَحْشُرهُمْ" بِالنُّونِ وَالْيَاء أَيْ اللَّه الْخَلْق "جَمِيعًا" وَيُقَال لَهُمْ : "يَا مَعْشَر الْجِنّ قَدْ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنْ الْإِنْس" بِإِغْوَائِكُمْ "وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ" الَّذِينَ أَطَاعُوهُمْ "مِنْ الْإِنْس رَبّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضنَا بِبَعْضٍ" انْتَفَعَ الْإِنْس بِتَزْيِينِ الْجِنّ لَهُمْ الشَّهَوَات وَالْجِنّ بِطَاعَةِ الْإِنْس لَهُمْ "وَبَلَغْنَا أَجَلنَا الَّذِي أَجَّلْت لَنَا" وَهُوَ يَوْم الْقِيَامَة وَهَذَا تَحَسُّر مِنْهُمْ "قَالَ" تَعَالَى لَهُمْ عَلَى لِسَان الْمَلَائِكَة "النَّار مَثْوَاكُمْ" مَأْوَاكُمْ "خَالِدِينَ فِيهَا إلَّا مَا شَاءَ اللَّه" مِنْ الْأَوْقَات الَّتِي يَخْرُجُونَ فِيهَا لِشُرْبِ الْحَمِيم فَإِنَّهُ خَارِجهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى "ثُمَّ إنَّ مَرْجِعكُمْ لَإِلَى الْجَحِيم" وَعَنْ ابْن عَبَّاس أَنَّهُ فِيمَنْ عَلِمَ اللَّه أَنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ فَمَا بِمَعْنَى مِنْ "إنَّ رَبّك حَكِيم" فِي صُنْعه "عَلِيم" بِخَلْقِهِ





129
وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ

"وَكَذَلِكَ" كَمَا مَتَّعْنَا عُصَاة الْإِنْس وَالْجِنّ بَعْضهمْ بِبَعْضٍ "نُولِي" مِنْ الْوِلَايَة "بَعْض الظَّالِمِينَ بَعْضًا" أَيْ عَلَى بَعْض "بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ" مِنْ الْمَعَاصِي




130
يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا

"يَا مَعْشَر الْجِنّ وَالْإِنْس أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُل مِنْكُمْ" أَيْ مِنْ مَجْمُوعكُمْ أَيْ بَعْضكُمْ الصَّادِق بِالْإِنْسِ أَوْ رُسُل الْجِنّ نُذُرهمْ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ كَلَام الرُّسُل فَيُبَلِّغُونَ قَوْمهمْ "يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسنَا" أَنْ قَدْ بَلَّغَنَا "وَغَرَّتْهُمْ الْحَيَاة الدُّنْيَا" فَلَمْ يُؤْمِنُوا




131
ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ

"ذَلِكَ" أَيْ إرْسَال الرُّسُل "أَنَّ" اللَّام مُقَدَّرَة وَهِيَ مُخَفَّفَة أَيْ لِأَنَّهُ "لَمْ يَكُنْ رَبّك مُهْلِك الْقُرَى بِظُلْمٍ" مِنْهَا "وَأَهْلهَا غَافِلُونَ" لَمْ يُرْسَل إلَيْهِمْ رَسُول يُبَيِّن لَهُمْ ؟




132
وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ

"وَلِكُلٍّ" مِنْ الْعَامِلِينَ "دَرَجَات" جَزَاء "مِمَّا عَمِلُوا" مِنْ خَيْر وَشَرّ "وَمَا رَبّك بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ" بِالْيَاءِ وَالتَّاء




133
وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ

"وَرَبّك الْغَنِيّ" عَنْ خَلْقه وَعِبَادَتهمْ "ذُو الرَّحْمَة إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ" يَا أَهْل مَكَّة بِالْإِهْلَاكِ "وَيَسْتَخْلِف مِنْ بَعْدكُمْ مَا يَشَاء" مِنْ الْخَلْق "كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّة قَوْم آخَرِينَ" أَذْهَبهُمْ وَلَكِنَّهُ أَبْقَاكُمْ رَحْمَة لَكُمْ




134
إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ

"إنْ مَا تُوعَدُونَ" مِنْ السَّاعَة وَالْعَذَاب "لَآتٍ" لَا مَحَالَة "وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ" فَائِتِينَ عَذَابنَا




135
قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ

"قُلْ" لَهُمْ "يَا قَوْم اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتكُمْ" حَالَتكُمْ "إنِّي عَامِل" عَلَى حَالَتِي "فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ" مَوْصُولَة مَفْعُول الْعِلْم "تَكُون لَهُ عَاقِبَة الدَّار" أَيْ الْعَاقِبَة الْمَحْمُودَة فِي الدَّار الْآخِرَة أَنَحْنُ أَمْ أَنْتُمْ "إنَّهُ لَا يُفْلِح" يَسْعَد "الظَّالِمُونَ" الْكَافِرُونَ




136
وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ

"وَجَعَلُوا" أَيْ كُفَّار مَكَّة "لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ" خَلَقَ "مِنْ الْحَرْث" الزَّرْع "وَالْأَنْعَام نَصِيبًا" يَصْرِفُونَهُ إلَى الضِّيفَان وَالْمَسَاكِين وَلِشُرَكَائِهِمْ نَصِيبًا يَصْرِفُونَهُ إلَى سَدَنَتهَا "فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ" بِالْفَتْحِ وَالضَّمّ "وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا" فَكَانُوا إذَا سَقَطَ فِي نَصِيب اللَّه شَيْء مِنْ نَصِيبهَا الْتَقَطُوهُ أَوْ فِي نَصِيبهَا شَيْء مِنْ نَصِيبه تَرَكُوهُ وَقَالُوا إنَّ اللَّه غَنِيّ عَنْ هَذَا كَمَا قَالَ تَعَالَى "فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِل إلَى اللَّه" أَيْ لِجِهَتِهِ "وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِل إلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ" بِئْسَ "مَا يَحْكُمُونَ" حُكْمهمْ هَذَا





137
وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ

"وَكَذَلِكَ" كَمَا زُيِّنَ لَهُمْ مَا ذُكِرَ "زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ قَتْل أَوْلَادهمْ" بِالْوَأْدِ "شُرَكَاؤُهُمْ" مِنْ الْجِنّ بِالرَّفْعِ فَاعِل زُيِّنَ وَفِي قِرَاءَة بِبِنَائِهِ لِلْمَفْعُولِ وَرَفْع قَتْل وَنَصْب الْأَوْلَاد بِهِ وَجَرّ شُرَكَائِهِمْ بِإِضَافَتِهِ وَفِيهِ الْفَصْل بَيْن الْمُضَاف وَالْمُضَاف إلَيْهِ بِالْمَفْعُولِ - وَلَا يَضُرّ - وَإِضَافَة الْقَتْل إلَى الشُّرَكَاء لِأَمْرِهِمْ بِهِ "لِيُرْدُوهُمْ" يُهْلِكُوهُمْ "وَلِيَلْبِسُوا" يَخْلِطُوا




138
وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ

"وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَام وَحَرْث حِجْر" حَرَام "لَا يَطْعَمهَا إلَّا مَنْ نَشَاء" مِنْ خَدَمَة الْأَوْثَان وَغَيْرهمْ "بِزَعْمِهِمْ" أَيْ لَا حُجَّة لَهُمْ فِيهِ "وَأَنْعَام حُرِّمَتْ ظُهُورهَا" فَلَا تُرْكَب كَالسَّوَائِبِ وَالْحَوَامِي "وَأَنْعَام لَا يَذْكُرُونَ اسْم اللَّه عَلَيْهَا" عِنْد ذَبْحهَا بَلْ يَذْكُرُونَ اسْم أَصْنَامهمْ وَنَسَبُوا ذَلِكَ إلَى اللَّه "افْتِرَاء عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ" عَلَيْهِ




139
وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ

"وَقَالُوا مَا فِي بُطُون هَذِهِ الْأَنْعَام" الْمُحَرَّمَة وَهِيَ السَّوَائِب وَالْبَحَائِر "خَالِصَة" حَلَال "لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّم عَلَى أَزْوَاجنَا" أَيْ النِّسَاء "وَإِنْ تَكُنْ مَيْتَة" بِالرَّفْعِ وَالنَّصْب مَعَ تَأْنِيث الْفِعْل وَتَذْكِيره "فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاء سَيَجْزِيهِمْ" اللَّه . "وَصْفَهُمْ" ذَلِكَ بِالتَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيم أَيْ جَزَاءَهُ "إنَّهُ حَكِيم" فِي صُنْعه "عَلِيم" بِخَلْقِهِ




140
قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ

"قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا" بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيد "أَوْلَادهمْ" بِالْوَأْدِ "سَفَهًا" جَهْلًا "بِغَيْرِ عِلْم وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمْ اللَّه" مِمَّا ذُكِرَ




141
وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ

"وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ" خَلَقَ "جَنَّات" بَسَاتِين "مَعْرُوشَات" مَبْسُوطَات عَلَى الْأَرْض كَالْبِطِّيخِ "وَغَيْر مَعْرُوشَات" بِأَنْ ارْتَفَعَتْ عَلَى سَاق كَالنَّخْلِ "وَالنَّخْل وَالزَّرْع مُخْتَلِفًا أُكُله" أَنْشَأَ ثَمَره وَحَبّه فِي الْهَيْئَة وَالطَّعْم "وَالزَّيْتُون وَالرُّمَّان مُتَشَابِهًا" وَرَقهمَا حَال "وَغَيْر مُتَشَابِه" طَعْمهمَا "كُلُوا مِنْ ثَمَره إذَا أَثْمَرَ" قَبْل النَّضْج "وَآتُوا حَقّه" زَكَاته "يَوْم حَصَاده" بِالْفَتْحِ وَالْكَسْر مِنْ الْعُشْر أَوْ نِصْفه "وَلَا تُسْرِفُوا" بِإِعْطَاءِ كُلّه فَلَا يَبْقَى لِعِيَالِكُمْ شَيْء "إنَّهُ لَا يُحِبّ الْمُسْرِفِينَ" الْمُتَجَاوِزِينَ مَا حُدَّ لَهُمْ





142
وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ

"وَ" أَنْشَأَ "مِنْ الْأَنْعَام حَمُولَة" صَالِحَة لِلْحَمْلِ عَلَيْهَا كَالْإِبِلِ الْكِبَار "وَفَرْشًا" لَا تَصْلُح لَهُ كَالْإِبِلِ الصِّغَار وَالْغَنَم سُمِّيَتْ فُرُشًا لِأَنَّهَا كَالْفُرُشِ لِلْأَرْضِ لِدُنُوِّهَا مِنْهَا "كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمْ اللَّه وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَات الشَّيْطَان" طَرَائِقه مِنْ التَّحْرِيم وَالتَّحْلِيل "إنَّهُ لَكُمْ عَدُوّ مُبِين" بَيِّن الْعَدَاوَة




143
ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ

"ثَمَانِيَة أَزْوَاج" أَصْنَاف بَدَل مِنْ حَمُولَة وَفُرُشًا "مِنْ الضَّأْن" زَوْجَيْنِ "اثْنَيْنِ" ذَكَر وَأُنْثَى "وَمِنْ الْمَعْز" بِالْفَتْحِ وَالسُّكُون "اثْنَيْنِ قُلْ" يَا مُحَمَّد لِمَنْ حَرَّمَ ذُكُور الْأَنْعَام تَارَة وَإِنَاثهمْ أُخْرَى وَنَسَبَ ذَلِكَ إلَى اللَّه "آلذَّكَرَيْنِ" مِنْ الضَّأْن وَالْمَعْز "حَرَّمَ" اللَّه عَلَيْكُمْ "أَمْ الْأُنْثَيَيْنِ" مِنْهُمَا "أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَام الْأُنْثَيَيْنِ" ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى "نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ" عَنْ كَيْفِيَّة تَحْرِيم ذَلِكَ "إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ" فِيهِ الْمَعْنَى مِنْ أَيْنَ جَاءَ التَّحْرِيم ؟ فَإِنْ كَانَ مِنْ قِبَل الذُّكُورَة فَجَمِيع الذُّكُور حَرَام أَوْ الْأُنُوثَة فَجَمِيع الْإِنَاث أَوْ اشْتِمَال الرَّحِم فَالزَّوْجَانِ فَمِنْ أَيْنَ التَّخْصِيص ؟ وَالِاسْتِفْهَام لِلْإِنْكَارِ





144
وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ

"وَمِنْ الْإِبِل اثْنَيْنِ وَمِنْ الْبَقَر اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمْ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَام الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ" بَلْ "كُنْتُمْ شُهَدَاء" حُضُورًا "إذْ وَصَّاكُمْ اللَّه بِهَذَا" التَّحْرِيم فَاعْتَمَدْتُمْ ذَلِكَ ! لَا بَلْ أَنْتُمْ كَاذِبُونَ فِيهِ "فَمَنْ" أَيْ لَا أَحَد "أَظْلَم مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّه كَذِبًا" بِذَلِكَ





146
وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ

"وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا" أَيْ الْيَهُود "حَرَّمْنَا كُلّ ذِي ظُفُر" وَهُوَ مَا لَمْ تُفَرَّق أَصَابِعه كَالْإِبِلِ وَالنَّعَام "وَمِنْ الْبَقَر وَالْغَنَم حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومهمَا" الثُّرُوب وَشَحْم الْكُلَى "إلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورهمَا" أَيْ مَا عَلِقَ بِهَا مِنْهُ "أَوْ" حَمَلَتْهُ "الْحَوَايَا" الْأَمْعَاء جَمْع حَاوِيَاء أَوْ حَاوِيَة "أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ" مِنْهُ وَهُوَ شَحْم الْأَلْيَة فَإِنَّهُ أُحِلَّ لَهُمْ "ذَلِكَ" التَّحْرِيم "جَزَيْنَاهُمْ" بِهِ "بِبَغْيِهِمْ" بِسَبَبِ ظُلْمهمْ بِمَا سَبَقَ فِي سُورَة النِّسَاء "وَإِنَّا لَصَادِقُونَ" فِي أَخْبَارنَا وَمَوَاعِيدنَا





147
فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ

"فَإِنْ كَذَّبُوك" فِيمَا جِئْت بِهِ "فَقُلْ" لَهُمْ "رَبّكُمْ ذُو رَحْمَة وَاسِعَة" حَيْثُ لَمْ يُعَاجِلكُمْ بِالْعُقُوبَةِ وَفِيهِ تَلَطُّف بِدُعَائِهِمْ إلَى الْإِيمَان "وَلَا يُرَدّ بَأْسه" عَذَابه إذَا جَاءَ




148
سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ

"سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّه مَا أَشْرَكنَا" نَحْنُ "وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْء" فَإِشْرَاكنَا وَتَحْرِيمنَا بِمَشِيئَتِهِ فَهُوَ رَاضٍ بِهِ "كَذَلِكَ" كَمَا كَذَّبَ هَؤُلَاءِ "كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلهمْ" رُسُلهمْ "حَتَّى ذَاقُوا بَأْسنَا" عَذَابنَا "قُلْ هَلْ عِنْدكُمْ مِنْ عِلْم" بِأَنَّ اللَّه رَاضٍ بِذَلِكَ "فَتُخْرِجُوهُ لَنَا" أَيْ لَا عِلْم عِنْدكُمْ "إنْ" مَا "تَتَّبِعُونَ" فِي ذَلِكَ "إلَّا الظَّنّ وَإِنْ" مَا "أَنْتُمْ إلَّا تَخْرُصُونَ" تَكْذِبُونَ فِيهِ







149
قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ

"قُلْ" إنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ حُجَّة "فَلِلَّهِ الْحُجَّة الْبَالِغَة" التَّامَّة "فَلَوْ شَاءَ" هِدَايَتكُمْ



150
قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ

"قُلْ هَلُمَّ" أَحْضِرُوا "شُهَدَاءَكُمْ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّه حَرَّمَ هَذَا" الَّذِي حَرَّمْتُمُوهُ "فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَد مَعَهُمْ وَلَا تَتَّبِع أَهْوَاء الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاَلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ" يُشْرِكُونَ


تم بحمد الله


توقيع HecT000R :





انا مشــً فارســ ولا فتٌى احلامــ ،، انا زحمةِ و ربكٌة و شغلــ جنانًــ
نصى بيضحكَــ و التانى زعلانًــ ،، انا شيخً_فلتانُــ
طيبــ شرير و جرئ و جبانًـ ،، اوقاتــ مشرقٌــ ،، و اوقاتــ بهتانـ
و ساعاتــ سلمُــ ،، و ساعاتــ تعبانًــ ،، مفترى جداً ،، و كمانًــ غلبانــ


رد مع اقتباس
قديم 05-05-2010, 02:51 PM   #3

HecT000R
كبار الشخصيات



الصورة الرمزية HecT000R


• الانـتـسـاب » Mar 2009
• رقـم العـضـويـة » 59040
• المشـــاركـات » 7,893
• الـدولـة » مطروح / اسكندرية الصحراوى
• الـهـوايـة »
• اسـم الـسـيـرفـر » No Server
• الـجـنـس » Male
• نقـاط التقييم » 58
HecT000R جـيـد

HecT000R غير متواجد حالياً



افتراضي



سُورَة الْأَعْرَاف [ مَكِّيَّة إلَّا مِنْ آيَة 163 لِغَايَةِ 170 فَمَدَنِيَّة وَآيَاتهَا 205 أَوْ 206 نَزَلَتْ بَعْد ص ]
"المص" اللَّه أَعْلَم بِمُرَادِهِ بِذَلِكَ



2
كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ

هَذَا "كِتَاب أُنْزِلَ إلَيْك" خِطَاب لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرك حَرَج" ضِيق "مِنْهُ" أَنْ تُبَلِّغهُ مَخَافَة أَنْ تُكَذَّب "لِتُنْذِر" مُتَعَلِّق بِأُنْزِلَ أَيْ لِلْإِنْذَارِ "بِهِ وَذِكْرَى" تَذْكِرَة "لِلْمُؤْمِنِينَ" بِهِ



3
اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ

قُلْ لَهُمْ "اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إلَيْكُمْ مِنْ رَبّكُمْ" أَيْ الْقُرْآن "وَلَا تَتَّبِعُوا" تَتَّخِذُوا "مِنْ دُونه" أَيْ اللَّه أَيْ غَيْره "أَوْلِيَاء" تُطِيعُونَهُمْ فِي مَعْصِيَته تَعَالَى "قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ" بِالتَّاءِ وَالْيَاء تَتَّعِظُونَ وَفِيهِ إدْغَام التَّاء فِي الْأَصْل فِي الذَّال وَفِي قِرَاءَة بِسُكُونِهَا وَمَا زَائِدَة لِتَأْكِيدِ الْقِلَّة




4
وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ

"وَكَمْ" خَبَرِيَّة مَفْعُول "مِنْ قَرْيَة" أُرِيدَ أَهْلهَا "أَهْلَكْنَاهَا" أَرَدْنَا إهْلَاكهَا "فَجَاءَهَا بَأْسنَا" عَذَابنَا "بَيَاتًا" لَيْلًا "أَوْ هُمْ قَائِلُونَ" نَائِمُونَ بِالظَّهِيرَةِ وَالْقَيْلُولَة اسْتِرَاحَة نِصْف النَّهَار وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا نَوْم أَيْ مَرَّة جَاءَهَا لَيْلًا وَمَرَّة جَاءَهَا نَهَارًا





5
فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ

إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ " قَوْله " فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ " أَيْ فَمَا كَانَ قَوْلهمْ عِنْد مَجِيء الْعَذَاب إِلَّا أَنْ اِعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ وَأَنَّهُمْ حَقِيقُونَ بِهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى " وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَة كَانَتْ ظَالِمَة - إِلَى قَوْله - خَامِدِينَ " قَالَ اِبْن جَرِير : فِي هَذِهِ الْآيَة الدَّلَالَة الْوَاضِحَة عَلَى صِحَّة مَا جَاءَتْ بِهِ الرِّوَايَة عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَوْله " مَا هَلَكَ قَوْم حَتَّى يُعْذِرُوا مِنْ أَنْفُسهمْ" حَدَّثَنَا بِذَلِكَ اِبْن حُمَيْد حَدَّثَنَا جَرِير عَنْ أَبِي سِنَان عَنْ عَبْد الْمَلِك بْن مَيْسَرَة الزَّرَّاد قَالَ : قَالَ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" مَا هَلَكَ قَوْم حَتَّى يُعْذَرُوا مِنْ أَنْفُسهمْ " قَالَ : قُلْت لِعَبْدِ الْمَلِك كَيْف يَكُون ذَاكَ قَالَ فَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَة" فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ " .





6
فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ

"فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ" أَيْ الْأُمَم عَنْ إجَابَتهمْ الرُّسُل وَعَمَلهمْ فِيمَا بَلَغَهُمْ "وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ" عَنْ الْإِبْلَاغ




7
فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ

"فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ" لَنُخْبِرَنَّهُمْ عَنْ عِلْم بِمَا فَعَلُوهُ "وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ" عَنْ إبْلَاغ الرُّسُل وَالْأُمَم الْخَالِيَة فِيمَا عَمِلُوا



8
وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ

"وَالْوَزْن" لِلْأَعْمَالِ أَوْ لِصَحَائِفِهَا بِمِيزَانٍ لَهُ لِسَان وَكَفَّتَانِ كَمَا وَرَدَ فِي حَدِيث كَائِن "يَوْمئِذٍ" أَيْ يَوْم السُّؤَال الْمَذْكُور وَهُوَ يَوْم الْقِيَامَة "الْحَقّ" الْعَدْل صِفَة الْوَزْن "فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينه" بِالْحَسَنَاتِ "فَأُولَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ" الْفَائِزُونَ



9
وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ

"وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينه" بِالسَّيِّئَاتِ "فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسهمْ" بِتَصْيِيرِهَا إلَى النَّار "بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ" يَجْحَدُونَ




10
وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ

"وَلَقَدْ مَكَّنَاكُمْ" يَا بَنِي آدَم "فِي الْأَرْض وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِش" بِالْيَاءِ أَسْبَابًا تَعِيشُونَ بِهَا جَمْع مَعِيشَة "قَلِيلًا مَا" لِتَأْكِيدِ الْقِلَّة "تَشْكُرُونَ" عَلَى ذَلِك



11
وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ

"وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ" أَيْ أَبَاكُمْ آدَم "ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ" أَيْ صَوَّرْنَاهُ وَأَنْتُمْ فِي ظَهْره "ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَم" سُجُود تَحِيَّة بِالِانْحِنَاءِ "فَسَجَدُوا إلَّا إبْلِيس" أَبَا الْجِنّ كَانَ بَيْن الْمَلَائِكَة




12


قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ


"قَالَ" تَعَالَى "مَا مَنَعَك أَلَّا" أَنْ لَا : لَا زَائِدَة "تَسْجُد إذْ" حِين




13
قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ

"قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا" أَيْ مِنْ الْجَنَّة وَقِيلَ مِنْ السَّمَاوَات "فَمَا يَكُون" يَنْبَغِي "لَك أَنْ تَتَكَبَّر فِيهَا فَاخْرُجْ" مِنْهَا "إنَّك مِنْ الصَّاغِرِينَ" الذَّلِيلِينَ




14
قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ

"قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا" أَيْ مِنْ الْجَنَّة وَقِيلَ مِنْ السَّمَاوَات "فَمَا يَكُون" يَنْبَغِي "لَك أَنْ تَتَكَبَّر فِيهَا فَاخْرُجْ" مِنْهَا "إنَّك مِنْ الصَّاغِرِينَ" الذَّلِيلِينَ



15
قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ

"قَالَ إنَّك مِنْ الْمُنْظَرِينَ" وَفِي آيَة أُخْرَى "إلَى يَوْم الْوَقْت الْمَعْلُوم" أَيْ يَوْم النَّفْخَة الْأُولَى




16
قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ

"قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتنِي" أَيْ بِإِغْوَائِك لِي وَالْبَاء لِلْقَسَمِ وَجَوَابه "لَأَقْعُدَنّ لَهُمْ" أَيْ لِبَنِي آدَم "صِرَاطك الْمُسْتَقِيم" أَيْ عَلَى الطَّرِيق الْمُوصِل إلَيْك



17
ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ

"ثُمَّ لَآتِيَنهمْ مِنْ بَيْن أَيْدِيهمْ وَمِنْ خَلْفهمْ وَعَنْ أَيْمَانهمْ وَعَنْ شَمَائِلهمْ" أَيْ مِنْ كُلّ جِهَة فَأَمْنَعهُمْ عَنْ سُلُوكه قَالَ ابْن عَبَّاس وَلَا يَسْتَطِيع أَنْ يَأْتِي مِنْ فَوْقهمْ لِئَلَّا يَحُول بَيْن الْعَبْد وَبَيْن رَحْمَة اللَّه تَعَالَى "وَلَا تَجِد أَكْثَرهمْ شَاكِرِينَ" مُؤْمِنِينَ




18
قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ

"قَالَ اُخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا" بِالْهَمْزَةِ مُعَيَّبًا أَوْ مَمْقُوتًا "مَدْحُورًا" مُبْعَدًا عَنْ الرَّحْمَة "لَمَنْ تَبِعَك مِنْهُمْ" مِنْ النَّاس وَاللَّام لِلِابْتِدَاءِ أَوْ مُوَطِّئَة لِلْقَسَمِ وَهُوَ "لَأَمْلَأَن جَهَنَّم مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ" أَيْ مِنْك بِذُرِّيَّتِك وَمِنْ النَّاس وَفِيهِ تَغْلِيب الْحَاضِر عَلَى الْغَائِب وَفِي الْجُمْلَة مَعْنَى جَزَاء مِنْ الشَّرْطِيَّة أَيْ مَنْ تَبِعَك أُعَذِّبهُ




19
وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ

"و" قَالَ "يَا آدَم اُسْكُنْ أَنْتَ" تَأْكِيد لِلضَّمِيرِ فِي اُسْكُنْ لِيَعْطِف عَلَيْهِ "وَزَوْجك" حَوَّاء بِالْمَدِّ "الْجَنَّة فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَة" بِالْأَكْلِ مِنْهَا وَهِيَ الْحِنْطَة



20
فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ

"فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَان" إبْلِيس "لِيُبْدِيَ" يُظْهِر "لَهُمَا مَا وُرِيَ" فَوُعِلَ مِنْ الْمُوَارَاة "عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتهمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَة إلَّا" كَرَاهَة "أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ" وَقُرِئَ بِكَسْرِ اللَّام "أَوْ تَكُونَا مِنْ الْخَالِدِينَ" أَيْ وَذَلِكَ لَازِم عَنْ الْأَكْل مِنْهَا كَمَا فِي آيَة أُخْرَى "هَلْ أَدُلّك عَلَى شَجَرَة الْخُلْد وَمُلْك لَا يَبْلَى"




21
وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ

"وَقَاسَمَهُمَا" أَيْ أَقْسَمَ لَهُمَا بِاَللَّهِ "إنِّي لَكُمَا لَمِنْ النَّاصِحِينَ" فِي ذَلِكَ



22
فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ

"فَدَلَّاهُمَا" حَطَّهُمَا عَنْ مَنْزِلَتهمَا "بِغُرُور" مِنْهُ "فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَة" أَيْ أَكَلَا مِنْهَا "بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتهمَا" أَيْ ظَهَرَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا قُبُله وَقُبُل الْآخَر وَدُبُره وَسُمِّيَ كُلّ مِنْهَا سَوْأَة لِأَنَّ انْكِشَافه يَسُوء صَاحِبه "وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ" أَخَذَا يُلْزِقَانِ "عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَق الْجَنَّة" لِيَسْتَتِرَا بِهِ "وَنَادَاهُمَا رَبّهمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَة وَأَقُلْ لَكُمَا إنَّ الشَّيْطَان لَكُمَا عَدُوّ مُبِين" بَيِّن الْعَدَاوَة وَالِاسْتِفْهَام لِلتَّقْرِيرِ





23
قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ

"قَالَا رَبّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسنَا" بِمَعْصِيَتِنَا




24
قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ

"قَالَ اهْبِطُوا" أَيْ آدَم وَحَوَّاء بِمَا اشْتَمَلْتُمَا عَلَيْهِ مِنْ ذُرِّيَّتكُمَا "بَعْضكُمْ" بَعْض الذُّرِّيَّة "لِبَعْضٍ عَدُوّ" مِنْ ظُلْم بَعْضهمْ بَعْضًا "وَلَكُمْ فِي الْأَرْض مُسْتَقَرّ" أَيْ مَكَان اسْتِقْرَار "وَمَتَاع" تَمَتُّع "إلَى حِين" تَنْقَضِي فِيهِ آجَالكُمْ





25
قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ

"قَالَ فِيهَا" أَيْ الْأَرْض . "تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ" بِالْبَعْثِ بِالْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ وَالْمَفْعُول




26
يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ

"يَا بَنِي آدَم قَدْ أَنَزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا" أَيْ خَلَقْنَاهُ لَكُمْ "يُوَارِي" يَسْتُر "سَوْآتكُمْ وَرِيشًا" وَهُوَ مَا يُتَجَمَّل بِهِ مِنْ الثِّيَاب "وَلِبَاس التَّقْوَى" الْعَمَل الصَّالِح وَالسَّمْت الْحَسَن بِالنَّصْبِ عُطِفَ عَلَى لِبَاسًا وَالرَّفْع مُبْتَدَأ خَبَره جُمْلَة "ذَلِكَ خَيْر ذَلِكَ مِنْ آيَات اللَّه" دَلَائِل قُدْرَته "لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ" فَيُؤْمِنُونَ فِيهِ الْتِفَات عَنْ الْخِطَاب




27
يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا

"يَا بَنِي آدَم لَا يَفْتِنَنكُمْ" يُضِلَّنكُمْ "الشَّيْطَان" أَيْ لَا تَتَّبِعُوهُ فَتُفْتَنُوا "كَمَا أَخَرَجَ أَبَوَيْكُمْ" بِفِتْنَتِهِ "مِنْ الْجَنَّة يَنْزِع" حَال "عَنْهُمَا لِبَاسهمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتهمَا إنَّهُ" أَيْ الشَّيْطَان "يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيله" جُنُوده "مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ" لِلطَّاقَةِ أَجْسَادهمْ أَوْ عَدَم أَلْوَانهمْ "إنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِين أَوْلِيَاء" أَعْوَانًا وَقُرَنَاء




28
وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ

"وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَة" كَالشِّرْكِ وَطَوَافهمْ بِالْبَيْتِ عُرَاة قَائِلِينَ : لَا نَطُوف فِي ثِيَاب عَصَيْنَا اللَّه فِيهَا فَنُهُوا عَنْهَا "قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا" فَاقْتَدَيْنَا بِهِمْ "وَاَللَّه أَمَرَنَا بِهَا" أَيْضًا "قُلْ" لَهُمْ "إنَّ اللَّه لَا يَأْمُر بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّه مَا لَا تَعْلَمُونَ" أَنَّهُ قَالَهُ اسْتِفْهَام إنْكَار




29
قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ

"قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ" بِالْعَدْلِ "وَأَقِيمُوا" مَعْطُوف عَلَى مَعْنَى بِالْقِسْطِ أَيْ قَالَ أَقْسِطُوا وَأَقِيمُوا أَوْ قَبْله فَاقْبَلُوا مُقَدَّرًا "وُجُوهكُمْ" لِلَّهِ "عِنْد كُلّ مَسْجِد" أَيْ أَخْلِصُوا لَهُ سُجُودكُمْ "وَادْعُوهُ" اُعْبُدُوهُ "مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين" مِنْ الشِّرْك "كَمَا بَدَأَكُمْ" خَلَقَكُمْ وَلَمْ تَكُونُوا شَيْئًا "تَعُودُونَ" أَيْ يُعِيدكُمْ أَحْيَاء يَوْم الْقِيَامَة




30
فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ

"فَرِيقًا" مِنْكُمْ "هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمْ الضَّلَالَة إنَّهُمْ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء مِنْ دُون اللَّه" أَيْ غَيْره




31
يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ

"يَا بَنِي آدَم خُذُوا زِينَتكُمْ" مَا يَسْتُر عَوْرَتكُمْ "عِنْد كُلّ مَسْجِد" عِنْد الصَّلَاة وَالطَّوَاف "وَكُلُوا وَاشْرَبُوا" مَا شِئْتُمْ




32
قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ

"قُلْ" إنْكَارًا عَلَيْهِمْ "مَنْ حَرَّمَ زِينَة اللَّه الَّتِي أَخَرَجَ لِعِبَادِهِ" مِنْ اللِّبَاس "وَالطَّيِّبَات" الْمُسْتَلَذَّات "مِنْ الرِّزْق قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا" بِالِاسْتِحْقَاقِ وَإِنْ شَارَكَهُمْ فِيهَا غَيْرهمْ "خَالِصَة" خَاصَّة بِهِمْ بِالرَّفْعِ وَالنَّصْب حَال "يَوْم الْقِيَامَة كَذَلِكَ نُفَصِّل الْآيَات" نُبَيِّنهَا مِثْل ذَلِكَ التَّفْصِيل "لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ" يَتَدَبَّرُونَ فَإِنَّهُمْ الْمُنْتَفِعُونَ بِهَا




33
قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ

"قُلْ إنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِش" الْكَبَائِر كَالزِّنَا "مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ" أَيْ جَهْرهَا وَسِرّهَا "وَالْإِثْم" الْمَعْصِيَة "وَالْبَغْي" عَلَى النَّاس "بِغَيْرِ الْحَقّ" وَهُوَ الظُّلْم "وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاَللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّل بِهِ" بِإِشْرَاكِهِ "سُلْطَانًا" حُجَّة "وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّه مَا لَا تَعْلَمُونَ" مِنْ تَحْرِيم مَا لَمْ يُحَرِّم وَغَيْره




34
وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ

"وَلِكُلِّ أُمَّة أَجَل" مُدَّة "فَإِذَا جَاءَ أَجَلهمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ" عَنْهُ "سَاعَة وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ" عَلَيْهِ




35
يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ

"يَا بَنِي آدَم إمَّا" فِيهِ إدْغَام نُون إنْ الشَّرْطِيَّة فِي مَا الْمَزِيدَة "يَأْتِيَنكُمْ رُسُل مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنْ اتَّقَى" الشِّرْك "وَأَصْلَحَ" عَمَله "فَلَا خَوْف عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ" فِي الْآخِرَة




36
يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ

"وَاَلَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا" تَكَبَّرُوا "عَنْهَا" فَلَمْ يُؤْمِنُوا بِهَا




37
فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ

"فَمَنْ" أَيْ لَا أَحَد "أَظْلَم مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّه كَذِبًا" بِنِسْبَةِ الشَّرِيك وَالْوَلَد إلَيْهِ "أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ" الْقُرْآن "أُولَئِكَ يَنَالهُمْ" يُصِيبهُمْ "نَصِيبهمْ" حَظّهمْ "مِنْ الْكِتَاب" مِمَّا كُتِبَ لَهُمْ فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ مِنْ الرِّزْق وَالْأَجَل وَغَيْر ذَلِكَ "حَتَّى إذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلنَا" أَيْ الْمَلَائِكَة "يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا" لَهُمْ تَبْكِيتًا "أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ" تَعْبُدُونَ "مِنْ دُون اللَّه قَالُوا ضَلُّوا" غَابُوا "عَنَّا" فَلَمْ نَرَهُمْ "وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسهمْ" عِنْد الْمَوْت




38
قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ

"قَالَ" تَعَالَى لَهُمْ يَوْم الْقِيَامَة "اُدْخُلُوا فِي" جُمْلَة "أُمَم قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلكُمْ مِنْ الْجِنّ وَالْإِنْس فِي النَّار" مُتَعَلِّق بِادْخُلُوا "كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّة" النَّار "لَعَنَتْ أُخْتهَا" الَّتِي قَبْلهَا لِضَلَالِهَا بِهَا "حَتَّى إذَا ادَّارَكُوا" تَلَاحَقُوا "فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ" وَهُمْ الْأَتْبَاع "لِأُولَاهُمْ" أَيْ لِأَجِلَّائِهِمْ وَهُمْ الْمَتْبُوعُونَ "رَبّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنْ النَّار" مُضْعِفًا "قَالَ" تَعَالَى "لِكُلٍّ" مِنْكُمْ وَمِنْهُمْ "ضِعْف" عَذَاب مُضْعِف "وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ" بِالْيَاءِ وَالتَّاء مَا لِكُلِّ فَرِيق




39
وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ

"وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْل" لِأَنَّكُمْ لَمْ تَكْفُرُوا بِسَبَبِنَا فَنَحْنُ وَأَنْتُمْ سَوَاء




40
إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ

"إنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا" تَكَبَّرُوا "عَنْهَا" فَلَمْ يُؤْمِنُوا بِهَا "لَا تُفَتَّح لَهُمْ أَبْوَاب السَّمَاء" إذَا عُرِجَ بِأَرْوَاحِهِمْ إلَيْهَا بَعْد الْمَوْت فَيُهْبَط بِهَا إلَى سِجِّين بِخِلَافِ الْمُؤْمِن فَتُفَتَّح لَهُ وَيُصْعَد بِرُوحِهِ إلَى السَّمَاء السَّابِعَة كَمَا وَرَدَ فِي حَدِيث "وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّة حَتَّى يَلِج" يَدْخُل "الْجَمَل فِي سَمِّ الْخِيَاط" ثُقْب الْإِبْرَة وَهُوَ غَيْر مُمْكِن فَكَذَا دُخُولهمْ "وَكَذَلِكَ" الْجَزَاء "نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ" بِالْكُفْرِ




41
لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ

"لَهُمْ مِنْ جَهَنَّم مِهَاد" فِرَاش "وَمِنْ فَوْقهمْ غَوَاشٍ" أَغْطِيَة مِنْ النَّار جَمْع غَاشِيَة وَتَنْوِينه عِوَض مِنْ الْيَاء الْمَحْذُوفَة



42
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ

"وَاَلَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات" مُبْتَدَأ "لَا نُكَلِّف نَفْسًا إلَّا وُسْعهَا" طَاقَتهَا مِنْ الْعَمَل اعْتِرَاض بَيْنه وَبَيْن خَبَره وَهُوَ : "أُولَئِكَ أَصْحَاب الْجَنَّة "




43
وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ

"وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورهمْ مِنْ غِلّ" حِقْد كَانَ بَيْنهمْ فِي الدُّنْيَا "تَجْرِي مِنْ تَحْتهمْ" تَحْت قُصُورهمْ "الْأَنْهَار وَقَالُوا" عِنْد الِاسْتِقْرَار فِي مَنَازِلهمْ "الْحَمْد لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا" الْعَمَل الَّذِي هَذَا جَزَاؤُهُ "وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّه" حَذَفَ جَوَاب لَوْلَا لِدَلَالَةِ مَا قَبْله عَلَيْهِ "لَقَدْ جَاءَتْ رُسُل رَبّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ" مُخَفَّفَة أَيْ أَنَّهُ أَوْ مُفَسَّرَة فِي الْمَوَاضِع الْخَمْسَة




44
وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ

"وَنَادَى أَصْحَاب الْجَنَّة أَصْحَاب النَّار" تَقْرِيرًا أَوْ تَبْكِيتًا "أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبّنَا حَقًّا" مِنْ الثَّوَاب "فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ" مَا وَعَدَكُمْ "رَبّكُمْ" مِنْ الْعَذَاب "حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّن" نَادَى مُنَادٍ "بَيْنهمْ" بَيْن الْفَرِيقَيْنِ أَسْمَعهُمْ



45
الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ

"الَّذِينَ يَصُدُّونَ" النَّاس "عَنْ سَبِيل اللَّه" دِينه "وَيَبْغُونَهَا" أَيْ يَطْلُبُونَ السَّبِيل "عِوَجًا" مُعْوَجَّة



46
وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ

"وَبَيْنهمَا" أَيْ أَصْحَاب الْجَنَّة وَالنَّار "حِجَاب" حَاجِز قِيلَ هُوَ سُور الْأَعْرَاف "وَعَلَى الْأَعْرَاف" وَهُوَ سُور الْجَنَّة "رِجَال" اسْتَوَتْ حَسَنَاتهمْ وَسَيِّئَاتهمْ كَمَا فِي الْحَدِيث "يُعْرَفُونَ كُلًّا" مِنْ أَهْل الْجَنَّة وَالنَّار "بِسِيمَاهُمْ" بِعَلَامَتِهِمْ وَهِيَ بَيَاض الْوُجُوه لِلْمُؤْمِنِينَ وَسَوَادهَا لِلْكَافِرِينَ لِرُؤْيَتِهِمْ لَهُمْ إذْ مَوْضِعهمْ عَالٍ "لَمْ يَدْخُلُوهَا" أَيْ أَصْحَاب الْأَعْرَاف الْجَنَّة "وَهُمْ يَطْمَعُونَ" فِي دُخُولهَا قَالَ الْحَسَن : لَمْ يُطْمِعهُمْ إلَّا لِكَرَامَةٍ يُرِيدهَا بِهِمْ وَرَوَى الْحَاكِم عَنْ حُذَيْفَة قَالَ بَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إذْ طَلَعَ عَلَيْهِمْ رَبّك فَقَالَ قُومُوا اُدْخُلُوا الْجَنَّة فَقَدْ غَفَرْت لَكُمْ



47
وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ

"وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارهمْ" أَيْ أَصْحَاب الْأَعْرَاف "تِلْقَاء" جِهَة "أَصْحَاب النَّار قَالُوا رَبّنَا لَا تَجْعَلنَا" فِي النَّار



48
وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ

"وَنَادَى أَصْحَاب الْأَعْرَاف رِجَالًا" مِنْ أَصْحَاب النَّار "يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ" مِنْ النَّار "جَمْعكُمْ" الْمَال أَوْ كَثْرَتكُمْ "وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ" أَيْ وَاسْتِكْبَاركُمْ عَنْ الْإِيمَان وَيَقُولُونَ لَهُمْ مُشِيرِينَ إلَى ضُعَفَاء الْمُسْلِمِينَ





49
أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ

"أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقَسَمْتُمْ لَا يَنَالهُمْ اللَّه بِرَحْمَةٍ" قَدْ قِيلَ لَهُمْ "اُدْخُلُوا الْجَنَّة لَا خَوْف عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ" وَقُرِئَ : أُدْخِلُوا بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ وَدَخَلُوا فَجُمْلَة النَّفْي حَال أَيْ مَقُولًا لَهُمْ ذَلِكَ




50
وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ

"وَنَادَى أَصْحَاب النَّار أَصْحَاب الْجَنَّة أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنْ الْمَاء أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمْ اللَّه" مِنْ الطَّعَام "قَالُوا إنَّ اللَّه حَرَّمَهُمَا" مَنَعَهُمَا



51
الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ

"الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينهمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمْ الْحَيَاة الدُّنْيَا فَالْيَوْم نَنْسَاهُمْ" نَتْرُكهُمْ فِي النَّار "كَمَا نَسُوا لِقَاء يَوْمهمْ هَذَا" بِتَرْكِهِمْ الْعَمَل لَهُ "وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ" أَيْ وَكَمَا جَحَدُوا





52
وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ

"وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ" أَيْ أَهْل مَكَّة "بِكِتَابٍ" قُرْآن "فَصَّلْنَاهُ" بَيَّنَّاهُ بِالْأَخْبَارِ وَالْوَعْد وَالْوَعِيد "عَلَى عِلْم" حَال أَيْ عَالِمِينَ بِمَا فَصَّلَ فِيهِ "هُدًى" حَال مِنْ الْهَاء "وَرَحْمَة لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ" بِهِ



53
هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ

"هَلْ يَنْظُرُونَ" مَا يَنْتَظِرُونَ "إلَّا تَأْوِيله" عَاقِبَة مَا فِيهِ "يَوْم يَأْتِي تَأْوِيله" هُوَ يَوْم الْقِيَامَة "يَقُول الَّذِينَ نَسَوْهُ مِنْ قَبْل" تَرَكُوا الْإِيمَان بِهِ "قَدْ جَاءَتْ رُسُل رَبّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاء فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ" هَلْ "نُرَدّ" إلَى الدُّنْيَا "فَنَعْمَل غَيْر الَّذِي كُنَّا نَعْمَل" نُوَحِّد اللَّه وَنَتْرُك الشِّرْك فَيُقَال لَهُمْ : لَا "قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسهمْ" إذْ صَارُوا إلَى الْهَلَاك "وَضَلَّ" ذَهَبَ "عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ" مِنْ دَعْوَى الشَّرِيك



54
إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ

"إنَّ رَبّكُمْ اللَّه الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَات وَالْأَرْض فِي سِتَّة أَيَّام" مِنْ أَيَّام الدُّنْيَا أَيْ فِي قَدْرهَا لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ شَمْس وَلَوْ شَاءَ خَلَقَهُنَّ فِي لَمْحَة وَالْعُدُول عَنْهُ لِتَعْلِيمِ خَلْقه التَّثَبُّت "ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْش" فِي اللُّغَة : سَرِير الْمُلْك اسْتِوَاء يَلِيق بِهِ "يُغْشِي اللَّيْل النَّهَار" مُخَفَّفًا وَمُشَدَّدًا أَيْ يُغَطِّي كُلًّا مِنْهُمَا بِالْآخَرِ "يَطْلُبهُ" يَطْلُب كُلّ مِنْهُمَا بِالْآخَرِ طَلَبًا "حَثِيثًا" سَرِيعًا "وَالشَّمْس وَالْقَمَر وَالنُّجُوم" بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى السَّمَاوَات وَالرَّفْع مُبْتَدَأ خَبَره "مُسَخَّرَات" مُذَلَّلَات "بِأَمْرِهِ" بِقُدْرَتِهِ "أَلَا لَهُ الْخَلْق" جَمِيعًا "وَالْأَمْر" كُلّه "تَبَارَكَ" تَعَاظَمَ "اللَّه رَبّ" مَالِك




55
ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ

"اُدْعُوا رَبّكُمْ تَضَرُّعًا" حَال تَذَلُّلًا "وَخُفْيَة" سِرًّا "إنَّهُ لَا يُحِبّ الْمُعْتَدِينَ" فِي الدُّعَاء بِالتَّشَدُّقِ وَرَفْع الصَّوْت



56
وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ

"وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْض" بِالشِّرْكِ وَالْمَعَاصِي "بَعْد إصْلَاحهَا" بِبَعْثِ الرُّسُل "وَادْعُوهُ خَوْفًا" مِنْ عِقَابه "وَطَمَعًا" فِي رَحْمَته "إنَّ رَحْمَة اللَّه قَرِيب مِنْ الْمُحْسِنِينَ" الْمُطِيعِينَ وَتَذْكِير قَرِيب الْمُخْبَر بِهِ عَنْ رَحْمَة لِإِضَافَتِهَا إلَى اللَّه



57
وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ

"وَهُوَ الَّذِي يُرْسِل الرِّيَاح بُشْرًا بَيْن يَدَيْ رَحْمَته" أَيْ مُتَفَرِّقَة قُدَّام الْمَطَر وَفِي قِرَاءَة بِسُكُونِ الشِّين تَخْفِيفًا وَفِي أُخْرَى بِسُكُونِهَا وَفَتْح النُّون مَصْدَرًا وَفِي أُخْرَى بِسُكُونِهَا وَضَمّ الْمُوَحَّدَة بَدَل النُّون : أَيْ مُبَشِّرًا وَمُفْرَد الْأُولَى نُشُور كَرَسُولٍ وَالْأَخِيرَة بَشِير "حَتَّى إذَا أَقَلَّتْ" حَمَلَتْ الرِّيَاح "سَحَابًا ثِقَالًا" بِالْمَطَرِ "سُقْنَاهُ" أَيْ السَّحَاب وَفِيهِ الْتِفَات عَنْ الْغَيْبَة "لِبَلَدٍ مَيِّت" لَا نَبَات بِهِ أَيْ لِإِحْيَائِهَا "فَأَنْزَلْنَا بِهِ" بِالْبَلَدِ "الْمَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ" بِالْمَاءِ "مِنْ كُلّ الثَّمَرَات كَذَلِكَ" الْإِخْرَاج "نُخْرِج الْمَوْتَى" مِنْ قُبُورهمْ بِالْإِحْيَاءِ "لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ" فَتُؤْمِنُونَ




58
وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ

"وَالْبَلَد الطَّيِّب" الْعَذْب التُّرَاب "يَخْرُج نَبَاته" حَسَنًا "بِإِذْنِ رَبّه" هَذَا مَثَل لِلْمُؤْمِنِ يَسْمَع الْمَوْعِظَة فَيَنْتَفِع بِهَا "وَاَلَّذِي خَبُثَ" تُرَابه "لَا يَخْرُج" نَبَاته "إلَّا نَكِدًا" عَسِرًا بِمَشَقَّةٍ وَهَذَا مَثَل لِلْكَافِرِ "كَذَلِكَ" كَمَا بَيَّنَّا مَا ذُكِرَ "نُصَرِّف" نُبَيِّن "الْآيَات لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ" اللَّه فَيُؤْمِنُونَ




59
لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ

"لَقَدْ" جَوَاب قَسَم مَحْذُوف "أَرْسَلْنَا نُوحًا إلَى قَوْمه فَقَالَ يَا قَوْم اُعْبُدُوا اللَّه مَا لَكُمْ مِنْ إلَه غَيْره" بِالْجَرِّ صِفَة لِإِلَهٍ وَالرَّفْع بَدَل مِنْ مَحِلّه "إنِّي أَخَاف عَلَيْكُمْ" إنْ عَبَّدْتُمْ غَيْره "عَذَاب يَوْم عَظِيم" هُوَ يَوْم الْقِيَامَة



60
قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ

"قَالَ الْمَلَأ" الْأَشْرَاف "مِنْ قَوْمه إنَّا لَنَرَاك فِي ضَلَال مُبِين" بَيِّن




61
قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ

"قَالَ يَا قَوْم لَيْسَ بِي ضَلَالَة" هِيَ أَعَمّ مِنْ الضَّلَال فَنَفْيهَا أَبْلَغ مِنْ نَفِيه



62
أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ

"أُبَلِّغكُمْ" بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيد "رِسَالَات رَبِّي وَأَنْصَح" أُرِيد الْخَيْر





63
أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ

يَقُول تَعَالَى إِخْبَارًا عَنْ نُوح أَنَّهُ قَالَ لِقَوْمِهِ " أَوَعَجِبْتُمْ " الْآيَة. أَيْ لَا تَعْجَبُوا مِنْ هَذَا فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ يُعْجِب أَنْ يُوحِي اللَّه إِلَى رَجُل مِنْكُمْ رَحْمَة بِكُمْ وَلُطْفًا وَإِحْسَانًا إِلَيْكُمْ لِيُنْذِركُمْ وَلِتَتَّقُوا نِقْمَة اللَّه وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ " وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ " .




64
فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ

"فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَاَلَّذِينَ مَعَهُ" مِنْ الْغَرَق "فِي الْفُلْك" السَّفِينَة "وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا" بِالطُّوفَانِ "إنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ" عَنْ الْحَقّ




65
وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا

"و" أَرْسَلْنَا "إلَى عَادٍ" الْأُولَى "أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْم اُعْبُدُوا اللَّه" وَحِّدُوهُ "مَا لَكُمْ مِنْ إلَه غَيْره أَفَلَا تَتَّقُونَ" تَخَافُونَهُ فَتُؤْمِنُونَ




66
قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ

"قَالَ الْمَلَأ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمه إنَّا لَنَرَاك فِي سَفَاهَة" جَهَالَة "وَإِنَّا لِنَظُنّك مِنْ الْكَاذِبِينَ" فِي رِسَالَتك




67
قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ

" قَالَ يَا قَوْم لَيْسَ بِي سَفَاهَة وَلَكِنِّي رَسُول مِنْ رَبّ الْعَالَمِينَ " أَيْ لَيْسَتْ كَمَا تَزْعُمُونَ بَلْ جِئْتُكُمْ بِالْحَقِّ مِنْ اللَّه الَّذِي خَلَقَ كُلّ شَيْء فَهُوَ رَبّ كُلّ شَيْء وَمَلِيكه .



68
أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ

"أُبَلِّغكُمْ رِسَالَات رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِح أَمِين" مَأْمُون عَلَى الرِّسَالَة



69
أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ

"أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْر مِنْ رَبّكُمْ عَلَى" لِسَان "رَجُل مِنْكُمْ لِيُنْذِركُمْ وَاذْكُرُوا إذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء" فِي الْأَرْض "مِنْ بَعْد قَوْم نُوح وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْق بَسْطَة" قُوَّة وَطُولًا وَكَانَ طَوِيلهمْ مِائَة ذِرَاع وَقَصِيرهمْ سِتِّينَ "فَاذْكُرُوا آلَاء اللَّه" نِعَمه "لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ" تَفُوزُونَ



70
قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ

"قَالُوا أَجِئْتنَا لِنَعْبُد اللَّه وَحْده وَنَذَرَ" نَتْرُك "مَا كَانَ يَعْبُد آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدنَا" بِهِ مِنْ الْعَذَاب "إنْ كُنْت مِنْ الصَّادِقِينَ" فِي قَوْلك .



71
قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ

"قَالَ قَدْ وَقَعَ" وَجَبَ "عَلَيْكُمْ مِنْ رَبّكُمْ رِجْس" عَذَاب "وَغَضَب أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَأَبَاؤُكُمْ" أَيْ سَمَّيْتُمْ بِهَا أَصْنَامًا تَعْبُدُونَهَا "مَا نَزَلَ اللَّه بِهَا" أَيْ بِعِبَادَتِهَا "مِنْ سُلْطَان" حُجَّة وَبُرْهَان "فَانْتَظِرُوا" الْعَذَاب "إنِّي مَعَكُمْ مِنْ الْمُنْتَظِرِينَ" ذَلِكُمْ بِتَكْذِيبِكُمْ لِي فَأَرْسَلْت عَلَيْهِمْ الرِّيح الْعَقِيم




72
فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ

"فَأَنْجَيْنَاهُ" أَيْ هُودًا "وَاَلَّذِينَ مَعَهُ" مِنْ الْمُؤْمِنِينَ "بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِر" الْقَوْم "الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا" أَيْ اسْتَأْصَلْنَاهُمْ "وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ" عَطْف عَلَى كَذَّبُوا



73
وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ

"و" أَرْسَلْنَا "إلَى ثَمُود" بِتَرْكِ الصَّرْف مُرَادًا بِهِ الْقَبِيلَة "أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْم اُعْبُدُوا اللَّه مَا لَكُمْ مِنْ إلَه غَيْره قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَة" مُعْجِزَة "مِنْ رَبّكُمْ" عَلَى صِدْقِي "هَذِهِ نَاقَة اللَّه لَكُمْ آيَة" حَال عَامِلهَا مَعْنَى الْإِشَارَة وَكَانُوا سَأَلُوهُ أَنْ يُخْرِجهَا لَهُمْ مِنْ صَخْرَة عَيَّنُوهَا "فَذَرُوهَا تَأْكُل فِي أَرْض اللَّه وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ" بِعَقْرٍ أَوْ ضَرْب




74
وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ

"وَاذْكُرُوا إذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء" فِي الْأَرْض "مِنْ بَعْد عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ" أَسْكَنَكُمْ "فِي الْأَرْض تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولهَا قُصُورًا" تَسْكُنُونَهَا فِي الصَّيْف "وَتَنْحِتُونَ الْجِبَال بُيُوتًا" تَسْكُنُونَهَا فِي الشِّتَاء وَنَصَبَهُ عَلَى الْحَال الْمُقَدَّرَة




75
قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ

"قَالَ الْمَلَأ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمه" تَكَبَّرُوا عَنْ الْإِيمَان بِهِ "لِلَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ" أَيْ مِنْ قَوْمه بَدَل مِمَّا قَبْله بِإِعَادَةِ الْجَار "أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَل مِنْ رَبّه" إلَيْكُمْ "قَالُوا" نَعَمْ



76
قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ

قَالَ الَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا عَنْ أَمْر اللَّه وَأَمْر رَسُوله صَالِح : { إِنَّا } أَيّهَا الْقَوْم { بِاَلَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ } يَقُول : صَدَّقْتُمْ بِهِ مِنْ نُبُوَّة صَالِح , وَأَنَّ الَّذِي جَاءَ بِهِ حَقّ مِنْ عِنْد اللَّه { كَافِرُونَ } يَقُول جَاحِدُونَ مُنْكِرُونَ , لَا نُصَدِّق بِهِ وَلَا نُقِرّ .




77
فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ

وَكَانَتْ النَّاقَة لَهَا يَوْم فِي الْمَاء وَلَهُمْ يَوْم فَمَلُّوا ذَلِكَ "فَعَقَرُوا النَّاقَة" عَقَرَهَا قَدَّار بِأَمْرِهِمْ بِأَنْ قَتَلَهَا بِالسَّيْفِ "وَعَتَوْا عَنْ أَمْر رَبّهمْ وَقَالُوا يَا صَالِح ائْتِنَا بِمَا تَعِدنَا" بِهِ مِنْ الْعَذَاب عَلَى قَتْلهَا




78
فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ

"فَأَخَذَتْهُمْ الرَّجْفَة" الزَّلْزَلَة الشَّدِيدَة مِنْ الْأَرْض وَالصَّيْحَة مِنْ السَّمَاء "فَأَصْبَحُوا فِي دَارهمْ جَاثِمِينَ" بَارِكِينِ عَلَى الرُّكَب مَيِّتِينَ




79
فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ

هَذَا تَقْرِيع مِنْ صَالِح عَلَيْهِ السَّلَام لِقَوْمِهِ لَمَّا أَهْلَكَهُمْ اللَّه بِمُخَالَفَتِهِمْ إِيَّاهُ وَتَمَرُّدهمْ عَلَى اللَّه وَإِبَائِهِمْ عَنْ قَبُول الْحَقّ وَإِعْرَاضهمْ عَنْ الْهُدَى إِلَى الْعَمَى قَالَ لَهُمْ صَالِح ذَلِكَ بَعْد هَلَاكهمْ تَقْرِيعًا وَتَوْبِيخًا وَهُمْ يَسْمَعُونَ ذَلِكَ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا ظَهَرَ عَلَى أَهْل بَدْر أَقَامَ هُنَاكَ ثَلَاثًا ثُمَّ أَمَرَ بِرَاحِلَتِهِ فَشُدَّتْ بَعْد ثَلَاث مِنْ آخِر اللَّيْل فَرَكِبَهَا ثُمَّ سَارَ حَتَّى وَقَفَ عَلَى الْقَلِيب قَلِيب بَدْر فَجَعَلَ يَقُول " يَا أَبَا جَهْل بْن هِشَام يَا عُتْبَة بْن رَبِيعَة يَا شَيْبَة بْن رَبِيعَة وَيَا فُلَان بْن فُلَان هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبّكُمْ حَقًّا فَإِنِّي وَجَدْت مَا وَعَدَنِي رَبِّي حَقًّا " . فَقَالَ لَهُ عُمَر يَا رَسُول اللَّه مَا تُكَلِّم مِنْ أَقْوَام قَدْ جَيَّفُوا فَقَالَ " وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَع لِمَا أَقُول مِنْهُمْ وَلَكِنْ لَا يُجِيبُونَ" . وَفِي السِّيرَة أَنَّهُ " عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ لَهُمْ " بِئْسَ عَشِيرَة النَّبِيّ كُنْتُمْ لِنَبِيِّكُمْ كَذَّبْتُمُونِي وَصَدَّقَنِي النَّاس وَأَخْرَجْتُمُونِي وَآوَانِي النَّاس وَقَاتَلْتُمُونِي وَنَصَرَنِي النَّاس فَبِئْسَ عَشِيرَة النَّبِيّ كُنْتُمْ لِنَبِيِّكُمْ " . وَهَكَذَا صَالِح عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ لِقَوْمِهِ " لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَة رَبِّي وَنَصَحْت لَكُمْ " أَيْ فَلَمْ تَنْتَفِعُوا بِذَلِكَ لِأَنَّكُمْ لَا تُحِبُّونَ الْحَقّ وَلَا تَتَّبِعُونَ نَاصِحًا وَلِهَذَا قَالَ " وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ " وَقَدْ ذَكَرَ بَعْض الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ كُلّ نَبِيّ هَلَكَتْ أُمَّته كَانَ يَذْهَب فَيُقِيم فِي الْحَرَم حَرَم مَكَّة وَاَللَّه أَعْلَم وَقَدْ قَالَ الْإِمَام أَحْمَد حَدَّثَنَا وَكِيع حَدَّثَنَا زَمْعَة بْن صَالِح عَنْ سَلَمَة بْن وَهْرَام عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ لَمَّا مَرَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِوَادِي عُسْفَان حِين حَجَّ قَالَ " يَا أَبَا بَكْر أَيّ وَادٍ هَذَا ؟ " قَالَ هَذَا وَادِي عُسْفَان قَالَ " لَقَدْ مَرَّ بِهِ هُود وَصَالِح عَلَيْهِمَا السَّلَام عَلَى بَكَرَات خُطُمهنَّ اللِّيف أُزُرهمْ الْعَبَاء وَأَرْدِيَتهمْ النِّمَار يُلَبُّونَ يَحُجُّونَ الْبَيْت الْعَتِيق " هَذَا حَدِيث غَرِيب مِنْ هَذَا الْوَجْه لَمْ يُخَرِّجهُ أَحَد مِنْهُمْ .




80
وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ

"و" اُذْكُرْ "لُوطًا" وَيُبَدَّل مِنْهُ "إذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَة" أَيْ أَدْبَار الرِّجَال "مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَد مِنْ الْعَالَمِينَ" الْإِنْس وَالْجِنّ



81
إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ

"أَإِنَّكُمْ" بِتَحْقِيقِ الْهَمْزَتَيْنِ وَتَسْهِيل الثَّانِيَة وَإِدْخَال الْأَلِف بَيْنهمَا عَلَى الْوَجْهَيْنِ - وَفِي قِرَاءَة إنَّكُمْ - "لَتَأْتُونَ الرِّجَال شَهْوَة مِنْ دُون النِّسَاء بَلْ أَنْتُمْ قَوْم مُسْرِفُونَ" مُتَجَاوِزُونَ الْحَلَال إلَى الْحَرَام



82
وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ

"وَمَا كَانَ جَوَاب قَوْمه إلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ" أَيْ لُوطًا وَأَتْبَاعه "مِنْ قَرْيَتكُمْ إنَّهُمْ أُنَاس يَتَطَهَّرُونَ" مِنْ أَدْبَار الرِّجَال




83
فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ

"فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْله إلَّا امْرَأَته كَانَتْ مِنْ الْغَابِرِينَ" الْبَاقِينَ فِي الْعَذَاب




84
وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ

"وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا" هُوَ حِجَارَة السِّجِّيل فَأَهْلَكَتْهُمْ



85
وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ

"و" أَرْسَلْنَا "إلَى مَدْيَن أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْم اُعْبُدُوا اللَّه مَا لَكُمْ مِنْ إلَه غَيْره قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَة" مُعْجِزَة "مِنْ رَبّكُمْ" عَلَى صِدْقِي "فَأَوْفُوا" أَتِمُّوا "الْكَيْل وَالْمِيزَان وَلَا تَبْخَسُوا" تُنْقِصُوا "النَّاس أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْض" بِالْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي "بَعْد إصْلَاحهَا" بِبَعْثِ الرُّسُل "ذَلِكُمْ" الْمَذْكُور "خَيْر لَكُمْ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ" مُرِيدِي الْإِيمَان فَبَادِرُوا إلَيْهِ




86
وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ

"وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاط" طَرِيق "تُوعِدُونَ" تُخَوِّفُونَ النَّاس بِأَخْذِ ثِيَابهمْ أَوْ الْمَكْس مِنْهُمْ "وَتَصُدُّونَ" تَصْرِفُونَ "عَنْ سَبِيل اللَّه" دِينه "مَنْ آمَنَ بِهِ" بِتَوَعُّدِكُمْ إيَّاهُ بِالْقَتْلِ "وَتَبْغُونَهَا" تَطْلُبُونَ الطَّرِيق "عِوَجًا" مُعْوَجَّة "وَاذْكُرُوا إذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَة الْمُفْسِدِينَ" قَبْلكُمْ بِتَكْذِيبِ رُسُلهمْ أَيْ آخِر أَمْرهمْ مِنْ الْهَلَاك




87
وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ

"وَإِنْ كَانَ طَائِفَة مِنْكُمْ آمَنُوا بِاَلَّذِي أُرْسِلْت بِهِ وَطَائِفَة لَمْ يُؤْمِنُوا" بِهِ "فَاصْبِرُوا" انْتَظِرُوا "حَتَّى يَحْكُم اللَّه بَيْننَا" وَبَيْنكُمْ بِإِنْجَاءِ الْمُحِقّ وَإِهْلَاك الْمُبْطِل "وَهُوَ خَيْر الْحَاكِمِينَ" أَعْدَلهمْ



88
قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا

"قَالَ الْمَلَأ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمه" عَنْ الْإِيمَان "لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْب وَاَلَّذِينَ آمَنُوا مَعَك مِنْ قَرْيَتنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ" تَرْجِعُنَّ "فِي مِلَّتنَا" دِيننَا وَغَلَّبُوا فِي الْخِطَاب الْجَمْع عَلَى الْوَاحِد لِأَنَّ شُعَيْبًا لَمْ يَكُنْ فِي مِلَّتهمْ قَطّ وَعَلَى نَحْوه أَجَابَ "قَالَ" نَعُود فِيهَا "أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ" لَهَا اسْتِفْهَام إنْكَار




89
قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ

"قَدْ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّه كَذِبًا إنْ عُدْنَا فِي مِلَّتكُمْ بَعْد إذْ نَجَّانَا مِنْهَا وَمَا يَكُون" يَنْبَغِي "لَنَا أَنْ نَعُود فِيهَا إلَّا أَنْ يَشَاء اللَّه رَبّنَا" ذَلِكَ فَيَخْذُلنَا "وَسِعَ رَبّنَا كُلّ شَيْء عِلْمًا" أَيْ وَسِعَ عِلْمه كُلّ شَيْء وَمِنْهُ حَالِي وَحَالكُمْ "عَلَى اللَّه تَوَكَّلْنَا رَبّنَا افْتَحْ" اُحْكُمْ "بَيْننَا وَبَيْن قَوْمنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْر الْفَاتِحِينَ" الْحَاكِمِينَ



90
وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ

"وَقَالَ الْمَلَأ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمه" أَيْ قَالَ بَعْضهمْ لِبَعْضٍ "لَئِنْ" لَام قَسَم



91
فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ

"فَأَخَذَتْهُمْ الرَّجْفَة" الزَّلْزَلَة الشَّدِيدَة "فَأَصْبَحُوا فِي دَارهمْ جَاثِمِينَ" بَارِكِينِ عَلَى الرُّكَب مَيِّتِينَ



92
الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ

"الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا" مُبْتَدَأ خَبَره "كَأَنْ" مُخَفَّفَة وَاسْمهَا مَحْذُوف أَيْ كَأَنَّهُمْ "لَمْ يَغْنَوْا" يُقِيمُوا "فِيهَا" فِي دِيَارهمْ "الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمْ الْخَاسِرِينَ" التَّأْكِيد بِإِعَادَةِ الْمَوْصُول وَغَيْره لِلرَّدِّ عَلَيْهِمْ فِي قَوْلهمْ السَّابِق




93
فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ

"فَتَوَلَّى" أَعَرَضَ "عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْم لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَات رَبِّي وَنَصَحْت لَكُمْ" فَلَمْ تُؤْمِنُوا "فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْم كَافِرِينَ" أَحْزَن اسْتِفْهَام بِمَعْنَى النَّفْي




94
وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ

"وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَة مِنْ نَبِيّ" فَكَذَّبُوهُ "إلَّا أَخَذْنَا" عَاقَبْنَا "أَهْلهَا بِالْبَأْسَاءِ" شِدَّة الْفَقْر "وَالضَّرَّاء" الْمَرَض "لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ" يَتَذَلَّلُونَ فَيُؤْمِنُونَ



95
ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ

"ثُمَّ بَدَّلْنَا" أَعْطَيْنَاهُمْ "مَكَان السَّيِّئَة" الْعَذَاب "الْحَسَنَة" الْغِنَى وَالصِّحَّة "حَتَّى عَفَوْا" كَثُرُوا "وَقَالُوا" كُفْرًا لِلنِّعْمَةِ "قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاء وَالسَّرَّاء" كَمَا مَسَّنَا وَهَذِهِ عَادَة الدَّهْر وَلَيْسَتْ بِعُقُوبَةٍ مِنْ اللَّه فَكُونُوا عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ "فَأَخَذْنَاهُمْ" بِالْعَذَابِ "بَغْتَة" فَجْأَة "وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ" بِوَقْتِ مَجِيئِهِ قَبْله




96
وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ

"وَلَوْ أَنَّ أَهْل الْقُرَى" الْمُكَذِّبِينَ "آمَنُوا" بِاَللَّهِ وَرُسُلهمْ "وَاتَّقَوْا" الْكُفْر وَالْمَعَاصِي "لَفَتَحْنَا" بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيد "عَلَيْهِمْ بَرَكَات مِنْ السَّمَاء" بِالْمَطَرِ "وَالْأَرْض" بِالنَّبَاتِ "وَلَكِنْ كَذَّبُوا" الرُّسُل "فَأَخَذْنَاهُمْ" عَاقَبْنَاهُمْ




97
أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ

"أَفَأَمِنَ أَهْل الْقُرَى" الْمُكَذِّبُونَ "أَنْ يَأْتِيهِمْ بَأْسنَا" عَذَابنَا "بَيَاتًا" لَيْلًا "وَهُمْ نَائِمُونَ" غَافِلُونَ عَنْهُ



98
أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ

"أَوَأَمِنَ أَهْل الْقُرَى أَنْ يَأْتِيهِمْ بَأْسنَا ضُحًى" نَهَارًا



99
أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ

"أَفَأَمِنُوا مَكْر اللَّه" اسْتِدْرَاجه إيَّاهُمْ بِالنِّعْمَةِ وَأَخْذهمْ بَغْتَة


100
أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ

"أَوَلَمْ يَهْدِ" يَتَبَيَّن "لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْض" بِالسُّكْنَى "مِنْ بَعْد" هَلَاك "أَهْلهَا أَنْ" مُخَفَّفَة وَاسْمهَا مَحْذُوف أَيْ أَنَّهُ "لَوْ نَشَاء أَصَبْنَاهُمْ" بِالْعَذَابِ "بِذُنُوبِهِمْ" كَمَا أَصَبْنَا مَنْ قَبْلهمْ وَالْهَمْزَة فِي الْمَوَاضِع الْأَرْبَعَة لِلتَّوْبِيخِ وَالْفَاء وَالْوَاو الدَّاخِلَة عَلَيْهِمَا لِلْعَطْفِ وَفِي قِرَاءَة بِسُكُونِ الْوَاو فِي الْمَوْضِع الْأَوَّل عَطْفًا بِأَوْ "وَنَطْبَع" نَحْنُ نَخْتِم "عَلَى قُلُوبهمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ" الْمَوْعِظَة سَمَاع تَدَبُّر





101
تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ

"تِلْكَ الْقُرَى" الَّتِي مَرَّ ذِكْرهَا "نَقُصّ عَلَيْك" يَا مُحَمَّد "مِنْ أَنْبَائِهَا" أَخْبَار أَهْلهَا "وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلهمْ بِالْبَيِّنَاتِ" الْمُعْجِزَات الظَّاهِرَات "فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا" عِنْد مَجِيئِهِمْ "بِمَا كَذَّبُوا" كَفَرُوا بِهِ "مِنْ قَبْل" قَبْل مَجِيئِهِمْ بَلْ اسْتَمَرُّوا عَلَى الْكُفْر "كَذَلِكَ" الطَّبْع




102
وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ

"وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ" أَيْ النَّاس "مِنْ عَهْد" أَيْ وَفَاء بِعَهْدِهِمْ يَوْم أُخِذَ الْمِيثَاق "وَإِنْ" مُخَفَّفَة



103
ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ
الْمُفْسِدِينَ

"ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدهمْ" أَيْ الرُّسُل الْمَذْكُورِينَ "مُوسَى بِآيَاتِنَا" التِّسْع "إلَى فِرْعَوْن وَمَلَئِهِ" قَوْمه "فَظَلَمُوا" كَفَرُوا "بِهَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَة الْمُفْسِدِينَ" بِالْكُفْرِ مِنْ إهْلَاكهمْ




[/color]وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ[/size]

"وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْن إنِّي رَسُول مِنْ رَبّ الْعَالَمِينَ" إلَيْك فَكَذَّبَهُ



105

حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ


" حَقِيق عَلَى أَنْ لَا أَقُول عَلَى اللَّه إِلَّا الْحَقّ " فَقَالَ بَعْضهمْ مَعْنَاهُ حَقِيق بِأَنْ لَا أَقُول عَلَى اللَّه إِلَّا الْحَقّ أَيْ جَدِير بِذَلِكَ وَحَرِيّ بِهِ قَالُوا وَالْبَاء وَعَلَى يَتَعَاقَبَانِ يُقَال رَمَيْت بِالْقَوْسِ وَعَلَى الْقَوْس وَجَاءَ عَلَى حَال حَسَنَة وَبِحَالٍ حَسَنَة وَقَالَ بَعْض الْمُفَسِّرِينَ مَعْنَاهُ حَرِيص عَلَى أَنْ لَا أَقُول عَلَى اللَّه إِلَّا الْحَقّ وَقَرَأَ آخَرُونَ مِنْ أَهْل الْمَدِينَة حَقِيق عَلَى بِمَعْنَى وَاجِب وَحَقّ عَلَى ذَلِكَ أَنْ لَا أُخْبِر عَنْهُ إِلَّا بِمَا هُوَ حَقّ وَصِدْق لِمَا أَعْلَم مِنْ جَلَاله وَعَظِيم شَأْنه " قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبّكُمْ" أَيْ بِحُجَّةٍ قَاطِعَة مِنْ اللَّه أَعْطَانِيهَا دَلِيلًا عَلَى صِدْقِي فِيمَا جِئْتُكُمْ بِهِ " فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيل" أَيْ أَطْلِقْهُمْ مِنْ أَسْرك وَقَهْرك وَدَعْهُمْ وَعِبَادَة رَبّك وَرَبّهمْ فَإِنَّهُمْ مِنْ سُلَالَة نَبِيّ كَرِيم إِسْرَائِيل وَهُوَ يَعْقُوب بْن إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم خَلِيل الرَّحْمَن .




106
قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ

"قَالَ" فِرْعَوْن لَهُ "إنْ كُنْت جِئْت بِآيَةٍ" عَلَى دَعْوَاك "فَأْتِ بِهَا إنْ كُنْت مِنْ الصَّادِقِينَ" فِيهَا




107
فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ

"فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَان مُبِين" حَيَّة عَظِيمَة



108
وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ

"وَنَزَعَ يَده" أَخْرَجَهَا مِنْ جَيْبه "فَإِذَا هِيَ بَيْضَاء" ذَات شُعَاع "لِلنَّاظِرِينَ" خِلَاف مَا كَانَتْ عَلَيْهِ مِنْ الْأُدْمَة




109
قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ

"قَالَ الْمَلَأ مِنْ قَوْم فِرْعَوْن إنَّ هَذَا لَسَاحِر عَلِيم" فَائِق فِي عِلْم السِّحْر وَفِي الشُّعَرَاء أَنَّهُ مِنْ قَوْل فِرْعَوْن نَفْسه فَكَأَنَّهُمْ قَالُوهُ مَعَهُ عَلَى سَبِيل التَّشَاوُر



110
يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ
[color=black]
إِخْرَاجه إِيَّاهُمْ مِنْ أَرْضهمْ وَاَلَّذِي خَافُوا مِنْهُ وَقَعُوا فِيهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى " وَنُرِيَ فِرْعَوْن وَهَامَان وَجُنُودهمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ " فَلَمَّا تَشَاوَرُوا فِي شَأْنه وَائْتَمَرُوا بِمَا فِيهِ اِتَّفَقَ رَأْيهمْ عَلَى مَا حَكَاهُ اللَّه تَعَالَى عَنْهُمْ.



111
قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ

قَالَ اِبْن عَبَّاس " أَرْجِهْ " أَخِّرْهُ وَقَالَ قَتَادَة اِحْبِسْهُ" وَأَرْسِلْ " أَيْ اِبْعَثْ " فِي الْمَدَائِن " أَيْ فِي الْأَقَالِيم وَمَدَائِن مُلْكك " حَاشِرِينَ " أَيْ مَنْ يَحْشُر لَك السَّحَرَة مِنْ سَائِر الْبِلَاد وَيَجْمَعهُمْ وَقَدْ كَانَ السِّحْر فِي زَمَانهمْ غَالِبًا كَثِيرًا ظَاهِرًا وَاعْتَقَدَ مَنْ اِعْتَقَدَ مِنْهُمْ وَأُوهِمَ مَنْ أُوهِمَ مِنْهُمْ أَنَّ مَا جَاءَ مُوسَى بِهِ عَلَيْهِ السَّلَام مِنْ قَبِيل مَا تُشَعْبِذُهُ سَحَرَتهمْ فَلِهَذَا جَمَعُوا لَهُ السَّحَرَة لِيُعَارِضُوهُ بِنَظِيرِ مَا أَرَاهُمْ مِنْ الْبَيِّنَات .



112
يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ

"يَأْتُوك بِكُلِّ سَاحِر" وَفِي قِرَاءَة سَحَّار "عَلِيم" يَفْضُل مُوسَى فِي عِلْم السِّحْر فَجَمَعُوا



113
وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ

"وَجَاءَ السَّحَرَة فِرْعَوْن قَالُوا أَإِنَّ" بِتَحْقِيقِ الْهَمْزَتَيْنِ وَتَسْهِيل الثَّانِيَة وَإِدْخَال أَلِف بَيْنهمَا عَلَى الْوَجْهَيْنِ



114
قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ

يُخْبِر تَعَالَى عَمَّا تَشَارَطَ عَلَيْهِ فِرْعَوْن وَالسَّحَرَة الَّذِينَ اِسْتَدْعَاهُمْ لِمُعَارَضَةِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام إِنْ غَلَبُوا مُوسَى لَيُثِيبَنَّهُمْ وَلَيُعْطِيَنَّهُمْ عَطَاء جَزِيلًا فَوَعَدَهُمْ وَمَنَّاهُمْ أَنْ يُعْطِيهِمْ مَا أَرَادُوا وَيَجْعَلهُمْ مِنْ جُلَسَائِهِ وَالْمُقَرَّبِينَ عِنْده فَلَمَّا تَوَثَّقُوا مِنْ فِرْعَوْن لَعَنَهُ اللَّه .



115
قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ

"قَالُوا يَا مُوسَى إمَّا أَنْ تُلْقِي" عَصَاك "وَإِمَّا أَنْ نَكُون نَحْنُ الْمُلْقِينَ" مَا مَعَنَا




116
قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ

"قَالَ أَلْقُوا" أَمْر لِلْإِذْنِ بِتَقْدِيمِ إلْقَائِهِمْ تَوَصُّلًا بِهِ إلَى إظْهَار الْحَقّ "فَلَمَّا أَلْقَوْا" حِبَالهمْ وَعِصِيّهمْ "سَحَرُوا أَعْيُن النَّاس" صَرَفُوهَا عَنْ حَقِيقَة إدْرَاكهَا "وَاسْتَرْهَبُوهُمْ" خَوَّفُوهُمْ حَيْثُ خَيَّلُوهَا حَيَّات تَسْعَى



117
وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ

"وَأَوْحَيْنَا إلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاك فَإِذَا هِيَ تَلْقَف" بِحَذْفِ إحْدَى التَّاءَيْنِ فِي الْأَصْل تَبْتَلِع "مَا يَأْفِكُونَ" يُقَلِّبُونَ بِتَمْوِيهِهِمْ



118
فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ

"فَوَقَعَ الْحَقّ" ثَبَتَ وَظَهَرَ "وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ" مِنْ السِّحْر



119
فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ

"فَغَلَبُوا" أَيْ فِرْعَوْن وَقَوْمه "هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ" صَارُوا ذَلِيلِينَ




120

وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ


الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَأُلْقِيَ السَّحَرَة سَاجِدِينَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَأُلْقِيَ السَّحَرَة عِنْدَمَا عَايَنُوا مِنْ عَظِيم قُدْرَة اللَّه , سَاقِطِينَ عَلَى وُجُوههمْ , سُجَّدًا لِرَبِّهِمْ .




121
قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ

يُخْبِر تَعَالَى أَنَّهُ أَوْحَى إِلَى عَبْده وَرَسُوله مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام فِي ذَلِكَ الْمَوْقِف الْعَظِيم الَّذِي فَرَّقَ اللَّه تَعَالَى فِيهِ بَيْن الْحَقّ وَالْبَاطِل يَأْمُرهُ بِأَنْ يُلْقِي مَا فِي يَمِينه وَهِيَ عَصَاهُ" فَإِذَا هِيَ تَلْقَف " أَيْ تَأْكُل " مَا يَأْفِكُونَ " أَيْ مَا يُلْقُونَهُ وَيُوهِمُونَ أَنَّهُ حَقّ وَهُوَ بَاطِل قَالَ اِبْن عَبَّاس فَجَعَلَتْ لَا تَمُرّ بِشَيْءٍ مِنْ حِبَالهمْ وَلَا مِنْ خَشَبهمْ إِلَّا اِلْتَقَمَتْهُ فَعَرَفَتْ السَّحَرَة أَنَّ هَذَا شَيْء مِنْ السَّمَاء لَيْسَ هَذَا بِسِحْرٍ فَخَرُّوا سُجَّدًا وَقَالُوا " آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ رَبّ مُوسَى وَهَارُون " وَقَالَ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق جَعَلَتْ تَتَّبِع تِلْكَ الْحِبَال وَالْعِصِيّ وَاحِدَة وَاحِدَة حَتَّى مَا يُرَى بِالْوَادِي قَلِيل وَلَا كَثِير مِمَّا أَلْقَوْا ثُمَّ أَخَذَهَا مُوسَى فَإِذَا هِيَ عَصًا فِي يَده كَمَا كَانَتْ وَوَقَعَ السَّحَرَة سُجَّدًا " قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ رَبّ مُوسَى وَهَارُون " لَوْ كَانَ هَذَا سَاحِرًا مَا غَلَبَنَا وَقَالَ الْقَاسِم بْن أَبِي بَرَّة : أَوْحَى اللَّه إِلَيْهِ أَنْ أَلْقِ عَصَاك فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَان مُبِين فَاغِر فَاهُ يَبْتَلِع حِبَالهمْ وَعِصِيّهمْ فَأُلْقِيَ السَّحَرَة عِنْد ذَلِكَ سُجَّدًا فَمَا رَفَعُوا رُءُوسهمْ حَتَّى رَأَوْا الْجَنَّة وَالنَّار وَثَوَاب أَهْلهمَا .



122
رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ

"رَبّ مُوسَى وَهَارُونَ" لِعِلْمِهِمْ بِأَنَّ مَا شَاهَدُوهُ مِنْ الْعَصَا لَا يَتَأَتَّى بِالسِّحْرِ



123
قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ

"قَالَ فِرْعَوْن آمَنْتُمْ" بِتَحْقِيقِ الْهَمْزَتَيْنِ وَإِبْدَال الثَّانِيَة أَلِفًا "بِهِ" بِمُوسَى "قَبْل أَنْ آذَنَ" أَنَا "لَكُمْ إنْ هَذَا" الَّذِي صَنَعْتُمُوهُ "لَمَكْر مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَة لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلهَا فَسَوْف تَعْلَمُونَ" مَا يَنَالكُمْ مِنِّي




124
لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ

"لَأُقَطِّعَن أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلكُمْ مِنْ خِلَاف" أَيْ يَد كُلّ وَاحِد الْيُمْنَى وَرِجْله الْيُسْرَى



125
قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ

"قَالُوا إنَّا إلَى رَبّنَا" بَعْد مَوْتنَا بِأَيِّ وَجْه كَانَ "مُنْقَلِبُونَ" رَاجِعُونَ فِي الْآخِرَة




126
وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ

"وَمَا تَنْقِم" تُنْكِر "مِنَّا إلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا" عِنْد فِعْل مَا تَوَعَّدْنَا بِهِ لِئَلَّا نَرْجِع كُفَّارًا




127
وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ

"وَقَالَ الْمَلَأ مِنْ قَوْم فِرْعَوْن" لَهُ "أَتَذَرُ" تَتْرُك "مُوسَى وَقَوْمه لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْض" بِالدُّعَاءِ إلَى مُخَالَفَتك "وَيَذَرك وَآلِهَتك" وَكَانَ صَنَعَ لَهُمْ أَصْنَامًا صِغَارًا يَعْبُدُونَهَا وَقَالَ أَنَا رَبّكُمْ . وَرَبّهَا وَلِذَا قَالَ أَنَا رَبّكُمْ الْأَعْلَى "قَالَ سَنُقَتِّلُ" بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيف "أَبْنَاءَهُمْ" الْمَوْلُودِينَ "وَنَسْتَحْيي" نَسْتَبْقِي "نِسَاءَهُمْ" كَفِعْلِنَا بِهِمْ مِنْ قَبْل "وَإِنَّا فَوْقهمْ قَاهِرُونَ" قَادِرُونَ فَفَعَلُوا بِهِمْ ذَلِكَ فَشَكَا بَنُو إسْرَائِيل




128
قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ

"قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاَللَّهِ وَاصْبِرُوا" عَلَى أَذَاهُمْ "إنَّ الْأَرْض لِلَّهِ يُورِثهَا" يُعْطِيهَا "مَنْ يَشَاء مِنْ عِبَاده وَالْعَاقِبَة" الْمَحْمُودَة "لِلْمُتَّقِينَ" اللَّه



129
قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ

"قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْل أَنْ تَأْتِينَا وَمِنْ بَعْد مَا جِئْتنَا قَالَ عَسَى رَبّكُمْ أَنْ يُهْلِك عَدُوّكُمْ وَيَسْتَخْلِفكُمْ فِي الْأَرْض فَيَنْظُر كَيْفَ تَعْمَلُونَ" فِيهَا




130
وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ

"وَلَقَدْ أَخَذْنَا آل فِرْعَوْن بِالسِّنِينَ" بِالْقَحْطِ "وَنَقْص مِنْ الثَّمَرَات لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ" يَتَّعِظُونَ فَيُؤْمِنُونَ



131
فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ

"فَإِذَا جَاءَتْهُمْ الْحَسَنَة" الْخِصْب وَالْغِنَى "قَالُوا لَنَا هَذِهِ" أَيْ نَسْتَحِقّهَا وَلَمْ يَشْكُرُوا عَلَيْهَا "وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَة" جَدْب وَبَلَاء "يَطَّيَّرُوا" يَتَشَاءَمُوا "بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ" مِنْ الْمُؤْمِنِينَ "أَلَا إنَّمَا طَائِرهمْ" شُؤْمهمْ "عِنْد اللَّه" يَأْتِيهِمْ بِهِ "وَلَكِنَّ أَكْثَرهمْ لَا يَعْلَمُونَ" أَنَّ مَا يُصِيبهُمْ مِنْ عِنْده




132
وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ

"وَقَالُوا" لِمُوسَى "مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَة لِتَسْحَرنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَك بِمُؤْمِنِينَ" فَدَعَا عَلَيْهِمْ



133
فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ

"فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ الطُّوفَان" وَهُوَ مَاء دَخَلَ بُيُوتهمْ وَوَصَلَ إلَى حُلُوق الْجَالِسِينَ سَبْعَة أَيَّام "وَالْجَرَاد" فَأَكَلَ زَرْعهمْ وَثِمَارهمْ كَذَلِكَ "وَالْقُمّل" السُّوس أَوْ نَوْع مِنْ الْقُرَاد فَتَتَبَّعَ مَا تَرَكَهُ الْجَرَاد "وَالضَّفَادِع" فَمَلَأَتْ بُيُوتهمْ وَطَعَامهمْ "وَالدَّم" فِي مِيَاههمْ "آيَات مُفَصَّلَات" مُبَيِّنَات "فَاسْتَكْبَرُوا" عَنْ الْإِيمَان بِهَا




134
وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي

"وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمْ الرِّجْز" الْعَذَاب "قَالُوا يَا مُوسَى اُدْعُ لَنَا رَبّك بِمَا عَهِدَ عِنْدك" مِنْ كَشْف الْعَذَاب عَنَّا إِنْ آمَنَّا "لَئِنْ" لَام قَسَم




135
فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ

"فَلَمَّا كَشَفْنَا" بِدُعَاءِ مُوسَى "عَنْهُمْ الرِّجْز إلَى أَجَل هُمْ بَالِغُوهُ إذَا هُمْ يَنْكُثُونَ" يَنْقُضُونَ عَهْدهمْ وَيُصِرُّونَ عَلَى كُفْرهمْ




136
فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ

"فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمّ" الْبَحْر الْمِلْح "بِأَنَّهُمْ" بِسَبَبِ أَنَّهُمْ "كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ" لَا يَتَدَبَّرُونَهَا




137
وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ

"وَأَوْرَثْنَا الْقَوْم الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ" بِالِاسْتِعْبَادِ وَهُمْ بَنُو إسْرَائِيل "مَشَارِق الْأَرْض وَمَغَارِبهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا" بِالْمَاءِ وَالشَّجَر صِفَة لِلْأَرْضِ وَهِيَ الشَّام "وَتَمَّتْ كَلِمَة رَبّك الْحُسْنَى" وَهِيَ قَوْله تَعَالَى "وَنُرِيد أَنْ نَمُنّ عَلَى الَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْض" إلَخْ "عَلَى بَنِي إسْرَائِيل بِمَا صَبَرُوا" عَلَى أَذَى عَدُوّهُمْ "وَدَمَّرْنَا" أَهَلَكْنَا "مَا كَانَ يَصْنَع فِرْعَوْن وَقَوْمه" مِنْ الْعِمَارَة "وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ" بِكَسْرِ الرَّاء وَضَمّهَا يَرْفَعُونَ مِنْ الْبُنْيَان .




138
وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ

"وَجَاوَزْنَا" عَبَرْنَا "بِبَنِي إسْرَائِيل الْبَحْر فَأَتَوْا" فَمَرُّوا "عَلَى قَوْم يَعْكُفُونَ" بِضَمِّ الْكَاف وَكَسْرهَا "عَلَى أَصْنَام لَهُمْ" يُقِيمُونَ عَلَى عِبَادَتهَا "قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إلَهًا" صَنَمًا نَعْبُدهُ "كَمَا لَهُمْ آلِهَة قَالَ إنَّكُمْ قَوْم تَجْهَلُونَ" حَيْثُ قَابَلْتُمْ نِعْمَة اللَّه عَلَيْكُمْ بِمَا قُلْتُمُوهُ




139
إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ

"إنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّر" هَالِك



140
قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ

"قَالَ أَغَيْر اللَّه أَبْغِيكُمْ إلَهًا" مَعْبُودًا وَأَصْله أَبْغِي لَكُمْ "وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ" فِي زَمَانكُمْ بِمَا ذَكَرَهُ فِي قَوْله



141
وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ

"وَ" اُذْكُرُوا "إذْ أَنْجَيْنَاكُمْ" وَفِي قِرَاءَة أَنَجَاكُمْ "مِنْ آل فِرْعَوْن يَسُومُونَكُمْ" يُكَلِّفُونَكُمْ وَيُذِيقُونَكُمْ "سُوء الْعَذَاب" أَشَدّه وَهُوَ "يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ" يَسْتَبِقُونَ "وَفِي ذَلِكُمْ" الْإِنْجَاء أَوْ الْعَذَاب "بَلَاء" إنْعَام أَوْ ابْتِلَاء "مِنْ رَبّكُمْ عَظِيم" أَفَلَا تَتَّعِظُونَ فَتَنْتَهُوا عَمَّا قُلْتُمْ




142
وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ

"وَوَاعَدْنَا" بِأَلِفٍ وَدُونهَا "مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَة" نُكَلِّمهُ عِنْد انْتِهَائِهَا بِأَنْ يَصُومهَا وَهِيَ ذُو الْقَعْدَة فَصَامَهَا فَلَمَّا تَمَّتْ أَنْكَرَ خُلُوف فَمه فَاسْتَاك فَأَمَرَهُ اللَّه بِعَشَرَةٍ أُخْرَى لِيُكَلِّمهُ بِخُلُوفِ فَمه "وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ" مِنْ ذِي الْحِجَّة "فَتَمَّ مِيقَات رَبّه" وَقْت وَعْده بِكَلَامِهِ إيَّاهُ "أَرْبَعِينَ" حَال "لَيْلَة" تَمْيِيز "وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ" عِنْد ذَهَابه إلَى الْجَبَل لِلْمُنَاجَاةِ "اُخْلُفْنِي" كُنْ خَلِيفَتِي "فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ" أَمْرهمْ "وَلَا تَتَّبِع سَبِيل الْمُفْسِدِينَ" بِمُوَافَقَتِهِمْ عَلَى الْمَعَاصِي




143
وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ

"وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا" أَيْ لِلْوَقْتِ الَّذِي وَعَدْنَاهُ بِالْكَلَامِ فِيهِ "وَكَلَّمَهُ رَبّه" بِلَا وَاسِطَة كَلَامًا سَمِعَهُ مِنْ كُلّ جِهَة "قَالَ رَبّ أَرِنِي" نَفْسك "أَنْظُر إلَيْك قَالَ لَنْ تَرَانِي" أَيْ لَا تَقْدِر عَلَى رُؤْيَتِي وَالتَّعْبِير بِهِ دُون لَنْ أَرَى يُفِيد إمْكَان رُؤْيَته تَعَالَى "وَلَكِنْ اُنْظُرْ إلَى الْجَبَل" الَّذِي هُوَ أَقْوَى مِنْك "فَإِنْ اسْتَقَرَّ" ثَبَتَ "مَكَانه فَسَوْف تَرَانِي" أَيْ تَثْبُت لِرُؤْيَتِي وَإِلَّا فَلَا طَاقَة لَك "فَلَمَّا تَجَلَّى رَبّه" أَيْ ظَهَرَ مِنْ نُوره قَدْر نِصْف أُنْمُلَة الْخِنْصَر كَمَا فِي حَدِيث صَحَّحَهُ الْحَاكِم "لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا" بِالْقَصْرِ وَالْمَدّ أَيْ مَدْكُوكًا مُسْتَوِيًا بِالْأَرْضِ "وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا" مَغْشِيًّا عَلَيْهِ لِهَوْلِ مَا رَأَى "فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانك" تَنْزِيهًا لَك "تُبْت إلَيْك" مِنْ سُؤَال مَا لَمْ أُؤْمَر بِهِ "وَأَنَا أَوَّل الْمُؤْمِنِينَ" فِي زَمَانِي




144
قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ

"قَالَ" تَعَالَى لَهُ "يَا مُوسَى إنِّي اصْطَفَيْتُك" اخْتَرْتُك "عَلَى النَّاس" أَهْل زَمَانك "بِرِسَالَاتِي" بِالْجَمْعِ وَالْإِفْرَاد "وَبِكَلَامِي" أَيْ تَكْلِيمِي إيَّاكَ "فَخُذْ مَا آتَيْتُك" مِنْ الْفَضْل "وَكُنْ مِنْ الشَّاكِرِينَ" لِأَنْعُمِي




145
وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ

"وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاح" أَيْ أَلْوَاح التَّوْرَاة وَكَانَتْ مِنْ سِدْر الْجَنَّة أَوْ زَبَرْجَد أَوْ زُمُرُّد سَبْعَة أَوْ عَشَرَة "مِنْ كُلّ شَيْء" يَحْتَاج إلَيْهِ فِي الدِّين "مَوْعِظَة وَتَفْصِيلًا" تَبْيِينًا "لِكُلِّ شَيْء" بَدَل مِنْ الْجَار وَالْمَجْرُور قَبْله "فَخُذْهَا" قَبْله قُلْنَا مُقَدَّرًا "بِقُوَّةٍ" بِجِدٍّ وَاجْتِهَاد "وَأْمُرْ قَوْمك يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُورِيكُمْ دَار الْفَاسِقِينَ" فِرْعَوْن وَأَتْبَاعه وَهِيَ مِصْر لِتَعْتَبِرُوا بِهِمْ





146
سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ

"سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي" دَلَائِل قُدْرَتِي مِنْ الْمَصْنُوعَات وَغَيْرهَا "الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْض بِغَيْرِ الْحَقّ" بِأَنْ أَخْذَلهمْ فَلَا يَتَكَبَّرُونَ فِيهَا "وَإِنْ يَرَوْا كُلّ آيَة لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيل" طَرِيق "الرُّشْد" الْهُدَى الَّذِي جَاءَ مِنْ عِنْد اللَّه "لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا" يَسْلُكُوهُ "وَإِنْ يَرَوْا سَبِيل الْغَيّ" الضَّلَال "يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ" الصَّرْف "بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ" تَقَدَّمَ مِثْله




147

وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ


"وَاَلَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاء الْآخِرَة" الْبَعْث وَغَيْره "حَبِطَتْ" بَطَلَتْ "أَعْمَالهمْ" مَا عَمِلُوهُ فِي الدُّنْيَا مِنْ خَيْر كَصِلَةِ رَحِم وَصَدَقَة فَلَا ثَوَاب لَهُمْ لِعَدِمِ شَرْطه "هَلْ" مَا "يُجْزَوْنَ إلَّا" جَزَاء "مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ" مِنْ التَّكْذِيب وَالْمَعَاصِي



148
وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ

"وَاِتَّخَذَ قَوْم مُوسَى مِنْ بَعْده" أَيْ بَعْد ذَهَابه إلَى الْمُنَاجَاة "مِنْ حُلِيّهمْ" الَّذِي اسْتَعَارُوهُ مِنْ قَوْم فِرْعَوْن بِعَلَّةِ عُرْس فَبَقِيَ عِنْدهمْ "عِجْلًا" صَاغَهُ لَهُمْ مِنْهُ السَّامِرِيّ "جَسَدًا" بُدِّلَ لَحْمًا وَدَمًا "لَهُ خُوَار" أَيْ صَوْت يُسْمَع انْقَلَبَ كَذَلِكَ بِوَضْعِ التُّرَاب الَّذِي أَخَذَهُ مِنْ حَافِر فَرَس جِبْرِيل فِي فَمه فَإِنَّ أَثَره الْحَيَاة فِيمَا يُوضَع فِيهِ وَمَفْعُول اتَّخَذَ الثَّانِي مَحْذُوف أَيْ إلَهًا "أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا" فَكَيْفَ يُتَّخَذ إلَهًا "اتَّخَذُوهُ" إلَهًا "وَكَانُوا ظَالِمِينَ" بِاِتِّخَاذِهِ





149
وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ

"وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهمْ" أَيْ نَدِمُوا عَلَى عِبَادَته "وَرَأَوْا" عَلِمُوا "أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا" بِهَا وَذَلِكَ بَعْد رُجُوع مُوسَى "قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمنَا رَبّنَا وَيَغْفِر لَنَا" بِالْيَاءِ وَالتَّاء فِيهِمَا




150
وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ

"وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إلَى قَوْمه غَضْبَان" مِنْ جِهَتهمْ "أَسِفًا" شَدِيد الْحُزْن "قَالَ بِئْسَمَا" أَيْ بِئْسَ خِلَافَة "خَلَفْتُمُونِي" خَلَفْتُمُونِيهَا "مِنْ بَعْدِي" خِلَافَتكُمْ هَذِهِ حَيْثُ أَشْرَكْتُمْ "أَعَجِلْتُمْ أَمْر رَبّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاح" أَلْوَاح التَّوْرَاة غَضَبًا لِرَبِّهِ فَتَكَسَّرَتْ "وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ" أَيْ بِشَعْرِهِ بِيَمِينِهِ وَلِحْيَته بِشِمَالِهِ "يَجُرّهُ إلَيْهِ" غَضَبًا "قَالَ" يَا "ابْن أُمّ" بِكَسْرِ الْمِيم وَفَتْحهَا أَرَادَ أُمِّي وَذِكْرهَا أَعْطَف لِقَلْبِهِ "إنَّ الْقَوْم اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا" قَارَبُوا "يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِت" تُفْرِح "بِي الْأَعْدَاء" بِإِهَانَتِك إيَّايَ "وَلَا تَجْعَلنِي مَعَ الْقَوْم الظَّالِمِينَ" بِعِبَادَةِ الْعِجْل فِي الْمُؤَاخَذَة





151
قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ

"قَالَ رَبّ اغْفِرْ لِي" مَا صَنَعْت بِأَخِي "وَلِأَخِي" أُشْرِكهُ فِي الدُّعَاء إرْضَاء لَهُ وَدَفْعًا لِلشَّمَاتَةِ بِهِ




152
إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ

"إنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْل" إلَهًا "سَيَنَالُهُمْ غَضَب" عَذَاب "مِنْ رَبّهمْ وَذِلَّة فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا" فَعُذِّبُوا بِالْأَمْرِ بِقَتْلِ أَنْفُسهمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّة إلَى يَوْم الْقِيَامَة "وَكَذَلِكَ" كَمَا جَزَيْنَاهُمْ "نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ" عَلَى اللَّه بِالْإِشْرَاكِ وَغَيْره




153
وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ

"وَاَلَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَات ثُمَّ تَابُوا" رَجَعُوا عَنْهَا "مِنْ بَعْدهَا وَآمَنُوا" بِاَللَّهِ "إنَّ رَبّك مِنْ بَعْدهَا" أَيْ التَّوْبَة "لَغَفُور" لَهُمْ "رَحِيم" بِهِمْ




154
وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ

"وَلَمَّا سَكَتَ" سَكَنَ "عَنْ مُوسَى الْغَضَب أَخَذَ الْأَلْوَاح" الَّتِي أَلْقَاهَا "وَفِي نُسْخَتهَا" أَيْ مَا نُسِخَ فِيهَا أَيْ كُتِبَ "هُدًى" مِنْ الضَّلَالَة "وَرَحْمَة لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ" يَخَافُونَ وَأَدْخَلَ اللَّام عَلَى الْمَفْعُول لِتَقَدُّمِهِ





155
وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ

"وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمه" أَيْ مِنْ قَوْمه "سَبْعِينَ رَجُلًا" مِمَّنْ لَمْ يَعْبُدُوا الْعِجْل بِأَمْرِهِ تَعَالَى "لِمِيقَاتِنَا" أَيْ لِلْوَقْتِ الَّذِي وَعَدْنَاهُ بِإِتْيَانِهِمْ فِيهِ لِيَعْتَذِرُوا مِنْ عِبَادَة أَصْحَابهمْ الْعِجْل فَخَرَجَ بِهِمْ "فَلَمَّا أَخَذَتْهُمْ الرَّجْفَة" الزَّلْزَلَة الشَّدِيدَة قَالَ ابْن عَبَّاس : لِأَنَّهُمْ لَمْ يُزَايِلُوا قَوْمهمْ حِين عَبَدُوا الْعِجْل قَالَ : وَهُمْ غَيْر الَّذِينَ سَأَلُوا الرُّؤْيَة وَأَخَذَتْهُمْ الصَّاعِقَة "قَالَ" مُوسَى "رَبّ لَوْ شِئْت أَهْلَكْتهمْ مِنْ قَبْل وَإِيَّايَ" أَيْ قَبْل خُرُوجِي بِهِمْ لِيُعَايِن بَنُو إسْرَائِيل ذَلِكَ وَلَا يَتَّهِمُونَ "أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاء مِنَّا" اسْتِفْهَام اسْتِعْطَاف أَيْ لَا تُعَذِّبنَا بِذَنْبِ غَيْرنَا "إنْ" مَا "هِيَ" أَيْ الْفِتْنَة الَّتِي وَقَعَ فِيهَا السُّفَهَاء "إلَّا فِتْنَتك" ابْتِلَاؤُك "تُضِلّ بِهَا مَنْ تَشَاء" إضْلَاله "وَتَهْدِي مَنْ تَشَاء" هِدَايَته "أَنْتَ وَلِيّنَا" مُتَوَلِّي أُمُورنَا





156
وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ

"وَاكْتُبْ" أَوْجِبْ "لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَة وَفِي الْآخِرَة" حَسَنَة "إنَّا هُدْنَا" تُبْنَا "إلَيْك قَالَ" تَعَالَى "عَذَابِي أُصِيب بِهِ مَنْ أَشَاء" تَعْذِيبه "وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ" عَمَّتْ "كُلّ شَيْء" فِي الدُّنْيَا "فَسَأَكْتُبُهَا" فِي الْآخِرَة





157
الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ

"الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُول النَّبِيّ الْأُمِّيّ" مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدهمْ فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل" بِاسْمِهِ وَصِفَته "يَأْمُرهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنْكَر وَيُحِلّ لَهُمْ الطَّيِّبَات" مِمَّا حَرَّمَ فِي شَرْعهمْ "وَيُحَرِّم عَلَيْهِمْ الْخَبَائِث" مِنْ الْمَيْتَة وَنَحْوهَا "وَيَضَع عَنْهُمْ إصْرهمْ" ثِقَلهمْ "وَالْأَغْلَال" الشَّدَائِد "الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ" كَقَتْلِ النَّفْس فِي التَّوْبَة وَقَطْع أَثَر النَّجَاسَة




158
قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ

"قُلْ" خِطَاب لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "يَا أَيّهَا النَّاس إنِّي رَسُول اللَّه إلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْك السَّمَوَات وَالْأَرْض لَا إلَه إلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيت فَآمِنُوا بِاَللَّهِ وَرَسُوله النَّبِيّ الْأُمِّيّ الَّذِي يُؤْمِن بِاَللَّهِ وَكَلِمَاته" الْقُرْآن "وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ" تَرْشُدُونَ



159
وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ

"وَمِنْ قَوْم مُوسَى أُمَّة" جَمَاعَة "يَهْدُونَ" النَّاس "بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ" فِي الْحُكْم




160
وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ

"وَقَطَّعْنَاهُمْ" فَرَّقْنَا بَنِي إسْرَائِيل "اثْنَتَيْ عَشْرَة" حَال "أَسْبَاطًا" بَدَل مِنْهُ أَيْ قَبَائِل "أُمَمًا" بَدَل مِمَّا قَبْله "وَأَوْحَيْنَا إلَى مُوسَى إذْ اسْتَسْقَاهُ قَوْمه" فِي التِّيه "أَنْ اضْرِبْ بِعَصَاك الْحَجَر" فَضَرَبَهُ "فَانْبَجَسَتْ" انْفَجَرَتْ "مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَة عَيْنًا" بِعَدَدِ الْأَسْبَاط "قَدْ عَلِمَ كُلّ أُنَاس" سَبْط مِنْهُمْ "مَشْرَبهمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمْ الْغَمَام" فِي التِّيه مِنْ حَرّ الشَّمْس "وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ الْمَنّ وَالسَّلْوَى" هُمَا الترنجبين وَالطَّيْر السُّمَانَى بِتَخْفِيفِ الْمِيم وَالْقَصْر وَقُلْنَا لَهُمْ




161
وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ

"و" اذْكُرْ "إذْ قِيلَ لَهُمْ اُسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَة" بَيْت الْمَقْدِس "وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا" أَمْرنَا "حِطَّة وَادْخُلُوا الْبَاب" أَيْ بَاب الْقَرْيَة "سُجَّدًا" سُجُود انْحِنَاء "نَغْفِر" بِالنُّونِ وَالتَّاء مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ "لَكُمْ خَطِيئَاتكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ" بِالطَّاعَةِ ثَوَابًا




162
فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ

"فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْر الَّذِي قِيلَ لَهُمْ" فَقَالُوا : حَبَّة فِي شَعْرَة وَدَخَلُوا يَزْحَفُونَ عَلَى أَسْتَاههمْ "فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا" عَذَابًا





163
وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ

"وَاسْأَلْهُمْ" يَا مُحَمَّد تَوْبِيخًا "عَنْ الْقَرْيَة الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَة الْبَحْر" مُجَاوِرَة بَحْر الْقُلْزُم وَهِيَ أَيْلَة مَا وَقَعَ بِأَهْلِهَا "إذْ يَعْدُونَ" يَعْتَدُونَ "فِي السَّبْت" بِصَيْدِ السَّمَك الْمَأْمُورِينَ بِتَرْكِهِ فِيهِ "إذْ" ظَرْف لِيَعْدُونَ "تَأْتِيهِمْ حِيتَانهمْ يَوْم سَبْتهمْ شُرَّعًا" ظَاهِرَة عَلَى الْمَاء "وَيَوْم لَا يَسْبِتُونَ" لَا يُعَظِّمُونَ السَّبْت أَيْ سَائِر الْأَيَّام "لَا تَأْتِيهِمْ" ابْتِلَاء مِنْ اللَّه "كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ" وَلَمَّا صَادُوا السَّمَك افْتَرَقَتْ الْقَرْيَة أَثَلَاثًا ثُلُث صَادُوا مَعَهُمْ وَثُلُث نَهَوْهُمْ وَثُلُث أَمْسَكُوا عَنْ الصَّيْد وَالنَّهْي






164
وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ

"وَإِذْ" عَطْف عَلَى إذْ قَبْله "قَالَتْ أُمَّة مِنْهُمْ" لِمَ تَصُدّ وَلَمْ تُنْهَ لِمَنْ نَهَى "لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّه مُهْلِكهمْ أَوْ مُعَذِّبهمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا" مَوْعِظَتنَا "مَعْذِرَة" نَعْتَذِر بِهَا "إلَى رَبّكُمْ" لِئَلَّا نُنْسَب إلَى تَقْصِير فِي تَرْك النَّهْي "وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ" الصَّيْد




165
فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ

"فَلَمَّا نَسُوا" تَرَكُوا "مَا ذُكِّرُوا" وُعِظُوا "بِهِ" فَلَمْ يَرْجِعُوا "أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنْ السُّوء وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا" بِالِاعْتِدَاءِ "بِعَذَابٍ بَئِيس" شَدِيد


[INDENT]
166
فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ

"فَلَمَّا عَتَوْا" تَكَبَّرُوا "عَنْ" تَرْك "مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَة خَاسِئِينَ" صَاغِرِينَ فَكَانُوهَا وَهَذَا تَفْصِيل لِمَا قَبْله قَالَ ابْن عَبَّاس : مَا أَدْرِي مَا فَعَلَ بِالْفِرْقَةِ السَّاكِتَة وَقَالَ عِكْرِمَة : لَمْ تُهْلَك لِأَنَّهَا كَرِهَتْ مَا فَعَلُوهُ وَقَالَتْ : لِمَ تَعِظُونَ إلَخْ وَرَوَى الْحَاكِم عَنْ ابْن عَبَّاس : أَنَّهُ رَجَعَ إلَيْهِ وَأَعْجَبَهُ




167
وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ

"وَإِذْ تَأَذَّنَ" أَعْلَمَ "رَبّك لَيَبْعَثَن عَلَيْهِمْ" أَيْ الْيَهُود "إلَى يَوْم الْقِيَامَة مَنْ يَسُومهُمْ سُوء الْعَذَاب" بِالذُّلِّ وَأَخْذ الْجِزْيَة فَبَعَثَ عَلَيْهِمْ سُلَيْمَان وَبَعْده بُخْتَنَصَّرَ فَقَتَلَهُمْ وَسَبَاهُمْ وَضَرَبَ عَلَيْهِمْ الْجِزْيَة فَكَانُوا يُؤَدُّونَهَا إلَى الْمَجُوس إلَى أَنْ بَعَثَ نَبِيّنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَضَرَبَهَا عَلَيْهِمْ "إنَّ رَبّك لَسَرِيع الْعِقَاب" لِمَنْ عَصَاهُ "وَإِنَّهُ لَغَفُور" لِأَهْلِ طَاعَته "رَحِيم" بِهِمْ





168
وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ

"وَقَطَّعْنَاهُمْ" فَرَّقْنَاهُمْ "فِي الْأَرْض أُمَمًا" فِرَقًا "مِنْهُمْ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ" نَاس "دُون ذَلِكَ" الْكُفَّار وَالْفَاسِقُونَ "وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ" بِالنِّعَمِ "وَالسَّيِّئَات" النِّقَم "لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ" عَنْ فِسْقهمْ




169
فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ

"فَخَلَفَ مِنْ بَعْدهمْ خَلْف وَرِثُوا الْكِتَاب" التَّوْرَاة عَنْ آبَائِهِمْ "يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى" أَيْ حُطَام هَذَا الشَّيْء الدَّنِيء أَيْ الدُّنْيَا مِنْ حَلَال وَحَرَام "وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا" مَا فَعَلْنَاهُ "وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَض مِثْله يَأْخُذُوهُ" الْجُمْلَة حَال أَيْ يَرْجُونَ الْمَغْفِرَة وَهُمْ عَائِدُونَ إلَى مَا فَعَلُوهُ مُصِرُّونَ عَلَيْهِ وَلَيْسَ فِي التَّوْرَاة وَعْد الْمَغْفِرَة مَعَ الْإِصْرَار "أَلَمْ يُؤْخَذ" اسْتِفْهَام تَقْرِير "عَلَيْهِمْ مِيثَاق الْكِتَاب" الْإِضَافَة بِمَعْنَى فِي "أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّه إلَّا الْحَقّ وَدَرَسُوا" عَطْف عَلَى يُؤْخَذ قَرَءُوا "مَا فِيهِ" فَلِمَ كَذَبُوا عَلَيْهِ بِنِسْبَةِ الْمَغْفِرَة إلَيْهِ مَعَ الْإِصْرَار "وَالدَّار الْآخِرَة خَيْر لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ" الْحَرَام "أَفَلَا يَعْقِلُونَ" بِالْيَاءِ وَالتَّاء أَنَّهَا خَيْر فَيُؤْثِرُونَهَا عَلَى الدُّنْيَا




170
وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ

"وَاَلَّذِينَ يُمَسِّكُونَ" بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيف "بِالْكِتَابِ" مِنْهُمْ "وَأَقَامُوا الصَّلَاة" كَعَبْدِ اللَّه بْن سَلَام وَأَصْحَابه "إنَّا لَا نُضِيع أَجْر الْمُصْلِحِينَ" الْجُمْلَة خَبَر الَّذِينَ وَفِيهِ وَضَعَ الظَّاهِر مَوْضِع الْمُضْمَر أَيْ أَجْرهمْ




171
وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ

"وَ" اُذْكُرْ "إذْ نَتَقْنَا الْجَبَل" رَفَعْنَاهُ مِنْ أَصْله "فَوْقهمْ كَأَنَّهُ ظُلَّة وَظَنُّوا" أَيْقَنُوا "أَنَّهُ وَاقِع بِهِمْ" سَاقِط عَلَيْهِمْ بِوَعْدِ اللَّه إيَّاهُمْ بِوُقُوعِهِ إنْ لَمْ يَقْبَلُوا أَحْكَام التَّوْرَاة وَكَانُوا أَبَوْهَا لِثَقَلِهَا فَقَبِلُوا وَقُلْنَا لَهُمْ "خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ" بِجِدٍّ وَاجْتِهَاد "وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ" بِالْعَمَلِ بِهِ





172
وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ

"وَ" اذْكُرْ "إِذْ" حِين "أَخَذَ رَبّك مِنْ بَنِي آدَم مِنْ ظُهُورهمْ" بَدَل اشْتِمَال مِمَّا قَبْله بِإِعَادَةِ الْجَار "ذُرِّيَّتهمْ" بِأَنْ أَخْرَجَ بَعْضهمْ مِنْ صُلْب بَعْض مِنْ صُلْب آدَم نَسْلًا بَعْد نَسْل كَنَحْوِ مَا يَتَوَالَدُونَ كَالذَّرِّ بِنُعْمَانَ يَوْم عَرَفَة وَنَصَبَ لَهُمْ دَلَائِل عَلَى رُبُوبِيَّته وَرَكَّبَ فِيهِمْ عَقْلًا "وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسهمْ" قَالَ "أَلَسْت بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى" أَنْتَ رَبّنَا "شَهِدْنَا" بِذَلِكَ وَالْإِشْهَاد "أَنْ" لَا "يَقُولُوا" بِالْيَاءِ وَالتَّاء فِي . الْمَوْضِعَيْنِ أَيْ الْكُفَّار "يَوْم الْقِيَامَة إنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا" التَّوْحِيد "غَافِلِينَ" لَا نَعْرِفهُ




173
أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ

"أَوْ تَقُولُوا إنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْل" أَيْ قَبْلنَا "وَكُنَّا ذُرِّيَّة مِنْ بَعْدهمْ" فَاقْتَدَيْنَا بِهِمْ "أَفَتُهْلِكنَا" تُعَذِّبنَا "بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ" مِنْ آبَائِنَا بِتَأْسِيسِ الشِّرْك الْمَعْنَى لَا يُمْكِنهُمْ الِاحْتِجَاج بِذَلِكَ مَعَ إشْهَادهمْ عَلَى أَنْفُسهمْ بِالتَّوْحِيدِ وَالتَّذْكِير بِهِ عَلَى لِسَان صَاحِب الْمُعْجِزَة قَائِم مَقَام ذِكْره فِي النَّفُوس




174
وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ

"وَكَذَلِكَ نُفَصِّل الْآيَات" نُبَيِّنهَا مِثْل مَا بَيَّنَّا الْمِيثَاق لِيَتَدَبَّرُوهَا "وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ" عَنْ كُفْرهمْ




175
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ

"وَاتْلُ" يَا مُحَمَّد "عَلَيْهِمْ" أَيْ الْيَهُود "نَبَأ" خَبَر "الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا" خَرَجَ بِكُفْرِهِ كَمَا تَخْرُج الْحَيَّة مِنْ جِلْدهَا وَهُوَ بلعم بْن بَاعُورَاءَ مِنْ عُلَمَاء بَنِي إسْرَائِيل سُئِلَ أَنْ يَدْعُو عَلَى مُوسَى وَأُهْدِيَ إلَيْهِ شَيْء فَدَعَا فَانْقَلَبَ عَلَيْهِ وَانْدَلَعَ لِسَانه عَلَى صَدْره "فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَان" فَأَدْرَكَهُ فَصَارَ قَرِينه




176
وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ

"وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ" إلَى مَنَازِل الْعُلَمَاء "بِهَا" بِأَنْ نُوَفِّقهُ لِلْعَمَلِ "وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ" سَكَنَ "إلَى الْأَرْض" أَيْ الدُّنْيَا وَمَالَ إلَيْهَا "وَاتَّبَعَ هَوَاهُ" فِي دُعَائِهِ إلَيْهَا فَوَضَعْنَاهُ "فَمَثَله" صِفَته "كَمَثَلِ الْكَلْب إنْ تَحْمِل عَلَيْهِ" بِالطَّرْدِ وَالزَّجْر "يَلْهَث" يَدْلَع لِسَانه "أَوْ" إنْ "تَتْرُكهُ يَلْهَث" وَلَيْسَ غَيْره مِنْ الْحَيَوَان كَذَلِكَ وَجُمْلَتَا الشَّرْط حَال أَيْ لَاهِثًا ذَلِيلًا بِكُلِّ حَال وَالْقَصْد التَّشْبِيه فِي الْوَضْع وَالْخِسَّة بِقَرِينَةِ الْفَاء الْمُشْعِرَة بِتَرْتِيبِ مَا بَعْدهَا عَلَى مَا قَبْلهَا مِنْ الْمَيْل إلَى الدُّنْيَا وَاتِّبَاع الْهَوَى وَبِقَرِينَةِ قَوْله "ذَلِكَ" الْمَثَل "مَثَل الْقَوْم الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصْ الْقَصَص" عَلَى الْيَهُود "لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ" يَتَدَبَّرُونَ فِيهَا فَيُؤْمِنُونَ




177
سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ

"سَاءَ" بِئْسَ "مَثَلًا الْقَوْم" أَيْ مَثَل الْقَوْم "الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسهمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ" بِالتَّكْذِيبِ




178
مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { مَنْ يَهْدِ اللَّه فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : الْهِدَايَة وَالْإِضْلَال بِيَدِ اللَّه وَالْمُهْتَدِي وَهُوَ السَّالِك سَبِيل الْحَقّ الرَّاكِب قَصْد الْمَحَجَّة فِي دِينه مَنْ هَدَاهُ اللَّه لِذَلِكَ , فَوَفَّقَهُ لِإِصَابَتِهِ . وَالضَّالّ مَنْ خَذَلَهُ اللَّه فَلَمْ يُوَفِّقهُ لِطَاعَتِهِ , وَمَنْ فَعَلَ اللَّه ذَلِكَ بِهِ فَهُوَ الْخَاسِر : يَعْنِي الْهَالِك. وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الْخَسَارَة وَالْهِدَايَة وَالضَّلَالَة فِي غَيْر مَوْضِع مِنْ كِتَابنَا هَذَا بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع



179
وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ

"وَلَقَدْ ذَرَأْنَا" خَلَقْنَا "لِجَهَنَّم كَثِيرًا مِنْ الْجِنّ وَالْإِنْس لَهُمْ قُلُوب لَا يَفْقُهُونَ بِهَا" الْحَقّ "وَلَهُمْ أَعْيُن لَا يُبْصِرُونَ بِهَا" دَلَائِل قُدْرَة اللَّه بَصَر اعْتِبَار "وَلَهُمْ آذَان لَا يَسْمَعُونَ بِهَا" الْآيَات وَالْمَوَاعِظ سَمَاع تَدَبُّر وَاتِّعَاظ "أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ" فِي عَدَم الْفِقْه وَالْبَصَر وَالِاسْتِمَاع "بَلْ هُمْ أَضَلّ" مِنْ الْأَنْعَام لِأَنَّهَا تَطْلُب مَنَافِعهَا وَتَهْرُب مِنْ مَضَارّهَا وَهَؤُلَاءِ يَقْدَمُونَ عَلَى النَّار مُعَانَدَة




180
وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ

"وَلِلَّهِ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى" التِّسْعَة وَالتِّسْعُونَ الْوَارِد بِهَا الْحَدِيث وَالْحُسْنَى مُؤَنَّث الْأَحْسَن "فَادْعُوهُ" سَمُّوهُ "بِهَا وَذَرُوا" اُتْرُكُوا "الَّذِينَ يُلْحِدُونَ" مِنْ أَلْحَدَ وَلَحَدَ يَمِيلُونَ عَنْ الْحَقّ . "فِي أَسْمَائِهِ" حَيْثُ اشْتَقُّوا مِنْهَا أَسْمَاء لِآلِهَتِهِمْ : كَاَللَّاتِي مِنْ اللَّه وَالْعُزَّى مِنْ الْعَزِيز وَمَنَاة مِنْ الْمَنَّان "سَيُجْزَوْنَ" فِي الْآخِرَة جَزَاء "مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ" وَهَذَا قَبْل الْأَمْر بِالْقِتَالِ




181
وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ

"وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّة يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ" هُمْ أُمَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا فِي حَدِيثٍ .




182
وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ

"وَاَلَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا" الْقُرْآن مِنْ أَهْل مَكَّة "سَنَسْتَدْرِجُهُمْ" نَأْخُذهُمْ قَلِيلًا قَلِيلًا




183
وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ

"وَأُمْلِي لَهُمْ" أَمْهِلْهُمْ "إنَّ كَيْدِي مَتِين" شَدِيد لَا يُطَاق




184
أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ

"أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا" فَيَعْلَمُوا "مَا بِصَاحِبِهِمْ" مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "مِنْ جِنَّة" جُنُون "إنْ" مَا "هُوَ إلَّا نَذِير مُبِين" بَيِّن الْإِنْذَار





185
أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ

"أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوت" مُلْك "السَّمَوَات وَالْأَرْض وَ" فِي "مَا خَلَقَ اللَّه مِنْ شَيْء" بَيَان لِمَا فَيَسْتَدِلُّوا بِهِ عَلَى قُدْرَة صَانِعه وَوَحْدَانِيّته "و" فِي "أَنْ" أَيْ أَنَّهُ "عَسَى أَنْ يَكُون قَدْ اقْتَرَبَ" قَرُبَ "أَجَلهمْ" فَيَمُوتُوا كُفَّارًا فَيَصِيرُوا إلَى النَّار فَيُبَادِرُوا إلَى الْإِيمَان "فَبِأَيِّ حَدِيث بَعْده" أَيْ الْقُرْآن




186
مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ

"مَنْ يَضْلِلْ اللَّه فَلَا هَادِي لَهُ وَيَذَرهُمْ" بِالْيَاءِ وَالنُّون مَعَ الرَّفْع اسْتِئْنَافًا وَالْجَزْم عَطْفًا عَلَى مَحَلّ مَا بَعْد الْفَاء "فِي طُغْيَانهمْ يَعْمَهُونَ" يَتَرَدَّدُونَ تَحَيُّرًا



187
يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ

"يَسْأَلُونَك" أَيْ أَهْل مَكَّة "عَنْ السَّاعَة" الْقِيَامَة "أَيَّانَ" مَتَى "مُرْسَاهَا قُلْ" لَهُمْ "إنَّمَا عِلْمهَا" مَتَى تَكُون "عِنْد رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا" يُظْهِرهَا "لِوَقْتِهَا" اللَّام بِمَعْنَى فِي "إلَّا هُوَ ثَقُلَتْ" عَظُمَتْ "فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض" عَلَى أَهْلهَا لِهَوْلِهَا "لَا تَأْتِيكُمْ إلَّا بَغْتَة" فَجْأَة "يَسْأَلُونَك كَأَنَّك حَفِيّ" مُبَالِغ فِي السُّؤَال "عَنْهَا" حَتَّى عَلِمْتَهَا "قُلْ إنَّمَا عِلْمهَا عِنْد اللَّه" تَأْكِيد "وَلَكِنَّ أَكْثَر النَّاس لَا يَعْلَمُونَ" أَنَّ عِلْمهَا عِنْده تَعَالَى




188
قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ

"قُلْ لَا أَمْلِك لِنَفْسِي نَفْعًا" أَجْلُبهُ "وَلَا ضَرًّا" أَدُفَعه "إلَّا مَا شَاءَ اللَّه وَلَوْ كُنْت أَعْلَم الْغَيْب" مَا غَابَ عَنِّي "لَاسْتَكْثَرْت مِنْ الْخَيْر وَمَا مَسَّنِيَ السُّوء" مِنْ فَقْر وَغَيْره لِاحْتِرَازِي عَنْهُ بِاجْتِنَابِ الْمَضَارّ "إنْ" مَا "أَنَا إلَّا نَذِير" بِالنَّارِ لِلْكَافِرِينَ "وَبَشِير" بِالْجَنَّةِ




189
هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ

"هُوَ" أَيْ اللَّه "الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْس وَاحِدَة" أَيْ آدَم "وَجَعَلَ" خَلَقَ "مِنْهَا زَوْجهَا" حَوَّاء "لِيَسْكُن إلَيْهَا" وَيَأْلَفهَا "فَلَمَّا تَغَشَّاهَا" جَامَعَهَا "حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا" هُوَ النُّطْفَة "فَمَرَّتْ بِهِ" ذَهَبَتْ وَجَاءَتْ لِخَفَّتِهِ "فَلَمَّا أَثْقَلَتْ" بِكِبَرِ الْوَلَد فِي بَطْنهَا وَأَشْفَقَا أَنْ يَكُون بَهِيمَة "دَعَوْا اللَّه رَبّهمَا لَئِنْ آتَيْتنَا" وَلَدًا "صَالِحًا" سَوِيًّا "لَنَكُونَنَّ مِنْ الشَّاكِرِينَ" لَك عَلَيْهِ




190
فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ

"فَلَمَّا آتَاهُمَا" وَلَدًا "صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاء" وَفِي قِرَاءَة بِكَسْرِ الشِّين وَالتَّنْوِين أَيْ شَرِيكًا "فِيمَا آتَاهُمَا" بِتَسْمِيَتِهِ عَبْد الْحَارِث وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُون عَبْدًا إلَّا لِلَّهِ وَلَيْسَ بِإِشْرَاكٍ فِي الْعُبُودِيَّة لِعِصْمَةِ آدَم وَرَوَى سَمُرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (لَمَّا وَلَدَتْ حَوَّاء طَافَ بِهَا إبْلِيس وَكَانَ لَا يَعِيش لَهَا وَلَد فَقَالَ : سَمِّيهِ عَبْد الْحَارِث فَإِنَّهُ يَعِيش فَسَمَّتْهُ فَعَاشَ فَكَانَ ذَلِكَ مِنْ وَحْي الشَّيْطَان وَأَمْره) رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَسَن غَرِيب "فَتَعَالَى اللَّه عَمَّا يُشْرِكُونَ" أَيْ أَهْل مَكَّة بِهِ مِنْ الْأَصْنَام وَالْجُمْلَة مُسَبِّبَة عَطْف عَلَى خَلَقَكُمْ وَمَا بَيْنهمَا اعْتِرَاض





191
أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ

"أَيُشْرِكُونَ" بِهِ فِي الْعِبَادَة





192
وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ

"وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ" أَيْ لِعَابِدِيهِمْ "نَصْرًا وَلَا أَنْفُسهمْ يَنْصُرُونَ" بِمَنْعِهَا مِمَّنْ أَرَادَ بِهِمْ سُوءًا مِنْ كَسْر أَوْ غَيْره وَالِاسْتِفْهَام لِلتَّوْبِيخِ






[center]193
وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ

"وَإِنْ تَدْعُوهُمْ" أَيْ الْأَصْنَام "إلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ" بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيد "سَوَاء عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ" إلَيْهِ "أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ" عَنْ دُعَائِهِمْ لَا يَتَّبِعُوهُ لِعَدَمِ سَمَاعهمْ"




194
إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ

"إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ" تَعْبُدُونَ "مِنْ دُون اللَّه عِبَاد" مَمْلُوكَة "أَمْثَالكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ" دُعَاءَكُمْ "إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ" فِي أَنَّهَا آلِهَة ثُمَّ بَيَّنَ غَايَة عَجْزهمْ وَفَضْل عَابِدِيهِمْ عَلَيْهِمْ




195
أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ



"أَلَهُمْ أَرَجُل يَمْشُونَ بِهَا أَمْ" "أَيْدٍ" جَمْع يَد اسْتِفْهَام إنْكَارِيّ أَيْ لَيْسَ لَهُمْ شَيْء مِنْ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ لَكُمْ فَكَيْفَ تَعْبُدُونَهُمْ وَأَنْتُمْ أَتَمّ حَالًا مِنْهُمْ "قُلْ" لَهُمْ يَا مُحَمَّد "اُدْعُوا شُرَكَاءَكُمْ" إلَى هَلَاكِي "ثُمَّ كِيدُونِي فَلَا تُنْظِرُونِي" تُمْهِلُونَ فَإِنِّي لَا أُبَالِي بِكُمْ






196
إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ

"إنَّ وَلِيّ اللَّه" مُتَوَلِّي أُمُورِي "الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَاب" الْقُرْآن "وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ" بِحِفْظِهِ




197
وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ

"وَاَلَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونه لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْركُمْ وَلَا أَنْفُسهمْ يَنْصُرُونَ" فَكَيْفَ أُبَالِي بِهِمْ





198
وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ

"وَإِنْ تَدْعُوهُمْ" أَيْ الْأَصْنَام "إلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ" أَيْ الْأَصْنَام يَا مُحَمَّد "يَنْظُرُونَ إلَيْك" أَيْ يُقَابِلُونَك كَالنَّاظِرِ





199
خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ

"خُذْ الْعَفْو" الْيُسْر مِنْ أَخْلَاق النَّاس وَلَا تَبْحَث عَنْهَا "وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ" بِالْمَعْرُوفِ "وَأَعْرِض عَنْ الْجَاهِلِينَ" فَلَا تَقَابُلهمْ بِسَفَهِهِمْ





200
وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ

"وَإِمَّا" فِيهِ إدْغَام نُون إنْ الشَّرْطِيَّة فِي مَا الْمَزِيدَة "يَنْزِغَنك مِنْ الشَّيْطَان نَزْغ" أَيْ إنْ يَصْرِفك عَمَّا أَمَرْت بِهِ صَارِف "فَاسْتَعِذْ بِاَللَّهِ" جَوَاب الشَّرْط وَجَوَاب الْأَمْر مَحْذُوف أَيْ يَدْفَعهُ عَنْك "إنَّهُ سَمِيع" لِلْقَوْلِ "عَلِيم" بِالْفِعْلِ





201
إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ

"إنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إذَا مَسَّهُمْ" أَصَابَهُمْ "طَيْف" وَفِي قِرَاءَة طَائِف أَيْ شَيْء أَلَمَّ بِهِمْ "مِنْ الشَّيْطَان تَذَكَّرُوا" عِقَاب اللَّه وَثَوَابه "فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ" الْحَقّ مِنْ غَيْره فَيَرْجِعُونَ





202
وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ

"وَإِخْوَانهمْ" أَيْ إخْوَان الشَّيَاطِين مِنْ الْكُفَّار "يُمِدُّونَهُمْ" أَيْ الشَّيَاطِين "فِي الْغَيّ ثُمَّ" هُمْ "لَا يُقْصِرُونَ" يَكُفُّونَ عَنْهُ بِالتَّبَصُّرِ كَمَا تَبَصَّرَ الْمُتَّقُونَ





203
وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ

"وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ" أَيْ أَهْل مَكَّة "بِآيَةٍ" مِمَّا اقْتَرَحُوا "قَالُوا لَوْلَا" . هَلَّا "اجْتَبَيْتهَا" أَنْشَأْتهَا مِنْ قِبَل نَفْسك "قُلْ" لَهُمْ "إنَّمَا أَتَّبِع مَا يُوحَى إلَيَّ مِنْ رَبِّي" وَلَيْسَ لِي أَنْ آتِي مِنْ عِنْد نَفْسِي بِشَيْءٍ "هَذَا" الْقُرْآن "بَصَائِر" حُجَج





204
وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ

"وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآن فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا" عَنْ الْكَلَام "لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ" نَزَلَتْ فِي تَرْك الْكَلَام فِي الْخُطْبَة وَعَبَّرَ عَنْهَا بِالْقُرْآنِ لِاشْتِمَالِهَا عَلَيْهِ وَقِيلَ فِي قِرَاءَة الْقُرْآن مُطْلَقًا




205
وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ

"وَاذْكُرْ رَبّك فِي نَفْسك" أَيْ سِرًّا "تَضَرُّعًا" تَذَلُّلًا "وَخِيفَة" خَوْفًا مِنْهُ "و" فَوْق السِّرّ "دُون الْجَهْر مِنْ الْقَوْل" أَيْ قَصْدًا بَيْنهمَا "بِالْغُدُوِّ وَالْآصَال" أَوَائِل النَّهَار وَأَوَاخِره "وَلَا تَكُنْ مِنْ الْغَافِلِينَ" عَنْ ذِكْر اللَّه



206
إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ

"إنَّ الَّذِينَ عِنْد رَبّك" أَيْ الْمَلَائِكَة "لَا يَسْتَكْبِرُونَ" يَتَكَبَّرُونَ "عَنْ عِبَادَته وَيُسَبِّحُونَهُ" يُنَزِّهُونَهُ عَمَّا لَا يَلِيق بِهِ "وَلَهُ يَسْجُدُونَ" أَيْ يَخُصُّونَهُ بِالْخُضُوعِ وَالْعِبَادَة فَكُونُوا مِثْلهُمْ .




(( تم بحمدالله ختم تفسير سورة الاعـــراف ))


توقيع HecT000R :





انا مشــً فارســ ولا فتٌى احلامــ ،، انا زحمةِ و ربكٌة و شغلــ جنانًــ
نصى بيضحكَــ و التانى زعلانًــ ،، انا شيخً_فلتانُــ
طيبــ شرير و جرئ و جبانًـ ،، اوقاتــ مشرقٌــ ،، و اوقاتــ بهتانـ
و ساعاتــ سلمُــ ،، و ساعاتــ تعبانًــ ،، مفترى جداً ،، و كمانًــ غلبانــ


رد مع اقتباس
قديم 05-05-2010, 02:54 PM   #4

HecT000R
كبار الشخصيات



الصورة الرمزية HecT000R


• الانـتـسـاب » Mar 2009
• رقـم العـضـويـة » 59040
• المشـــاركـات » 7,893
• الـدولـة » مطروح / اسكندرية الصحراوى
• الـهـوايـة »
• اسـم الـسـيـرفـر » No Server
• الـجـنـس » Male
• نقـاط التقييم » 58
HecT000R جـيـد

HecT000R غير متواجد حالياً



افتراضي



تفسير سورت الانفال

1
يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ

سُورَة الْأَنْفَال [ مَدَنِيَّة إلَّا مِنْ آيَة 30 إلَى غَايَة 36 فَمَكِّيَّة وَآيَاتهَا 75 أَوْ 77 نَزَلَتْ بَعْد الْبَقَرَة ]
لَمَّا اخْتَلَفَ الْمُسْلِمُونَ فِي غَنَائِم بَدْر فَقَالَ الشُّبَّان : هِيَ لَنَا لِأَنَّنَا بَاشَرْنَا الْقِتَال وَقَالَ الشُّيُوخ : كُنَّا رِدْءًا لَكُمْ تَحْت الرَّايَات وَلَوْ انْكَشَفْتُمْ لَفِئْتُمْ إلَيْنَا فَلَا تَسْتَأْثِرُوا بِهَا فَنَزَلَ :
"يَسْأَلُونَك" يَا مُحَمَّد "عَنْ الْأَنْفَال" الْغَنَائِم لِمَنْ هِيَ "قُلْ" قُلْ لَهُمْ "الْأَنْفَال لِلَّهِ" يَجْعَلهَا حَيْثُ شَاءَ "وَالرَّسُول" يَقْسِمهَا بِأَمْرِ اللَّه فَقَسَمَهَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنهمْ عَلَى السَّوَاء رَوَاهُ الْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرَك "فَاتَّقُوا اللَّه وَأَصْلِحُوا ذَات بَيْنكُمْ" أَيْ حَقِيقَة مَا بَيْنكُمْ بِالْمَوَدَّةِ وَتَرْك النِّزَاع "وَأَطِيعُوا اللَّه وَرَسُوله إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ" حَقًّا


2
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ

"إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ" الْكَامِلُونَ الْإِيمَان "الَّذِينَ إذَا ذُكِرَ اللَّه" أَيْ وَعِيده "وَجِلَتْ" خَافَتْ "قُلُوبهمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاته زَادَتْهُمْ إيمَانًا" تَصْدِيقًا "وَعَلَى رَبّهمْ يَتَوَكَّلُونَ" بِهِ يَثِقُونَ لَا بِغَيْرِهِ



3
الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ

"الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاة" يَأْتُونَ بِهَا بِحُقُوقِهَا "وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ"
أَعْطَيْنَاهُمْ "يُنْفِقُونَ" فِي طَاعَة اللَّه




4
أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ

"أُولَئِكَ" الْمَوْصُوفُونَ بِمَا ذَكَرَ "هُمْ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا" صِدْقًا بِلَا شَكّ "لَهُمْ دَرَجَات" مَنَازِل فِي الْجَنَّة "عِنْد رَبّهمْ وَمَغْفِرَة وَرِزْق كَرِيم" فِي الْجَنَّة



5
كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ

"كَمَا أَخْرَجَك رَبّك مِنْ بَيْتك بِالْحَقِّ" مُتَعَلِّق بِأَخْرَجَ "وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ" الْخُرُوج وَالْجُمْلَة حَال مِنْ كَاف أَخْرَجَك وَكَمَا خَبَر مُبْتَدَأ مَحْذُوف أَيْ هَذِهِ الْحَال فِي كَرَاهَتهمْ لَهَا مِثْل إخْرَاجك فِي حَال كَرَاهَتهمْ وَقَدْ كَانَ خَيْرًا لَهُمْ فَكَذَلِكَ أَيْضًا وَذَلِكَ أَنَّ أَبَا سُفْيَان قَدِمَ بِعِيرٍ مِنْ الشَّام فَخَرَجَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه لِيَغْنَمُوهَا فَعَلِمَتْ قُرَيْش فَخَرَجَ أَبُو جَهْل وَمُقَاتِلُو مَكَّة لِيَذُبُّوا عَنْهَا وَهُمْ النَّفِير وَأَخَذَ أَبُو سُفْيَان بِالْعِيرِ طَرِيق السَّاحِل فَنَجَتْ فَقِيلَ لِأَبِي جَهْل ارْجِعْ فَأَبَى وَسَارَ إلَى بَدْر فَشَاوَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْحَابه وَقَالَ إنَّ اللَّه وَعَدَنِي إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ فَوَافَقُوهُ عَلَى قِتَال النَّفِير وَكَرِهَ بَعْضهمْ ذَلِكَ وَقَالُوا لَمْ نَسْتَعِدّ لَهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى :




6
يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ

"يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ" القتال "بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ" ظهر لهم "كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ" إليه عيانا في كراهتم له




7
وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ

"و" اُذْكُرْ "إذْ يَعِدكُمْ اللَّه إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ" الْعِير أَوْ النَّفِير "أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ" تُرِيدُونَ "أَنَّ غَيْر ذَات الشَّوْكَة" أَيْ الْبَأْس وَالسِّلَاح وَهِيَ الْعِير "تَكُون لَكُمْ" لِقِلَّةِ عَدَدهَا وَمَدَدهَا بِخِلَافِ النَّفِير "وَيُرِيد اللَّه أَنْ يُحِقّ الْحَقّ" يُظْهِرهُ "بِكَلِمَاتِهِ" السَّابِقَة بِظُهُورِ الْإِسْلَام "وَيَقْطَع دَابِر الْكَافِرِينَ" آخِرهمْ بِالِاسْتِئْصَالِ فَأَمَرَكُمْ بِقِتَالِ النَّفِير




8
لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ

"لِيُحِقّ الْحَقّ وَيُبْطِل" يَمْحَق "الْبَاطِل" الْكُفْر "وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ" الْمُشْرِكُونَ ذَلِكَ



9
إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ

اُذْكُرْ "إذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبّكُمْ" تَطْلُبُونَ مِنْهُ الْغَوْث بِالنَّصْرِ عَلَيْهِمْ "فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي" أَيْ بِأَنِّي "مُمِدّكُمْ" مُعِينكُمْ "بِأَلْفٍ مِنْ الْمَلَائِكَة مُرْدِفِينَ" مُتَتَابِعِينَ يُرْدِف بَعْضهمْ بَعْضًا وَعَدَهُمْ بِهَا أَوَّلًا ثُمَّ صَارَتْ ثَلَاثَة آلَاف ثُمَّ خَمْسَة كَمَا فِي آل عِمْرَان وَقُرِئَ بِآلُف كَأَفْلُس جَمْع



10
وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ

"وَمَا جَعَلَهُ اللَّه" أَيْ الْإِمْدَاد


11
إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ

"إذْ يُغَشِّيكُمْ النُّعَاس أَمَنَة" أَمْنًا مِمَّا حَصَلَ لَكُمْ مِنْ الْخَوْف "مِنْهُ" تَعَالَى "وَيُنَزِّل عَلَيْكُمْ مِنْ السَّمَاء مَاء لِيُطَهِّركُمْ بِهِ" مِنْ الْأَحْدَاث وَالْجَنَابَات "وَيُذْهِب عَنْكُمْ رِجْز الشَّيْطَان" وَسْوَسَته إلَيْكُمْ بِأَنَّكُمْ لَوْ كُنْتُمْ عَلَى الْحَقّ مَا كُنْتُمْ ظَمْأَى مُحَدِّثِينَ وَالْمُشْرِكُونَ عَلَى الْمَاء "وَلِيَرْبِط" يَحْبِس "عَلَى قُلُوبكُمْ" بِالْيَقِينِ وَالصَّبْر "وَيُثَبِّت بِهِ الْأَقْدَام" أَنْ تَسُوخ فِي الرَّمْل





12
إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ

"إذْ يُوحِي رَبّك إلَى الْمَلَائِكَة" الَّذِينَ أَمَدَّ بِهِمْ الْمُسْلِمِينَ "أَنِّي" أَيْ بِأَنِّي "مَعَكُمْ" بِالْعَوْنِ وَالنَّصْر "فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا" بِالْإِعَانَةِ وَالتَّبْشِير "سَأُلْقِي فِي قُلُوب الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْب" الْخَوْف "فَاضْرِبُوا فَوْق الْأَعْنَاق" أَيْ الرُّءُوس "وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلّ بَنَان" أَيْ أَطْرَاف الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ فَكَانَ الرَّجُل يَقْصِد ضَرْب رَقَبَة الْكَافِر فَتَسْقُط قَبْل أَنْ يَصِل إلَيْهِ سَيْفه وَرَمَاهُمْ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَبْضَةٍ مِنْ الْحَصَى فَلَمْ يَبْقَ مُشْرِك إلَّا دَخَلَ فِي عَيْنَيْهِ مِنْهَا شَيْء فَهُزِمُوا




13
ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ

"ذَلِكَ" الْعَذَاب الْوَاقِع بِهِمْ "بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا" خَالَفُوا "اللَّه وَرَسُوله وَمَنْ يُشَاقِقْ اللَّه وَرَسُوله فَإِنَّ اللَّه شَدِيد الْعِقَاب" لَهُ



14
ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ

"ذَلِكُمْ" الْعَذَاب "فَذُوقُوهُ" أَيّهَا الْكُفَّار فِي الدُّنْيَا "وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ" فِي الْآخِرَة




15
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ

"يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا لَقِيتُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا" أَيْ مُجْتَمِعِينَ كَأَنَّهُمْ لِكَثْرَتِهِمْ يَزْحَفُونَ "فَلَا تُوَلُّوهُمْ الْأَدْبَار" مُنْهَزِمِينَ




16
وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ

"وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمئِذٍ" أَيْ يَوْم لِقَائِهِمْ "دُبُره إلَّا مُتَحَرِّفًا" مُنْعَطِفًا "لِقِتَالٍ" بِأَنْ يُرِيهِمْ الْفَرَّة مَكِيدَة وَهُوَ يُرِيد الْكَرَّة "أَوْ مُتَحَيِّزًا" مُنْضَمًّا "إلَى فِئَة" جَمَاعَة مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَسْتَنْجِد بِهَا "فَقَدْ بَاءَ" رَجَعَ "بِغَضَبٍ مِنْ اللَّه وَمَأْوَاهُ جَهَنَّم وَبِئْسَ الْمَصِير" الْمَرْجِع هِيَ وَهَذَا مَخْصُوص بِمَا إذَا لَمْ يَزِدْ الْكُفَّار عَلَى الضَّعْف





17
فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ

"فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ" بِبَدْرٍ بِقُوَّتِكُمْ "وَلَكِنَّ اللَّه قَتَلَهُمْ" بِنَصْرِهِ إيَّاكُمْ "وَمَا رَمَيْت" يَا مُحَمَّد أَعْيُن الْقَوْم "إذْ رَمَيْت" بِالْحَصَى لِأَنَّ كَفًّا مِنْ الْحَصَى لَا يَمْلَأ عُيُون الْجَيْش الْكَثِير بِرَمْيَةِ بَشَر "وَلَكِنَّ اللَّه رَمَى" بِإِيصَالِ ذَلِكَ إلَيْهِمْ فَعَلَ لِيُقْهِر الْكَافِرِينَ "وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاء" عَطَاء "حَسَنًا" هُوَ الْغَنِيمَة "إنَّ اللَّه سَمِيع" لِأَقْوَالِهِمْ "عَلِيم" بِأَحْوَالِهِمْ
[center]


18
ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ

"ذَلِكُمْ" الْإِبْلَاء حَقّ "وَأَنَّ اللَّه مُوهِن" مُضْعِف




19
إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ

"إنْ تَسْتَفْتِحُوا" أَيّهَا الْكُفَّار إنْ تَطْلُبُوا الْفَتْح أَيْ الْقَضَاء حَيْثُ قَالَ أَبُو جَهْل مِنْكُمْ : اللَّهُمَّ أَيّنَا كَانَ أَقْطَع لِلرَّحْمَنِ وَأَتَانَا بِمَا لَا نَعْرِف فَأَحِنْهُ الْغَدَاة أَيْ أَهْلِكْهُ "فَقَدْ جَاءَكُمْ الْفَتْح" الْقَضَاء بِهَلَاكِ مَنْ هُوَ كَذَلِكَ وَهُوَ أَبُو جَهْل وَمَنْ قُتِلَ مَعَهُ دُون النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُؤْمِنِينَ "وَإِنْ تَنْتَهُوا" عَنْ الْكُفْر وَالْحَرْب "فَهُوَ خَيْر لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا" لِقِتَالِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "نَعُدْ" لِنَصْرِهِ عَلَيْكُمْ "وَلَنْ تُغْنِي" تَدْفَع "عَنْكُمْ فِئَتكُمْ" جَمَاعَاتكُمْ "شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّه مَعَ الْمُؤْمِنِينَ" بِكَسْرِ إنْ اسْتِئْنَافًا وَفَتْحهَا عَلَى تَقْدِير اللَّام




20
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ

"يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّه وَرَسُوله وَلَا تَوَلَّوْا" تُعْرِضُوا "عَنْهُ" بِمُخَالَفَةِ أَمْره "وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ" الْقُرْآن وَالْمَوْعِظَة




21
وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ

"وَلَا تَكُونُوا كَاَلَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ" سَمَاع تَدَبُّر وَاتِّعَاظ وَهُمْ الْمُنَافِقُونَ أَوْ الْمُشْرِكُونَ




22
إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ

"إنَّ شَرّ الدَّوَابّ عِنْد اللَّه الصُّمّ" عَنْ سَمَاع الْحَقّ "الْبُكْم" عَنْ النُّطْق بِهِ "الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ" الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَهُ




23
وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ

"وَلَوْ عَلِمَ اللَّه فِيهِمْ خَيْرًا" صَلَاحًا بِسَمَاعِ الْحَقّ "لَأَسْمَعَهُمْ" سَمَاع تَفَهُّم "وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ" فَرْضًا وَقَدْ عَلِمَ أَنْ لَا خَيْر فِيهِمْ "لَتَوَلَّوْا" عَنْهُ "وَهُمْ مُعْرِضُونَ" عَنْ قَبُوله عِنَادًا وَجُحُودًا



24
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ

"يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ" بِالطَّاعَةِ "إذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ" مِنْ أَمْر الدِّين لِأَنَّهُ سَبَب الْحَيَاة الْأَبَدِيَّة "وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّه يَحُول بَيْن الْمَرْء وَقَلْبه" فَلَا يَسْتَطِيع أَنْ يُؤْمِن أَوْ يَكْفُر إلَّا بِإِرَادَتِهِ "وَأَنَّهُ إلَيْهِ تُحْشَرُونَ" فَيُجَازِيكُمْ بِأَعْمَالِكُمْ




25
وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ

"وَاتَّقُوا فِتْنَة" إنْ أَصَابَتْكُمْ "لَا تُصِيبَن الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّة" بَلْ تَعُمّهُمْ وَغَيْرهمْ وَاتِّقَاؤُهَا بِإِنْكَارِ مُوجِبهَا مِنْ الْمُنْكَر "وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّه شَدِيد الْعِقَاب" لِمَنْ خَالَفَهُ




26
وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ

"وَاذْكُرُوا إذْ أَنْتُمْ قَلِيل مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْض" أَرْض مَكَّة "تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفكُمْ النَّاس" يَأْخُذكُمْ الْكُفَّار بِسُرْعَةٍ "فَآوَاكُمْ" إلَى الْمَدِينَة "وَأَيَّدَكُمْ" قَوَّاكُمْ "بِنَصْرِهِ" يَوْم بَدْر بِالْمَلَائِكَةِ "وَرَزَقَكُمْ مِنْ الطَّيِّبَات" الْغَنَائِم "لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ" نِعَمه




27
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ

وَنَزَلَ فِي أَبِي لُبَابَة مَرْوَان بْن عَبْد الْمُنْذِر وَقَدْ بَعَثَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى بَنِي قُرَيْظَة لِيَنْزِلُوا عَلَى حُكْمه فَاسْتَشَارُوهُ فَأَشَارَ إلَيْهِمْ أَنَّهُ الذَّبْح لِأَنَّ عِيَاله وَمَاله فِيهِمْ "يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّه وَالرَّسُول وَ" لَا "تَخُونُوا أَمَانَاتكُمْ" مَا ائْتُمِنْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ الدِّين وَغَيْره




28
وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ

"وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالكُمْ وَأَوْلَادكُمْ فِتْنَة" لَكُمْ صَادَّة عَنْ أُمُور الْآخِرَة "وَأَنَّ اللَّه عِنْده أَجْر عَظِيم" فَلَا تَفُوتُوا . بِمُرَاعَاةِ الْأَمْوَال وَالْأَوْلَاد وَالْخِيَانَة لِأَجْلِهِمْ وَنَزَلَ فِي تَوْبَته :





29
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ

"يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تَتَّقُوا اللَّه" بِالْإِنَابَةِ وَغَيْرهَا "يَجْعَل لَكُمْ فُرْقَانًا" بَيْنكُمْ وَبَيْن مَا تَخَافُونَ فَتَنْجُونَ "وَيُكَفِّر عَنْكُمْ سَيِّئَاتكُمْ وَيَغْفِر لَكُمْ" ذُنُوبكُمْ




30
وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ

"و" اُذْكُرْ يَا مُحَمَّد "إذْ يَمْكُر بِك الَّذِينَ كَفَرُوا" وَقَدْ اجْتَمَعُوا لِلْمُشَاوَرَةِ فِي شَأْنك بِدَارِ النَّدْوَة "لِيُثْبِتُوك" يُوثِقُوك وَيَحْبِسُوك "أَوْ يَقْتُلُوك" كُلّهمْ قِتْلَة رَجُل وَاحِد "أَوْ يُخْرِجُوك" مِنْ مَكَّة "وَيَمْكُرُونَ" بِك "وَيَمْكُر اللَّه" بِهِمْ بِتَدْبِيرِ أَمْرك بِأَنْ أَوْحَى إلَيْك مَا دَبَّرُوهُ وَأَمَرَك بِالْخُرُوجِ "وَاَللَّه خَيْر الْمَاكِرِينَ" أَعْلَمهمْ بِهِ




31
وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ

"وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتنَا" الْقُرْآن "قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْل هَذَا" قَالَهُ النَّضْر بْن الْحَارِث لِأَنَّهُ كَانَ يَأْتِي الْحِيرَة يَتَّجِر فَيَشْتَرِي كُتُب أَخْبَار الْأَعَاجِم وَيُحَدِّث بِهَا أَهْل مَكَّة "إنْ" مَا "هَذَا" الْقُرْآن "إلَّا أَسَاطِير" أَكَاذِيب



32
وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ

"وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إنْ كَانَ هَذَا" الَّذِي يَقْرَؤُهُ مُحَمَّد "هُوَ الْحَقّ" الْمُنَزَّل "مِنْ عِنْدك فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَة مِنْ السَّمَاء أَوْ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيم" مُؤْلِم عَلَى إنْكَاره قَالَهُ النَّضْر وَغَيْره اسْتِهْزَاء وَإِيهَامًا أَنَّهُ عَلَى بَصِيرَة وَجَزْم بِبُطْلَانِهِ





33
وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ

"وَمَا كَانَ اللَّه لِيُعَذِّبهُمْ" بِمَا سَأَلُوهُ "وَأَنْتَ فِيهِمْ" لِأَنَّ الْعَذَاب إذَا نَزَلَ عَمَّ وَلَمْ تُعَذَّب أُمَّة إلَّا بَعْد خُرُوج نَبِيّهَا وَالْمُؤْمِنِينَ مِنْهَا "وَمَا كَانَ اللَّه مُعَذِّبهمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ" حَيْثُ يَقُولُونَ فِي طَوَافهمْ : غُفْرَانك غُفْرَانك وَقِيلَ هُمْ الْمُؤْمِنُونَ الْمُسْتَضْعَفُونَ فِيهِمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى : "لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا"



34
وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ

"وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبهُمْ اللَّه" بِالسَّيْفِ بَعْد خُرُوجك وَالْمُسْتَضْعَفِينَ وَعَلَى الْقَوْل الْأَوَّل هِيَ نَاسِخَة لِمَا قَبْلهَا وَقَدْ عَذَّبَهُمْ اللَّه بِبَدْرٍ وَغَيْره "وَهُمْ يَصُدُّونَ" يَمْنَعُونَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُسْلِمِينَ "عَنْ الْمَسْجِد الْحَرَام" أَنْ يَطُوفُوا بِهِ "وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ" كَمَا زَعَمُوا "إنْ" مَا "أَوْلِيَاؤُهُ إلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرهمْ لَا يَعْلَمُونَ" أَنْ لَا وِلَايَة لَهُمْ عَلَيْهِ




35
وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ

"وَمَا كَانَ صَلَاتهمْ عِنْد الْبَيْت إلَّا مُكَاء" صَفِيرًا "وَتَصْدِيَة" تَصْفِيقًا أَيْ جَعَلُوا ذَلِكَ مَوْضِع صَلَاتهمْ الَّتِي أُمِرُوا بِهَا "فَذُوقُوا الْعَذَاب" بِبَدْرٍ




36
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ

"إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالهمْ" فِي حَرْب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيل اللَّه فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُون" فِي عَاقِبَة الْأَمْر "عَلَيْهِمْ حَسْرَة" نَدَامَة لِفَوَاتِهَا وَفَوَات مَا قَصَدُوهُ "ثُمَّ يُغْلَبُونَ" فِي الدُّنْيَا "وَاَلَّذِينَ كَفَرُوا" مِنْهُمْ "إلَى جَهَنَّم" فِي الْآخِرَة "يُحْشَرُونَ" يُسَاقُونَ




37
لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ

"لِيَمِيزَ" مُتَعَلِّق بِتَكُونُ بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيد أَيْ يَفْصِل "اللَّه الْخَبِيث" الْكَافِر "مِنْ الطَّيِّب" الْمُؤْمِن "وَيَجْعَل الْخَبِيث بَعْضه عَلَى بَعْض فَيَرْكُمهُ جَمِيعًا" يَجْمَعهُ مُتَرَاكِمًا بَعْضه عَلَى بَعْض




38
قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ

"قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا" كَأَبِي سُفْيَان وَأَصْحَابه "إنْ يَنْتَهُوا" عَنْ الْكُفْر وَقِتَال النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "يُغْفَر لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ" مِنْ أَعْمَالهمْ "وَإِنْ يَعُودُوا" إلَى قِتَاله "فَقَدْ مَضَتْ سُنَّة الْأَوَّلِينَ" أَيْ سُنَّتنَا فِيهِمْ بِالْإِهْلَاكِ فَكَذَا نَفْعَل بِهِمْ




39
وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ

"وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُون" تُوجَد "فِتْنَة" شِرْك "وَيَكُون الدِّين كُلّه لِلَّهِ" وَحْده وَلَا يُعْبَد غَيْره "فَإِنْ انْتَهَوْا" عَنْ الْكُفْر "فَإِنَّ اللَّه بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِير" فَيُجَازِيهِمْ بِهِ





40
وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ

"وَإِنْ تَوَلَّوْا" عَنْ الْإِيمَان "فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّه مَوْلَاكُمْ" نَاصِركُمْ وَمُتَوَلِّي أُمُوركُمْ "نِعْمَ الْمَوْلَى" هُوَ "وَنِعْمَ النَّصِير" أَيْ النَّاصِر لَكُمْ




41
وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ

"وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ" أَخَذْتُمْ مِنْ الْكُفَّار قَهْرًا "مِنْ شَيْء فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسه" يَأْمُر فِيهِ بِمَا يَشَاء "وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى" قَرَابَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ بَنِي هَاشِم وَبَنِي الْمُطَّلِب "وَالْيَتَامَى" أَطْفَال الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ هَلَكَ آبَاؤُهُمْ وَهُمْ فُقَرَاء "وَالْمَسَاكِين" ذَوِي الْحَاجَة مِنْ الْمُسْلِمِينَ "وَابْن السَّبِيل" الْمُنْقَطِع فِي سَفَره مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَيْ يَسْتَحِقّهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْأَصْنَاف الْأَرْبَعَة عَلَى مَا كَانَ يَقْسِمهُ مِنْ أَنَّ لِكُلٍّ خُمُس الْخُمُس وَالْأَخْمَاس الْأَرْبَعَة الْبَاقِيَة لِلْغَانِمِينَ "إنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاَللَّهِ" فَاعْلَمُوا ذَلِكَ "وَمَا" عَطْف عَلَى بِاَللَّهِ "أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدنَا" مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْمَلَائِكَة وَالْآيَات "يَوْم الْفُرْقَان" أَيْ يَوْم بَدْر الْفَارِق بَيْن الْحَقّ وَالْبَاطِل "يَوْم الْتَقَى الْجَمْعَانِ" الْمُسْلِمُونَ وَالْكُفَّار "وَاَللَّه عَلَى كُلّ شَيْء قَدِير" وَمِنْهُ نَصَرَكُمْ مَعَ قِلَّتكُمْ وَكَثْرَتهمْ




42
إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ

"إذْ" بَدَل مِنْ يَوْم "أَنْتُمْ" كَائِنُونَ "بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا" الْقُرْبَى مِنْ الْمَدِينَة وَهِيَ بِضَمِّ الْعَيْن وَكَسْرهَا جَانِب الْوَادِي "وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى" الْبُعْدَى مِنْهَا "وَالرَّكْب" الْعِير كَائِنُونَ بِمَكَانٍ "أَسْفَل مِنْكُمْ" مِمَّا يَلِي الْبَحْر "وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ" أَنْتُمْ وَالنَّفِير لِلْقِتَالِ "لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَاد وَلَكِنْ" وَلَكِنْ جَمَعَكُمْ بِغَيْرِ مِيعَاد "لِيَقْضِيَ اللَّه أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا" فِي عِلْمه وَهُوَ نَصْر الْإِسْلَام وَمَحْق الْكُفْر "لِيَهْلِك" يَكْفُر "مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَة" أَيْ بَعْد حُجَّة ظَاهِرَة قَامَتْ عَلَيْهِ وَهِيَ نَصْر الْمُؤْمِنِينَ مَعَ قِلَّتهمْ عَلَى الْجَيْش الْكَثِير "وَيَحْيَا" يُؤْمِن




43
إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ

"إذْ يُرِيكَهُمْ اللَّه فِي مَنَامك" أَيْ نَوْمك "قَلِيلًا" فَأَخْبَرْت بِهِ أَصْحَابك فَسُرُّوا "وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ" لَجَبُنْتُمْ "وَلَتَنَازَعْتُمْ" وَاخْتَلَفْتُمْ "فِي الْأَمْر" أَمْر الْقِتَال "وَلَكِنَّ اللَّه سَلَّمَ" وَلَكِنَّ اللَّه سَلَّمَكُمْ "إنَّهُ عَلِيم بِذَاتِ الصُّدُور" بِمَا فِي الْقُلُوب





44
وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ

"وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ" أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ "إذْ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنكُمْ قَلِيلًا" نَحْو سَبْعِينَ أَوْ مِائَة وَهُمْ أَلْف لِتَقْدَمُوا عَلَيْهِمْ "وَيُقَلِّلكُمْ فِي أَعْيُنهمْ" لِيَقْدَمُوا وَلَا يَرْجِعُوا عَنْ قِتَالكُمْ وَهَذَا قَبْل الْتِحَام الْحَرْب فَلَمَّا الْتَحَمَ أَرَاهُمْ إيَّاهُمْ مِثْلَيْهِمْ كَمَا فِي آل عِمْرَان "لِيَقْضِيَ اللَّه أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّه تُرْجَع" تَصِير




45
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ

"يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا لَقِيتُمْ فِئَة" جَمَاعَة كَافِرَة "فَاثْبُتُوا" لِقِتَالِهِمْ وَلَا تَنْهَزِمُوا "وَاذْكُرُوا اللَّه كَثِيرًا" اُدْعُوهُ بِالنَّصْرِ "لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ" تَفُوزُونَ





46
وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ

"وَأَطِيعُوا اللَّه وَرَسُوله وَلَا تَنَازَعُوا" تَخْتَلِفُوا فِيمَا بَيْنكُمْ "فَتَفْشَلُوا" تَجْبُنُوا "وَتَذْهَب رِيحكُمْ" قُوَّتكُمْ وَدَوْلَتكُمْ "وَاصْبِرُوا إنَّ اللَّه مَعَ الصَّابِرِينَ" بِالنَّصْرِ وَالْعَوْن





47
وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ

"وَلَا تَكُونُوا كَاَلَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارهمْ" لِيَمْنَعُوا غَيْرهمْ وَلَمْ يَرْجِعُوا بَعْد نَجَاتهَا "بَطَرًا وَرِئَاء النَّاس" حَيْثُ قَالُوا لَا نَرْجِع حَتَّى نَشْرَب الْخَمْر وَنَنْحَر الْجَزُور وَتَضْرِب عَلَيْنَا الْقِيَان بِبَدْرٍ فَيَتَسَامَع بِذَلِكَ النَّاس "وَيَصُدُّونَ" النَّاس "عَنْ سَبِيل اللَّه وَاللَّه بِمَا يَعْمَلُونَ" بِالْيَاءِ وَالتَّاء "مُحِيط" عِلْمًا فَيُجَازِيهِمْ بِهِ




48
وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ

"و" اُذْكُرْ "إذْ زَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَان" إبْلِيس "أَعْمَالهمْ" بِأَنْ شَجَّعَهُمْ عَلَى لِقَاء الْمُسْلِمِينَ لَمَّا خَافُوا الْخُرُوج مِنْ أَعْدَائِهِمْ بَنِي بَكْر "وَقَالَ" لَهُمْ "لَا غَالِب لَكُمْ الْيَوْم مِنْ النَّاس وَإِنِّي جَار لَكُمْ" مِنْ كِنَانَة وَكَانَ أَتَاهُمْ فِي صُورَة سُرَاقَة بْن مَالِك سَيِّد تِلْكَ النَّاحِيَة "فَلَمَّا تَرَاءَتْ" الْتَقَتْ "الْفِئَتَانِ" الْمُسْلِمَة وَالْكَافِرَة وَرَأَى الْمَلَائِكَة يَده فِي يَد الْحَارِث بْن هِشَام "نَكَصَ" رَجَعَ "عَلَى عَقِبَيْهِ" هَارِبًا "وَقَالَ" لَمَّا قَالُوا لَهُ اتَّخِذْ لَنَا عَلَى هَذِهِ الْحَال "إنِّي بَرِيء مِنْكُمْ" مِنْ جِوَاركُمْ "إنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ" مِنْ الْمَلَائِكَة "إنِّي أَخَاف اللَّه" أَنْ يُهْلِكنِي





49
إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ

"إذْ يَقُول الْمُنَافِقُونَ وَاَلَّذِينَ فِي قُلُوبهمْ مَرَض" ضَعْف اعْتِقَاد "غَرَّ هَؤُلَاءِ" أَيْ الْمُسْلِمِينَ "دِينهمْ" إذْ خَرَجُوا مَعَ قِلَّتهمْ يُقَاتِلُونَ الْجَمْع الْكَثِير تَوَهُّمًا أَنَّهُمْ يُنْصَرُونَ بِسَبَبِهِ قَالَ تَعَالَى فِي جَوَابهمْ : "وَمَنْ يَتَوَكَّل عَلَى اللَّه" يَثِق بِهِ يَغْلِب "فَإِنَّ اللَّه عَزِيز" غَالِب عَلَى أَمْره "حَكِيم" فِي صُنْعه




50
وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ

"وَلَوْ تَرَى" يَا مُحَمَّد "إذْ يَتَوَفَّى" بِالْيَاءِ وَالتَّاء "الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَة يَضْرِبُونَ" حَال "وُجُوههمْ وَأَدْبَارهمْ" بِمَقَامِع مِنْ حَدِيد "وَ" يَقُولُونَ لَهُمْ "ذُوقُوا عَذَاب الْحَرِيق" أَيْ النَّار وَجَوَاب لَوْ : لَرَأَيْت أَمْرًا عَظِيمًا






51
ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ

"ذَلِكَ" التَّعْذِيب "بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ" عَبَّرَ بِهَا دُون غَيْرهَا لِأَنَّ أَكْثَر الْأَفْعَال تُزَاوَل بِهَا "وَأَنَّ اللَّه لَيْسَ بِظَلَّامٍ" أَيْ بِذِي ظُلْم "لِلْعَبِيدِ" فَيُعَذِّبهُمْ بِغَيْرِ ذَنْب




52
كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ

"كَدَأْبِ" كَعَادَةِ "آل فِرْعَوْن وَاَلَّذِينَ مِنْ قَبْلهمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّه فَأَخَذَهُمْ اللَّه" بِالْعِقَابِ "بِذُنُوبِهِمْ" جُمْلَة كَفَرُوا وَمَا بَعْدهَا مُفَسِّرَة لِمَا قَبْلهَا "إنَّ اللَّه قَوِيّ" عَلَى مَا يُرِيدهُ




53
ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ

"ذَلِكَ" أَيْ تَعْذِيب الْكَفَرَة "بِأَنْ" أَيْ بِسَبَبِ أَنَّ "اللَّه لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَة أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْم" مُبَدِّلًا لَهَا بِالنِّقْمَةِ "حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ" يُبَدِّلُوا نِعْمَتهمْ كُفْرًا كَتَبْدِيلِ كُفَّار مَكَّة إطْعَامهمْ مِنْ جُوع وَأَمْنهمْ مِنْ خَوْف وَبَعْث النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَيْهِمْ بِالْكُفْرِ وَالصَّدّ عَنْ سَبِيل اللَّه وَقِتَال الْمُؤْمِنِينَ




54
كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ

"كَدَأْبِ آل فِرْعَوْن وَاَلَّذِينَ مِنْ قَبْلهمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبّهمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آل فِرْعَوْن" قَوْمه مَعَهُ "وَكُلّ" مِنْ الْأُمَم الْمُكَذِّبَة




56
الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ

"الَّذِينَ عَاهَدْت مِنْهُمْ" أَنْ لَا يُعِينُوا الْمُشْرِكِينَ "ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدهمْ فِي كُلّ مَرَّة" عَاهَدُوا فِيهَا "وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ" اللَّه فِي غَدْرهمْ




57
فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ

"فَإِمَّا" فِيهِ إدْغَام نُون إنْ الشَّرْطِيَّة فِي مَا الْمَزِيدَة "تَثْقَفَنهُمْ" تَجِدَنهُمْ "فِي الْحَرْب فَشَرِّدْ" فَرِّقْ "بِهِمْ مَنْ خَلْفهمْ" مِنْ الْمُحَارِبِينَ بِالتَّنْكِيلِ بِهِمْ وَالْعُقُوبَة "لَعَلَّهُمْ" أَيْ الَّذِينَ خَلْفهمْ "يَذَّكَّرُونَ" يَتَّعِظُونَ بِهِمْ




58
وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ

"وَإِمَّا تَخَافَن مِنْ قَوْم" عَاهَدُوك "خِيَانَة " فِي عَهْد بِأَمَارَةٍ تَلُوح لَك "فَانْبِذْ" اطْرَحْ عَهْدهمْ "إلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء" حَال أَيْ مُسْتَوِيًا أَنْتَ وَهُمْ فِي الْعِلْم بِنَقْضِ الْعَهْد بِأَنْ تُعْلِمهُمْ بِهِ لِئَلَّا يَتَّهِمُوك بِالْغَدْرِ




59
وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ

وَنَزَلَ فِيمَنْ أَفْلَتَ يَوْم بَدْر "وَلَا يَحْسَبَن" يَا مُحَمَّد "الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا" اللَّه أَيْ فَاتُوهُ "إنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ" لَا يَفُوتُونَهُ وَفِي قِرَاءَة بِالتَّحْتَانِيَّةِ فَالْمَفْعُول الْأَوَّل مَحْذُوف أَيْ أَنْفُسهمْ وَفِي أُخْرَى بِفَتْحِ إنْ عَلَى تَقْدِير اللَّام




60
وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ

"وَأَعِدُّوا لَهُمْ" لِقِتَالِهِمْ "مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّة" قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (هِيَ الرَّمْي) رَوَاهُ مُسْلِم "وَمِنْ رِبَاط الْخَيْل" مَصْدَر بِمَعْنَى حَبْسهَا فِي سَبِيل اللَّه "تُرْهِبُونَ" تُخَوِّفُونَ "بِهِ عَدُوّ اللَّه وَعَدُوّكُمْ" أَيْ كُفَّار مَكَّة "وَآخَرِينَ مِنْ دُونهمْ" أَيْ غَيْرهمْ وَهُمْ الْمُنَافِقُونَ أَوْ الْيَهُود "لَا تَعْلَمُونَهُمْ اللَّه يَعْلَمهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْء فِي سَبِيل اللَّه يُوَفَّ إلَيْكُمْ" جَزَاؤُهُ "وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ" تُنْقِصُونَ مِنْهُ شَيْئًا




61
وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ

"وَإِنْ جَنَحُوا" مَالُوا "لِلسَّلْمِ" بِكَسْرِ السِّين وَفَتْحهَا : الصُّلْح "فَاجْنَحْ لَهَا" وَعَاهِدْهُمْ وَقَالَ ابْن عَبَّاس : هَذَا مَنْسُوخ بِآيَةِ السَّيْف وَقَالَ مُجَاهِد : مَخْصُوص بِأَهْلِ الْكِتَاب إذْ نَزَلَتْ فِي بَنِي قُرَيْظَة "وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّه" ثِقْ بِهِ "إنَّهُ هُوَ السَّمِيع" لِلْقَوْلِ "الْعَلِيم" بِالْفِعْلِ




62
وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ

"وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوك" بِالصُّلْحِ لِيَسْتَعِدُّوا لَك "فَإِنَّ حَسْبك" كَافِيك "اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ"




63
وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ

"وَأَلَّفَ" جَمَعَ "بَيْن قُلُوبهمْ" بَعْد الْإِحَن "لَوْ أَنْفَقْت مَا فِي الْأَرْض جَمِيعًا مَا أَلَّفْت بَيْن قُلُوبهمْ وَلَكِنَّ اللَّه أَلَّفَ بَيْنهمْ" بِقُدْرَتِهِ "إنَّهُ عَزِيز" غَالِب عَلَى أَمْره "حَكِيم" لَا يَخْرُج شَيْء عَنْ حِكْمَته




64
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ

"يَا أَيّهَا النَّبِيّ حَسْبك اللَّه وَ" حَسْبك "مَنْ اتَّبَعَك مِنْ الْمُؤْمِنِينَ"




65
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا

"يَا أَيّهَا النَّبِيّ حَرِّضْ" حُثَّ "الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَال" لِلْكُفَّارِ "إنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ" مِنْهُمْ "وَإِنْ يَكُنْ" بِالْيَاءِ وَالتَّاء "مِنْكُمْ مِائَة يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ" أَيْ بِسَبَبِ أَنَّهُمْ "قَوْم لَا يَفْقُهُونَ" وَهَذَا خَبَر بِمَعْنَى الْأَمْر أَيْ لِيُقَاتِل الْعِشْرُونَ مِنْكُمْ الْمِائَتَيْنِ وَالْمِائَة الْأَلْف وَيَثْبُتُوا لَهُمْ ثُمَّ نُسِخَ لَمَّا كَثُرُوا بِقَوْلِهِ :




66
الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ

"الْآن خَفَّفَ اللَّه عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا" بِضَمِّ الضَّاد وَفَتْحهَا عَنْ قِتَال عَشَرَة أَمْثَالكُمْ "فَإِنْ يَكُنْ" بِالْيَاءِ وَالتَّاء "مِنْكُمْ مِائَة صَابِرَة يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ" مِنْهُمْ "وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْف يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّه" بِإِرَادَتِهِ وَهُوَ خَبَر بِمَعْنَى الْأَمْر أَيْ لِتُقَاتِلُوا مِثْلَيْكُمْ وَتَثْبُتُوا لَهُمْ "وَاَللَّه مَعَ الصَّابِرِينَ" بِعَوْنِهِ





67
مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ

وَنَزَلَ لَمَّا أَخَذُوا الْفِدَاء مِنْ أَسْرَى بَدْر "مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ تَكُون" بِالتَّاءِ وَالْيَاء "لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِن فِي الْأَرْض" يُبَالِغ فِي قَتْل الْكُفَّار "تُرِيدُونَ" أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ "عَرَض الدُّنْيَا" حُطَامهَا بِأَخْذِ الْفِدَاء "وَاَللَّه يُرِيد" لَكُمْ "الْآخِرَة" أَيْ ثَوَابهَا بِقَتْلِهِمْ "وَاَللَّه عَزِيز حَكِيم" وَهَذَا مَنْسُوخ بِقَوْلِهِ "فَإِمَّا مَنًّا بَعْد وَإِمَّا فِدَاء"





68
لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ

"لَوْلَا كِتَاب مِنْ اللَّه سَبَقَ" بِإِحْلَالِ الْغَنَائِم وَالْأَسْرَى لَكُمْ "لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ" مِنْ الْفِدَاء




69
فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ

يَقْتَضِي ظَاهِرَهُ أَنْ تَكُونَ الْغَنِيمَة كُلّهَا لِلْغَانِمِينَ , وَأَنْ يَكُونُوا مُشْتَرِكِينَ فِيهَا عَلَى السَّوَاء , إِلَّا أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى : " وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْء فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ " [ الْأَنْفَال : 41 ] بَيْنَ وُجُوب إِخْرَاج الْخُمُس مِنْهُ وَصَرْفه إِلَى الْوُجُوه الْمَذْكُورَة . وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْل فِي هَذَا مُسْتَوْفًى .





70
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ

"يَا أَيّهَا النَّبِيّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنْ الْأَسْرَى" وَفِي قِرَاءَة الْأُسَارَى "إنْ يَعْلَم اللَّه فِي قُلُوبكُمْ خَيْرًا" إيمَانًا وَإِخْلَاصًا "يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ" مِنْ الْفِدَاء بِأَنْ يُضَعِّفهُ لَكُمْ فِي الدُّنْيَا وَيُثِيبكُمْ فِي الْآخِرَة "وَيَغْفِر لَكُمْ" ذُنُوبكُمْ




71
وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ

"وَإِنْ يُرِيدُوا" أَيْ الْأَسْرَى "خِيَانَتك" بِمَا أَظَهَرُوا مِنْ الْقَوْل "فَقَدْ خَانُوا اللَّه مِنْ قَبْل" قَبْل بَدْر بِالْكُفْرِ "فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ" بِبَدْرٍ قَتْلًا وَأَسْرًا فَلْيَتَوَقَّعُوا مِثْل ذَلِكَ إنْ عَادُوا "وَاَللَّه عَلِيم" بِخَلْقِهِ "حَكِيم" فِي صُنْعه




72
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ

"إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسهمْ فِي سَبِيل اللَّه" وَهُمْ الْمُهَاجِرُونَ "وَاَلَّذِينَ آوَوْا" النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "وَنَصَرُوا" وَهُمْ الْأَنْصَار "أُولَئِكَ بَعْضهمْ أَوْلِيَاء بَعْض" فِي النُّصْرَة وَالْإِرْث "وَاَلَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتهمْ" بِكَسْرِ الْوَاو وَفَتْحهَا "مِنْ شَيْء" فَلَا إرْث بَيْنكُمْ وَبَيْنهمْ وَلَا نَصِيب لَهُمْ فِي الْغَنِيمَة "حَتَّى يُهَاجِرُوا" وَهَذَا مَنْسُوخ بِآخِرِ السُّورَة "وَإِنْ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّين فَعَلَيْكُمْ النَّصْر" لَهُمْ عَلَى الْكُفَّار "إلَّا عَلَى قَوْم بَيْنكُمْ وَبَيْنهمْ مِيثَاق" عَهْد فَلَا تَنْصُرُوهُمْ وَتَنْقُضُوا عَهْدهمْ




73
وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ

"وَاَلَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضهمْ أَوْلِيَاء بَعْض" فِي النُّصْرَة وَالْإِرْث فَلَا إرْث بَيْنكُمْ وَبَيْنهمْ "إلَّا تَفْعَلُوهُ" أَيْ تَوَلِّي الْمُسْلِمِينَ وَقَمْع الْكُفَّار "تَكُنْ فِتْنَة فِي الْأَرْض وَفَسَاد كَبِير" بِقُوَّةِ الْكُفْر وَضَعْف الْإِسْلَام




74
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ

"وَاَلَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيل اللَّه وَاَلَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمْ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَة وَرِزْق كَرِيم" فِي الْجَنَّة




75
وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ

"وَاَلَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْد" أَيْ بَعْد السَّابِقِينَ إلَى الْإِيمَان وَالْهِجْرَة "وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ" أَيّهَا الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَار "وَأُولُو الْأَرْحَام" ذَوُو الْقَرَابَات "بَعْضهمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ" فِي الْإِرْث مِنْ التَّوَارُث فِي الْإِيمَان وَالْهِجْرَة الْمَذْكُورَة فِي الْآيَة السَّابِقَة "فِي كِتَاب اللَّه" اللَّوْح الْمَحْفُوظ "إنَّ اللَّه بِكُلِّ شَيْء عَلِيم" وَمِنْهُ حِكْمَة الْمِيرَاث



تم بحمدالله ختم تفسير سورة الانــــفال


توقيع HecT000R :





انا مشــً فارســ ولا فتٌى احلامــ ،، انا زحمةِ و ربكٌة و شغلــ جنانًــ
نصى بيضحكَــ و التانى زعلانًــ ،، انا شيخً_فلتانُــ
طيبــ شرير و جرئ و جبانًـ ،، اوقاتــ مشرقٌــ ،، و اوقاتــ بهتانـ
و ساعاتــ سلمُــ ،، و ساعاتــ تعبانًــ ،، مفترى جداً ،، و كمانًــ غلبانــ


رد مع اقتباس
قديم 05-05-2010, 03:00 PM   #5

HecT000R
كبار الشخصيات



الصورة الرمزية HecT000R


• الانـتـسـاب » Mar 2009
• رقـم العـضـويـة » 59040
• المشـــاركـات » 7,893
• الـدولـة » مطروح / اسكندرية الصحراوى
• الـهـوايـة »
• اسـم الـسـيـرفـر » No Server
• الـجـنـس » Male
• نقـاط التقييم » 58
HecT000R جـيـد

HecT000R غير متواجد حالياً



افتراضي



تفسير سورة التوبة

1
بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ

سُورَة التَّوْبَة [ مَدَنِيَّة إلَّا الْآيَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ فَمَكِّيَّتَانِ وَآيَاتهَا 129 نَزَلَتْ بَعْد الْمَائِدَة ] وَلَمْ تُكْتَب فِيهَا الْبَسْمَلَة لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَأْمُر بِذَلِكَ كَمَا يُؤْخَذ مِنْ حَدِيث رَوَاهُ الْحَاكِم وَأَخْرَجَ فِي مَعْنَاهُ عَنْ عَلِيّ أَنَّ الْبَسْمَلَة أَمَان وَهِيَ نَزَلَتْ لِرَفْعِ الْأَمْن بِالسَّيْفِ وَعَنْ حُذَيْفَة ( إنَّكُمْ تُسَمُّونَهَا سُورَة التَّوْبَة وَهِيَ سُورَة الْعَذَاب وَرَوَى الْبُخَارِيّ عَنْ الْبَرَاء أَنَّهَا آخِر سُورَة نَزَلَتْ .
هَذِهِ "بَرَاءَة مِنْ اللَّه وَرَسُوله" وَاصِلَة "إلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ" عَهْدًا مُطْلَقًا أَوْ دُون أَرْبَعَة أَشْهُر أَوْ فَوْقهَا وَنَصّ الْعَهْد بِمَا يُذْكَر فِي قَوْله :



2
فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ

"فَسِيحُوا" سِيرُوا آمِنِينَ أَيّهَا الْمُشْرِكُونَ "فِي الْأَرْض أَرْبَعَة أَشْهُر" أَوَّلهَا شَوَّال بِدَلِيلِ مَا سَيَأْتِي وَلَا أَمَان لَكُمْ بَعْدهَا "وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْر مُعْجِزِي اللَّه" أَيْ فَائِتِي عَذَابه "وَأَنَّ اللَّه مُخْزِي الْكَافِرِينَ" مُذِلّهمْ فِي الدُّنْيَا بِالْقَتْلِ وَالْأُخْرَى بِالنَّارِ



3
وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ

"وَأَذَان" إعْلَام "مِنْ اللَّه وَرَسُوله إلَى النَّاس يَوْم الْحَجّ الْأَكْبَر" يَوْم النَّحْر "أَنَّ" أَيْ بِأَنَّ "اللَّه بَرِيء مِنْ الْمُشْرِكِينَ" وَعُهُودهمْ "وَرَسُوله" بَرِيء أَيْضًا "وَقَدْ بَعَثَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِيًّا مِنْ السَّنَة وَهِيَ سَنَة تِسْع فَأَذَّنَ يَوْم النَّحْر بِمِنًى بِهَذِهِ الْآيَات وَأَنْ لَا يَحُجّ بَعْد الْعَام مُشْرِك وَلَا يَطُوف بِالْبَيْتِ عُرْيَان . رَوَاهُ الْبُخَارِيّ "فَإِنْ تُبْتُمْ" مِنْ الْكُفْر "فَهُوَ خَيْر لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ" عَنْ الْإِيمَان "فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْر مُعْجِزِي اللَّه وَبَشِّرْ" أَخْبِرْ "الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيم" مُؤْلِم وَهُوَ الْقَتْل وَالْأَسْر فِي الدُّنْيَا وَالنَّار فِي الْآخِرَة



4
إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ

"إلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا" مِنْ شُرُوط الْعَهْد "وَلَمْ يُظَاهِرُوا" يُعَاوِنُوا "عَلَيْكُمْ أَحَدًا" مِنْ الْكُفَّار "فَأَتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدهمْ إلَى" انْقِضَاء "مُدَّتهمْ" الَّتِي عَاهَدْتُمْ عَلَيْهَا "إنَّ اللَّه يُحِبّ الْمُتَّقِينَ" بِإِتْمَامِ الْعُهُود




5
فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ

"فَإِذَا انْسَلَخَ" خَرَجَ "الْأَشْهُر الْحُرُم" وَهِيَ آخِر مُدَّة التَّأْجِيل "فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ" فِي حِلّ أَوْ حَرَم "وَخُذُوهُمْ" بِالْأَسْرِ "وَاحْصُرُوهُمْ" فِي الْقِلَاع وَالْحُصُون حَتَّى يُضْطَرُّوا إلَى الْقَتْل أَوْ الْإِسْلَام "وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلّ مَرْصَد" طَرِيق يَسْلُكُونَهُ وَنُصِبَ كُلّ عَلَى نَزْع الْخَافِض "فَإِنْ تَابُوا" مِنْ الْكُفْر "وَأَقَامُوا الصَّلَاة وَآتَوْا الزَّكَاة فَخَلُّوا سَبِيلهمْ" وَلَا تَتَعَرَّضُوا لَهُمْ "إنَّ اللَّه غَفُور رَحِيم" لِمَنْ تَابَ




6
وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ

"وَإِنْ أَحَد مِنْ الْمُشْرِكِينَ" مَرْفُوع بِفِعْلٍ يُفَسِّرهُ "اسْتَجَارَك" اسْتَأْمَنَك مِنْ الْقَتْل "فَأَجِرْهُ" أَمِّنْهُ "حَتَّى يَسْمَع كَلَام اللَّه" الْقُرْآن "ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنه" وَهُوَ دَار قَوْمه إنْ لَمْ يُؤْمِن لِيَنْظُر فِي أَمْره "ذَلِكَ" الْمَذْكُور "بِأَنَّهُمْ قَوْم لَا يَعْلَمُونَ" دِين اللَّه فَلَا بُدّ لَهُمْ مِنْ سَمَاع الْقُرْآن لِيَعْلَمُوا




7
كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ

"كَيْفَ" أَيْ لَا "يَكُون لِلْمُشْرِكِينَ عَهْد عِنْد اللَّه وَعِنْد رَسُوله" وَهُمْ كَافِرُونَ بِاَللَّهِ وَرَسُوله غَادِرُونَ "إلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْد الْمَسْجِد الْحَرَام" يَوْم الْحُدَيْبِيَة وَهُمْ قُرَيْش الْمُسْتَثْنَوْنَ مِنْ قَبْل "فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ" أَقَامُوا عَلَى الْعَهْد وَلَمْ يَنْقُضُوهُ وَمَا شَرْطِيَّة "فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إنَّ اللَّه يُحِبّ الْمُتَّقِينَ" عَلَى الْوَفَاء بِهِ وَقَدْ اسْتَقَامَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى عَهْدهمْ حَتَّى نَقَضُوا بِإِعَانَةِ بَنِي بَكْر عَلَى خُزَاعَة



8
كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ

"كَيْفَ" يَكُون لَهُمْ عَهْد "وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ" يَظْفَرُوا بِكُمْ وَجُمْلَة الشَّرْط حَال "لَا يَرْقُبُوا" يُرَاعُوا "فِيكُمْ إلًّا" قَرَابَة "وَلَا ذِمَّة" عَهْدًا بَلْ يُؤْذُوكُمْ مَا اسْتَطَاعُوا "يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ" بِكَلَامِهِمْ الْحَسَن "وَتَأْبَى قُلُوبهمْ" الْوَفَاء بِهِ "وَأَكْثَرهمْ فَاسِقُونَ" نَاقِضُونِ لِلْعَهْدِ




9
اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ

"اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّه" الْقُرْآن "ثَمَنًا قَلِيلًا" مِنْ الدُّنْيَا أَيْ تَرَكُوا اتِّبَاعهَا لِلشَّهَوَاتِ وَالْهَوَى "فَصَدُّوا عَنْ سَبِيله" دِينه "إنَّهُمْ سَاءَ" بِئْسَ "مَا كَانُوا يَعْمَلُونَـ" ـهُ عَمَلهمْ هَذَا




10
لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ

" إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِن إِلًّا وَلَا ذِمَّة " وَلَا رَاقَبُوا فِيهِمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّة قَالَ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة وَعِكْرِمَة وَالْعَوْفِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس : الْإلّ الْقَرَابَة وَالذِّمَّة الْعَهْد وَكَذَا قَالَ الضَّحَّاك وَالسُّدِّيّ كَمَا قَالَ تَمِيم بْن مُقْبِل : أَفْسَدَ النَّاس خُلُوف خَلَفُوا قَطَعُوا الْإِلّ وَأَعْرَاق الرَّحِم وَقَالَ حَسَّان بْن ثَابِت رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : وَجَدْنَاهُمْ كَاذِبًا إِلُّهُمْ وَذُو الْإِلّ وَالْعَهْد لَا يَكْذِب وَقَالَ اِبْن أَبِي نَجِيح عَنْ مُجَاهِد لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِن إِلًّا : قَالَ الْإلّ اللَّه , وَفِي رِوَايَة لَا يَرْقُبُونَ اللَّه وَلَا غَيْره وَقَالَ اِبْن جَرِير : حَدَّثَنِي يَعْقُوب حَدَّثَنَا اِبْن عُلَيَّة عَنْ سُلَيْمَان عَنْ أَبِي مِجْلَز فِي قَوْله تَعَالَى " لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِن إِلًّا وَلَا ذِمَّة " مِثْل قَوْله جِبْرِيل مِيكَائِيل إِسْرَافِيل كَأَنَّهُ يَقُول لَا يَرْقُبُونَ اللَّه وَالْقَوْل الْأَوَّل أَظْهَر وَأَشْهَر وَعَلَيْهِ الْأَكْثَر . وَعَنْ مُجَاهِد أَيْضًا الْإِلّ الْعَهْد . وَقَالَ قَتَادَة الْإِلّ الْحَلِف .



11
فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ

"فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاة وَآتَوْا الزَّكَاة فَإِخْوَانكُمْ" أَيْ فَهُمْ إخْوَانكُمْ "فِي الدِّين وَنُفَصِّل" نُبَيِّن "الْآيَات لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ" يَتَدَبَّرُونَ





12
وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ

"وَإِنْ نَكَثُوا" نَقَضُوا "أَيْمَانهمْ" مَوَاثِيقهمْ "مِنْ بَعْد عَهْدهمْ وَطَعَنُوا فِي دِينكُمْ" عَابُوهُ "فَقَاتِلُوا أَئِمَّة الْكُفْر" رُؤَسَاءَهُ فِيهِ وَضْع الظَّاهِر مَوْضِع الْمُضْمَر "إنَّهُمْ لَا أَيْمَان" عُهُود "لَهُمْ" وَفِي قِرَاءَة بِالْكَسْرِ "لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ" عَنْ الْكُفْر





13
أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ

"أَلَا" لِلتَّحْضِيضِ "تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا" نَقَضُوا "أَيْمَانهمْ" عُهُودهمْ "وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُول" مِنْ مَكَّة لَمَّا تَشَاوَرُوا فِيهِ بِدَارِ النَّدْوَة "وَهُمْ بَدَءُوكُمْ" بِالْقِتَالِ "أَوَّل مَرَّة" حَيْثُ قَاتَلُوا خُزَاعَة حُلَفَاءَكُمْ مَعَ بَنِي بَكْر فَمَا يَمْنَعكُمْ أَنْ تُقَاتِلُوهُمْ "أَتَخْشَوْنَهُمْ" أَتَخَافُونَهُمْ "فَاَللَّه أَحَقّ أَنْ تَخْشَوْهُ" فِي تَرْك قِتَالهمْ




14
قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ

"قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبهُمْ اللَّه" يَقْتُلهُمْ "بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ" يُذِلّهُمْ بِالْأَسْرِ وَالْقَهْر "وَيَنْصُركُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُور قَوْم مُؤْمِنِينَ" بِمَا فَعَلَ بِهِمْ هُمْ بَنُو خُزَاعَة




15
وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ

"وَيُذْهِب غَيْظ قُلُوبهمْ" كَرْبهَا "وَيَتُوب اللَّه عَلَى مَنْ يَشَاء" بِالرُّجُوعِ إلَى الْإِسْلَام كَأَبِي سُفْيَان




16
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ

"أَمْ" بِمَعْنَى هَمْزَة الْإِنْكَار "حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا" لَمْ "يَعْلَم اللَّه" عِلْم ظُهُور "الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ" بِإِخْلَاصٍ "وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُون اللَّه وَلَا رَسُوله وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَة" بِطَانَة وَأَوْلِيَاء الْمَعْنَى وَلَمْ يَظْهَر الْمُخْلِصُونَ وَهُمْ الْمَوْصُوفُونَ بِمَا ذُكِرَ مِنْ غَيْرهمْ




17
مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ

"مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِد اللَّه" بِالْإِفْرَادِ وَالْجَمْع بِدُخُولِهِ وَالْقُعُود فِيهِ "شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسهمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ" بَطَلَتْ "أَعْمَالهمْ" لِعَدَمِ شَرْطهَا




18
إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ

"إنَّمَا يَعْمُر مَسَاجِد اللَّه مَنْ آمَنَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر وَأَقَامَ الصَّلَاة وَآتَى الزَّكَاة وَلَمْ يَخْشَ" أَحَدًا




19
أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ

"أَجَعَلْتُمْ سِقَايَة الْحَاجّ وَعِمَارَة الْمَسْجِد الْحَرَام" أَيْ أَهْل ذَلِكَ "كَمَنْ آمَنَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر وَجَاهَدَ فِي سَبِيل اللَّه لَا يَسْتَوُونَ عِنْد اللَّه" فِي الْفَضْل "وَاَللَّه لَا يَهْدِي الْقَوْم الظَّالِمِينَ" الْكَافِرِينَ نَزَلَتْ رَدًّا عَلَى مَنْ قَالَ ذَلِكَ وَهُوَ الْعَبَّاس أَوْ غَيْره




20
الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ

"الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيل اللَّه بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسهمْ أَعْظَم دَرَجَة" رُتْبَة "عِنْد اللَّه" مِنْ غَيْرهمْ "وَأُولَئِكَ هُمْ الْفَائِزُونَ" الظَّافِرُونَ بِالْخَيْرِ




21
يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ

"يُبَشِّرهُمْ رَبّهمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَان وَجَنَّات لَهُمْ فِيهَا نَعِيم مُقِيم" دَائِم




22
خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ

"خَالِدِينَ" حَال مُقَدَّرَة




23
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ

وَنَزَلَ فِيمَنْ تَرَكَ الْهِجْرَة لِأَجْلِ أَهْله وَتِجَارَته "يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانكُمْ أَوْلِيَاء إنْ اسْتَحَبُّوا" اخْتَارُوا




24
قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ

"قُلْ إنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانكُمْ وَأَزْوَاجكُمْ وَعَشِيرَتكُمْ" أَقْرِبَاؤُكُمْ وَفِي قِرَاءَة عَشِيرَاتكُمْ "وَأَمْوَال اقْتَرَفْتُمُوهَا" اكْتَسَبْتُمُوهَا "وَتِجَارَة تَخْشَوْنَ كَسَادهَا" عَدَم نَفَادهَا "وَمَسَاكِن تَرْضَوْنَهَا أَحَبّ إلَيْكُمْ مِنْ اللَّه وَرَسُوله وَجِهَاد فِي سَبِيله" فَقَعَدْتُمْ لِأَجْلِهِ عَنْ الْهِجْرَة وَالْجِهَاد "فَتَرَبَّصُوا" انْتَظِرُوا "حَتَّى يَأْتِيَ اللَّه بِأَمْرِهِ" تَهْدِيد لَهُمْ






25
لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ

"لَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّه فِي مَوَاطِن" لِلْحَرْبِ "كَثِيرَة" كَبَدْرٍ وَقُرَيْظَة وَالنَّضِير "و" اُذْكُرْ "يَوْم حُنَيْن" وَادٍ بَيْن مَكَّة وَالطَّائِف أَيْ يَوْم قِتَالكُمْ فِيهِ هَوَازِن وَذَلِك فِي شَوَّال سَنَة ثَمَان "إذْ" بَدَل مِنْ يَوْم "أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتكُمْ" فَقُلْتُمْ لَنْ نُغْلَب الْيَوْم مِنْ قِلَّة وَكَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا وَالْكُفَّار أَرْبَعَة آلَاف "فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمْ الْأَرْض بِمَا رَحُبَتْ" مَا مَصْدَرِيَّة أَيْ مَعَ رَحْبهَا أَيْ سِعَتهَا فَلَمْ تَجِدُوا مَكَانًا تَطْمَئِنُّونَ إلَيْهِ لِشِدَّةِ مَا لَحِقَكُمْ مِنْ الْخَوْف "ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ" مُنْهَزِمِينَ وَثَبَتَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى بَغْلَته الْبَيْضَاء وَلَيْسَ مَعَهُ غَيْر الْعَبَّاس وَأَبُو سُفْيَان آخِذ بِرِكَابِهِ




26
ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ

"ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّه سَكِينَته" طُمَأْنِينَته "عَلَى رَسُوله وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ" فَرَدُّوا إلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا نَادَاهُمْ الْعَبَّاس بِإِذْنِهِ وَقَاتَلُوا "وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا" مَلَائِكَة "وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا" بِالْقَتْلِ وَالْأَسْر




27
ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { ثُمَّ يَتُوب اللَّه مِنْ بَعْد ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاء وَاَللَّه غَفُور رَحِيم } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : ثُمَّ يَتَفَضَّل اللَّه بِتَوْفِيقِهِ لِلتَّوْبَةِ وَالْإِنَابَة إِلَيْهِ مِنْ بَعْد عَذَابه الَّذِي بِهِ عُذِّبَ مَنْ هَلَكَ مِنْهُمْ قَتْلًا بِالسَّيْفِ عَلَى مَنْ يَشَاء ; أَيْ يَتُوب اللَّه عَلَى مَنْ يَشَاء مِنْ الْأَحْيَاء يُقْبِل بِهِ إِلَى طَاعَته . { وَاَللَّه غَفُور } لِذُنُوبِ مَنْ أَنَابَ وَتَابَ إِلَيْهِ مِنْهُمْ وَمِنْ غَيْرهمْ مِنْهَا . { رَحِيم } بِهِمْ فَلَا يُعَذِّبهُمْ بَعْد تَوْبَتهمْ , وَلَا يُؤَاخِذهُمْ بِهَا بَعْد إِنَابَتهمْ .




28
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ

"يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَس" قَذَر لِخُبْثِ بَاطِنهمْ "فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِد الْحَرَام" أَيْ لَا يَدْخُلُوا الْحَرَم "بَعْد عَامهمْ هَذَا" عَام تِسْع مِنْ الْهِجْرَة "وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَة" فَقْرًا بِانْقِطَاعِ تِجَارَتهمْ عَنْكُمْ "فَسَوْفَ يُغْنِيكُمْ اللَّه مِنْ فَضْله إنْ شَاءَ" وَقَدْ أَغْنَاهُمْ بِالْفُتُوحِ وَالْجِزْيَة




29
قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ

"قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِر" وَإِلَّا لَآمَنُوا بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّه وَرَسُوله" كَالْخَمْرِ "وَلَا يَدِينُونَ دِين الْحَقّ" الثَّابِت النَّاسِخ لِغَيْرِهِ مِنْ الْأَدْيَان وَهُوَ دِين الْإِسْلَام "مِنْ" بَيَان لِلَّذِينَ "الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب" أَيْ الْيَهُود وَالنَّصَارَى "حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَة" الْخَرَاج الْمَضْرُوب عَلَيْهِمْ كُلّ عَام "عَنْ يَد" حَال أَيْ مُنْقَادِينَ أَوْ بِأَيْدِيهِمْ لَا يُوَكَّلُونَ بِهَا "وَهُمْ صَاغِرُونَ" أَذِلَّاء مُنْقَادُونَ لِحُكْمِ الْإِسْلَام




30
وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ

"وَقَالَتْ الْيَهُود عُزَيْر ابْن اللَّه وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيح" عِيسَى "ابْن اللَّه ذَلِكَ قَوْلهمْ بِأَفْوَاهِهِمْ" لَا مُسْتَنِد لَهُمْ عَلَيْهِ بَلْ "يُضَاهِئُونَ" يُشَابِهُونَ بِهِ "قَوْل الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْل" مِنْ آبَائِهِمْ تَقْلِيدًا لَهُمْ "قَاتَلَهُمْ" لَعَنَهُمْ "اللَّه أَنَّى" كَيْفَ "يُؤْفَكُونَ" يُصْرَفُونَ عَنْ الْحَقّ مَعَ قِيَام الدَّلِيل




31
اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ

"اتَّخَذُوا أَحْبَارهمْ" عُلَمَاء الْيَهُود "وَرُهْبَانهمْ" عُبَّاد النَّصَارَى "أَرْبَابًا مِنْ دُون اللَّه" حَيْثُ اتَّبَعُوهُمْ فِي تَحْلِيل مَا حَرَّمَ اللَّه وَتَحْرِيم مَا أَحَلَّ "وَالْمَسِيح ابْن مَرْيَم وَمَا أُمِرُوا" فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل "إلَّا لِيَعْبُدُوا" أَيْ بِأَنْ يَعْبُدُوا "إلَهًا وَاحِدًا لَا إلَه إلَّا هُوَ سُبْحَانه" تَنْزِيهًا لَهُ




32
يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ

"يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُور اللَّه" شَرْعه وَبَرَاهِينه "بِأَفْوَاهِهِمْ" بِأَقْوَالِهِمْ فِيهِ "وَيَأْبَى اللَّه إلَّا أَنْ يُتِمّ" يُظْهِر "نُوره وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ" ذَلِكَ




33
هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ

"هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُوله" مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "بِالْهُدَى وَدِين الْحَقّ لِيُظْهِرهُ" يُعْلِيه "عَلَى الدِّين كُلّه" جَمِيع الْأَدْيَان الْمُخَالِفَة لَهُ "وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ" ذَلِكَ




34
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ

"يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ كَثِيرًا مِنْ الْأَحْبَار وَالرُّهْبَان لَيَأْكُلُونَ" يَأْخُذُونَ "أَمْوَال النَّاس بِالْبَاطِلِ" كَالرِّشَا فِي الْحُكْم "وَيَصُدُّونَ" النَّاس "عَنْ سَبِيل اللَّه" دِينه "وَاَلَّذِينَ" مُبْتَدَأ "يَكْنِزُونَ الذَّهَب وَالْفِضَّة وَلَا يُنْفِقُونَهَا" أَيْ الْكُنُوز "فِي سَبِيل اللَّه" أَيْ لَا يُؤَدُّونَ مِنْهَا حَقّه مِنْ الزَّكَاة وَالْخَبَر "فَبَشِّرْهُمْ" أَخْبِرْهُمْ "بِعَذَابٍ أَلِيم" مُؤْلِم




35
يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ

"يَوْم يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَار جَهَنَّم فَتُكْوَى" تُحْرَق "بِهَا جِبَاههمْ وَجُنُوبهمْ وَظُهُورهمْ" وَتُوَسِّع جُلُودهمْ حَتَّى تُوضَع عَلَيْهَا كُلّهَا وَيُقَال لَهُمْ "هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ" أَيْ جَزَاءَهُ




36
إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ

"إنَّ عِدَّة الشُّهُور" الْمُعْتَدّ بِهَا لِلسَّنَةِ "عِنْد اللَّه اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَاب اللَّه" اللَّوْح الْمَحْفُوظ "يَوْم خَلَقَ السَّمَاوَات وَالْأَرْض مِنْهَا" أَيْ الشُّهُور "أَرْبَعَة حُرُم" مُحَرَّمَة ذُو الْقَعْدَة وَذُو الْحِجَّة وَالْمُحَرَّم وَرَجَب "ذَلِكَ" أَيْ تَحْرِيمهَا "الدِّين الْقَيِّم" الْمُسْتَقِيم "فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ" أَيْ الْأَشْهُر الْحُرُم "أَنْفُسكُمْ" بِالْمَعَاصِي فَإِنَّهَا فِيهَا أَعْظَم وِزْرًا وَقِيلَ فِي الْأَشْهُر كُلّهَا "وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّة" جَمِيعًا فِي كُلّ الشُّهُور "كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّة وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّه مَعَ الْمُتَّقِينَ" بِالْعَوْنِ وَالنَّصْر




37
إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ

"إنَّمَا النَّسِيء" أَيْ التَّأْخِير لِحُرْمَةِ شَهْر إلَى آخَر كَمَا كَانَتْ الْجَاهِلِيَّة تَفْعَلهُ مِنْ تَأْخِير حُرْمَة الْمُحَرَّم إذَا هَلَّ وَهُمْ فِي الْقِتَال إلَى صَفَر "زِيَادَة فِي الْكُفْر" لِكُفْرِهِمْ بِحُكْمِ اللَّه فِيهِ "يُضَلّ" بِضَمِّ الْيَاء وَفَتْحهَا "بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ" أَيْ النَّسِيء "عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا" يُوَافِقُوا بِتَحْلِيلِ شَهْر وَتَحْرِيم آخَر بَدَله "عِدَّة" عَدَد "مَا حَرَّمَ اللَّه" مِنْ الْأَشْهُر فَلَا يَزِيدُوا عَلَى تَحْرِيم أَرْبَعَة وَلَا يَنْقُصُوا وَلَا يَنْظُرُوا إلَى أَعْيَانهَا "فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّه زُيِّنَ لَهُمْ سُوء أَعْمَالهمْ" فَظَنُّوهُ حَسَنًا





38
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا

وَنَزَلَ لَمَّا دَعَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّاس إلَى غَزْوَة تَبُوك وَكَانُوا فِي عُسْرَة وَشِدَّة حَرّ فَشَقَّ عَلَيْهِمْ "يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إذَا قِيلَ لَكُمْ انْفِرُوا فِي سَبِيل اللَّه اثَّاقَلْتُمْ" بِإِدْغَامِ التَّاء فِي الْأَصْل فِي الْمُثَلَّثَة وَاجْتِلَاب هَمْزَة الْوَصْل أَيْ تَبَاطَأْتُمْ وَمِلْتُمْ عَنْ الْجِهَاد "إلَى الْأَرْض" وَالْقُعُود فِيهَا "أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا" وَلَذَّاتهَا وَالِاسْتِفْهَام لِلتَّوْبِيخِ "مِنْ الْآخِرَة" أَيْ بَدَل نَعِيمهَا "فَمَا مَتَاع الْحَيَاة الدُّنْيَا فِي" جَنْب مَتَاع "الْآخِرَة إلَّا قَلِيل" حَقِير






39
إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ

"إلَّا" بِإِدْغَامِ لَا فِي نُون إنْ الشَّرْطِيَّة فِي الْمَوْضِعَيْنِ "تَنْفِرُوا" تَخْرُجُوا مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْجِهَادِ "يُعَذِّبكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا" مُؤْلِمًا "وَيَسْتَبْدِل قَوْمًا غَيْركُمْ" أَيْ يَأْتِ بِهِمْ بَدَلكُمْ "وَلَا تَضُرُّوهُ" أَيْ اللَّه أَوْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "شَيْئًا" بِتَرْكِ نَصْره فَإِنَّ اللَّه نَاصِر دِينه "وَاَللَّه عَلَى كُلّ شَيْء قَدِير" وَمِنْهُ نَصْر دِينه وَنَبِيّه




40
إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ

"إلَّا تَنْصُرُوهُ" أَيْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّه إذْ" حِين "أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا" مِنْ مَكَّة أَيْ أَلْجَئُوهُ إلَى الْخُرُوج لَمَّا أَرَادُوا قَتْله أَوْ حَبْسه أَوْ نَفْيه بِدَارِ النَّدْوَة "ثَانِي اثْنَيْنِ" حَال أَيْ أَحَد اثْنَيْنِ وَالْآخَر أَبُو بَكْر - الْمَعْنَى نَصَرَهُ اللَّه فِي مِثْل تِلْكَ الْحَالَة فَلَا يَخْذُلهُ فِي غَيْرهَا - "إذْ" بَدَل مِنْ إذْ قَبْله "هُمَا فِي الْغَار" نَقْب فِي جَبَل ثَوْر "إذْ" بَدَل ثَانٍ "يَقُول لِصَاحِبِهِ" أَبِي بَكْر وَقَدْ قَالَ لَهُ لَمَّا رَأَى أَقْدَام الْمُشْرِكِينَ : لَوْ نَظَرَ أَحَدهمْ تَحْت قَدَمَيْهِ لَأَبْصَرَنَا "لَا تَحْزَن إنَّ اللَّه مَعَنَا" بِنَصْرِهِ "فَأَنْزَلَ اللَّه سَكِينَته" طُمَأْنِينَته "عَلَيْهِ" قِيلَ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقِيلَ عَلَى أَبِي بَكْر "وَأَيَّدَهُ" أَيْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا" مَلَائِكَة فِي الْغَار وَمَوَاطِن قِتَاله "وَجَعَلَ كَلِمَة الَّذِينَ كَفَرُوا" أَيْ دَعْوَة الشِّرْك "السُّفْلَى" الْمَغْلُوبَة "وَكَلِمَة اللَّه" أَيْ كَلِمَة الشَّهَادَة "هِيَ الْعُلْيَا" الظَّاهِرَة الْغَالِبَة "وَاَللَّه عَزِيز" فِي مُلْكه "حَكِيم" فِي صُنْعه




41
انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ

"انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا" نَشَاطًا وَغَيْر نَشَاط وَقِيلَ أَقْوِيَاء وَضُعَفَاء أَوْ أَغْنِيَاء وَفُقَرَاء وَهِيَ مَنْسُوخَة بِآيَةِ "لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاء" "وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسكُمْ فِي سَبِيل اللَّه ذَلِكُمْ خَيْر لَكُمْ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ" أَنَّهُ خَيْر لَكُمْ فَلَا تَثَّاقَلُوا




42
لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ

"لَوْ كَانَ" مَا دَعَوْتهمْ إلَيْهِ , وَنَزَلَ فِي الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا "عَرَضًا" مَتَاعًا مِنْ الدُّنْيَا "قَرِيبًا" سَهْل الْمَأْخَذ "وَسَفَرًا قَاصِدًا" وَسَطًا "لَاتَّبَعُوك" طَلَبًا لِلْغَنِيمَةِ "وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمْ الشُّقَّة" الْمَسَافَة فَتَخَلَّفُوا "وَسَيَحْلِفُونَ بِاَللَّهِ" إذَا رَجَعْتُمْ إلَيْهِمْ "لَوْ اسْتَطَعْنَا" الْخُرُوج "لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسهمْ" بِالْحَلِفِ الْكَاذِب "وَاَللَّه يَعْلَم إنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ" فِي قَوْلهمْ ذَلِكَ



43
عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ

وَكَانَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَذَّنَ لِجَمَاعَةٍ فِي التَّخَلُّف بِاجْتِهَادٍ مِنْهُ فَنَزَلَ عِتَابًا لَهُ وَقَدَّمَ الْعَفْو تَطْمِينًا لِقَلْبِهِ "عَفَا اللَّه عَنْك لِمَ أَذِنْت لَهُمْ" فِي التَّخَلُّف وَهَلَّا تَرَكْتهمْ, "حَتَّى يَتَبَيَّن لَك الَّذِينَ صَدَقُوا" فِي الْعُذْر "وَتَعْلَم الْكَاذِبِينَ" فِيهِ



44
لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ

"لَا يَسْتَأْذِنك الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر" فِي التَّخَلُّف عَنْ "أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسهمْ "




45
إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ

"إنَّمَا يَسْتَأْذِنك" فِي التَّخَلُّف "الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر وَارْتَابَتْ" شَكَّتْ "قُلُوبهمْ" فِي الدِّين "فَهُمْ فِي رَيْبهمْ يَتَرَدَّدُونَ" يَتَحَيَّرُونَ



46
وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ

"وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوج" مَعَك "لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّة" أُهْبَة مِنْ الْآلَة وَالزَّاد "وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّه انْبِعَاثهمْ" أَيْ لَمْ يُرِدْ خُرُوجهمْ "فَثَبَّطَهُمْ" كَسَّلَهُمْ "وَقِيلَ" وَقِيلَ لَهُمْ "اُقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ" الْمَرْضَى وَالنِّسَاء وَالصِّبْيَان أَيْ قَدَّرَ اللَّه تَعَالَى ذَلِكَ



47
لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ

"لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إلَّا خَبَالًا" فَسَادُوا بِتَخْذِيلِ الْمُؤْمِنِينَ "وَلَأَوْضَعُوا خِلَالكُمْ" أَيْ أَسْرَعُوا بَيْنكُمْ بِالْمَشْيِ بِالنَّمِيمَةِ "يَبْغُونَكُمْ" يَطْلُبُونَ لَكُمْ "الْفِتْنَة" بِإِلْقَاءِ الْعَدَاوَة "وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ" مَا يَقُولُونَ سَمَاع قَبُول




48
لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ

"لَقَدْ ابْتَغَوْا" لَك "الْفِتْنَة مِنْ قَبْل" أَوَّل مَا قَدِمْت الْمَدِينَة "وَقَلَبُوا لَك الْأُمُور" أَيْ أَجَالُوا الْفِكْر فِي كَيْدك وَإِبْطَال دِينك "حَتَّى جَاءَ الْحَقّ" النَّصْر "وَظَهَرَ" عَزَّ "أَمْر اللَّه" دِينه "وَهُمْ كَارِهُونَ" لَهُ فَدَخَلُوا فِيهِ ظَاهِرًا



49
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ

"وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُول ائْذَنْ لِي" فِي التَّخَلُّف "وَلَا تَفْتِنِّي" وَهُوَ الْجَدّ بْن قَيْس قَالَ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : "هَلْ لَك فِي جَلَّاد بَنِي الْأَصْفَر ؟" فَقَالَ : إنِّي مُغْرَم بِالنِّسَاءِ وَأَخْشَى إنْ رَأَيْت نِسَاء بَنِي الْأَصْفَر أَنْ لَا أَصْبِر عَنْهُنَّ فَأُفْتَتَن "أَلَا فِي الْفِتْنَة سَقَطُوا" بِالتَّخَلُّفِ وَقُرِئَ سَقَطَ "وَإِنَّ جَهَنَّم لَمُحِيطَة بِالْكَافِرِينَ" لَا مَحِيص لَهُمْ عَنْهَا



50
إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ

"إنْ تُصِبْك حَسَنَة" كَنَصْرٍ وَغَنِيمَة "تَسُوءهُمْ وَإِنْ تُصِبْك مُصِيبَة" شِدَّة "يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرنَا" بِالْحَزْمِ حِين تَخَلَّفْنَا "مِنْ قَبْل" قَبْل هَذِهِ الْمَعْصِيَة "وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ" بِمَا أَصَابَك



51
قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ

"قُلْ" لَهُمْ "لَنْ يُصِيبنَا إلَّا مَا كَتَبَ اللَّه لَنَا" إصَابَته "هُوَ مَوْلَانَا" نَاصِرنَا وَمُتَوَلِّي أُمُورنَا



52
قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ

"قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ" فِيهِ حَذْف إحْدَى التَّاءَيْنِ مِنْ الْأَصْل أَيْ تَنْتَظِرُونَ أَنْ يَقَع "بِنَا إلَّا إحْدَى" الْعَاقِبَتَيْنِ "الْحُسْنَيَيْنِ" تَثْنِيَة حُسْنَى تَأْنِيث أَحْسَن : النَّصْر أَوْ الشَّهَادَة "وَنَحْنُ نَتَرَبَّص" نَنْتَظِر "بِكُمْ أَنْ يُصِيبكُمْ اللَّه بِعَذَابٍ مِنْ عِنْده" بِقَارِعَةٍ مِنْ السَّمَاء "أَوْ بِأَيْدِينَا" بِأَنْ يُؤْذِن لَنَا فِي قِتَالكُمْ "فَتَرَبَّصُوا" بِنَا ذَلِكَ "إنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ" عَاقِبَتكُمْ




53
قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ

"قُلْ أَنْفِقُوا" فِي طَاعَة اللَّه "طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّل مِنْكُمْ" مَا أَنْفَقْتُمُوهُ وَالْأَمْر هُنَا بِمَعْنَى الْخَبَر



54
وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ

"وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَل" بِالتَّاءِ وَالْيَاء "مِنْهُمْ نَفَقَاتهمْ إلَّا" فَاعِل وَأَنْ تُقْبَل مَفْعُول "كَفَرُوا بِاَللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاة إلَّا وَهُمْ كُسَالَى" مُتَثَاقِلُونَ "وَلَا يُنْفِقُونَ إلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ" النَّفَقَة لِأَنَّهُمْ يَعُدُّونَهَا مَغْرَمًا



55
فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ

"فَلَا تُعْجِبك أَمْوَالهمْ وَلَا أَوْلَادهمْ" أَيْ لَا تَسْتَحْسِن نِعَمنَا عَلَيْهِمْ فَهِيَ اسْتِدْرَاج "إنَّمَا يُرِيد اللَّه لِيُعَذِّبهُمْ" أَيْ أَنْ يُعَذِّبهُمْ "بِهَا فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا" بِمَا يَلْقَوْنَ فِي جَمْعهَا مِنْ الْمَشَقَّة وَفِيهَا مِنْ الْمَصَائِب "وَتَزْهَق" تَخْرُج "أَنْفُسهمْ وَهُمْ كَافِرُونَ" فَيُعَذِّبهُمْ فِي الْآخِرَة أَشَدّ الْعَذَاب





56
وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ

"وَيَحْلِفُونَ بِاَللَّهِ إنَّهُمْ لِمِنْكُمْ" أَيْ مُؤْمِنُونَ "وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْم يَفْرُقُونَ" يَخَافُونَ أَنْ تَفْعَلُوا بِهِمْ كَالْمُشْرِكِينَ فَيَحْلِفُونَ تَقِيَّة




57
لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ

"لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأ" يَلْجَئُونَ إلَيْهِ "أَوْ مَغَارَات" سَرَادِيب "أَوْ مُدَّخَلًا" مَوْضِعًا يَدْخُلُونَهُ "لَوَلَّوْا إلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ" يُسْرِعُونَ فِي دُخُوله وَالِانْصِرَاف عَنْكُمْ إسْرَاعًا لَا يَرُدّهُ شَيْء كَالْفَرَسِ الْجَمُوح




58
وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ

"وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزك" يَعِيبك "فِي" قَسْم




59
وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ

"وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمْ اللَّه وَرَسُوله" مِنْ الْغَنَائِم وَنَحْوهَا "وَقَالُوا حَسْبنَا" كَافِينَا "اللَّه سَيُؤْتِينَا اللَّه مِنْ فَضْله وَرَسُوله" مِنْ غَنِيمَة أُخْرَى مَا يَكْفِينَا "إنَّا إلَى اللَّه رَاغِبُونَ" أَنْ يُغْنِينَا وَجَوَاب لَوْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ





60
إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ

"إنَّمَا الصَّدَقَات" الزَّكَوَات مَصْرُوفَة "لِلْفُقَرَاءِ" الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يَقَع مَوْقِعًا مِنْ كِفَايَتهمْ "وَالْمَسَاكِين" الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يَكْفِيهِمْ "وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا" أَيْ الصَّدَقَات مِنْ جَابٍ وَقَاسِم وَكَاتِب وَحَاشِر "وَالْمُؤَلَّفَة قُلُوبهمْ" لِيُسْلِمُوا أَوْ يَثْبُت إسْلَامهمْ أَوْ يَسْلَم نُظَرَاؤُهُمْ أَوْ يَذُبُّوا عَنْ الْمُسْلِمِينَ أَقْسَام الْأَوَّل وَالْأَخِير لَا يُعْطِيَانِ الْيَوْم عِنْد الشَّافِعِيّ رَضِيَ اللَّه تَعَالَى عَنْهُ لِعَزِّ الْإِسْلَام بِخِلَافِ الْآخَرَيْنِ فَيُعْطِيَانِ عَلَى الْأَصَحّ "وَفِي" فَكّ "الرِّقَاب" أَيْ الْمُكَاتَبِينَ "وَالْغَارِمِينَ" أَهْل الدِّين إنْ اسْتَدَانُوا لِغَيْرِ مَعْصِيَة أَوْ تَابُوا وَلَيْسَ لَهُمْ وَفَاء أَوْ لِإِصْلَاحِ ذَات الْبَيْن وَلَوْ أَغْنِيَاء "وَفِي سَبِيل اللَّه" أَيْ الْقَائِمِينَ بِالْجِهَادِ مِمَّنْ لَا فَيْء لَهُمْ وَلَوْ أَغْنِيَاء "وَابْن السَّبِيل" الْمُنْقَطِع فِي سَفَره "فَرِيضَة" نُصِبَ بِفِعْلِهِ الْمُقَدَّر "مِنْ اللَّه وَاَللَّه عَلِيم" بِخَلْقِهِ "حَكِيم" فِي صُنْعه فَلَا يَجُوز صَرْفهَا لِغَيْرِ هَؤُلَاءِ وَلَا مَنْع صِنْف مِنْهُمْ إذَا وُجِدَ فَيَقْسِمهَا الْإِمَام عَلَيْهِمْ عَلَى السَّوَاء وَلَهُ تَفْضِيل بَعْض آحَاد الصِّنْف عَلَى بَعْض وَأَفَادَتْ اللَّام وُجُوب اسْتِغْرَاق أَفْرَاده لَكِنْ لَا يَجِب عَلَى صَاحِب الْمَال إذَا قَسَمَ لِعُسْرِهِ بَلْ يَكْفِي إعْطَاء ثَلَاثَة مِنْ كُلّ صِنْف وَلَا يَكْفِي دُونهَا كَمَا أَفَادَتْهُ صِيغَة الْجَمْع وَبَيَّنَتْ السُّنَّة أَنَّ شَرْط الْمُعْطَى مِنْهَا الْإِسْلَام وَأَنْ لَا يَكُون هَاشِمِيًّا وَلَا مُطَّلِبِيًّا




61
وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ

"وَمِنْهُمْ" أَيْ الْمُنَافِقِينَ "الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيّ" بِعَيْبِهِ وَبِنَقْلِ حَدِيثه "وَيَقُولُونَ" إذَا نُهُوا عَنْ ذَلِكَ لِئَلَّا يُبَلِّغهُ "هُوَ أُذُن" أَيْ يَسْمَع كُلّ قَيْل وَيَقْبَلهُ فَإِذَا حَلَفْنَا لَهُ أَنَّا لَمْ نَقُلْ صَدَّقْنَا "قُلْ" هُوَ "أُذُن" مُسْتَمِع "خَيْر لَكُمْ" لَا مُسْتَمِع شَرّ "يُؤْمِن بِاَللَّهِ وَيُؤْمِن" يُصَدِّق "لِلْمُؤْمِنِينَ" فِيمَا أَخْبَرُوهُ بِهِ لَا لِغَيْرِهِمْ وَاللَّام زَائِدَة لِلْفَرَقِ بَيْن إيمَان التَّسْلِيم وَغَيْره "وَرَحْمَة" بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلَى أُذُن وَالْجَرّ عَطْفًا عَلَى خَيْر




62
يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ

"يَحْلِفُونَ بِاَللَّهِ لَكُمْ" أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ فِيمَا بَلَغَكُمْ عَنْهُمْ مِنْ أَذَى الرَّسُول أَنَّهُمْ مَا أَتَوْهُ "لِيُرْضُوكُمْ وَاَللَّه وَرَسُوله أَحَقّ أَنْ يُرْضُوهُ" بِالطَّاعَةِ وَتَوْحِيد الضَّمِير لِتَلَازُمِ الرِّضَاءَيْنِ أَوْ خَبَر اللَّه وَرَسُوله مَحْذُوف "إنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ" حَقًّا





63
أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ

"أَلَمْ يَعْلَمُوا" بِ "أَنَّهُ" أَيْ الشَّأْن "مَنْ يُحَادِدْ" يُشَاقِقْ "اللَّه وَرَسُوله فَإِنَّ لَهُ نَار جَهَنَّم" جَزَاء




64
يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ

"يَحْذَر" يَخَاف "المُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ" أَيْ الْمُؤْمِنِينَ "سُورَة تُنَبِّئهُمْ بِمَا فِي قُلُوبهمْ" مِنْ النِّفَاق وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ يَسْتَهْزِئُونَ "قُلْ اسْتَهْزِئُوا" أَمْر تَهْدِيد "إنَّ اللَّه مُخْرِج" مُظْهِر "مَا تَحْذَرُونَ" إخْرَاجه مِنْ نِفَاقكُمْ




65
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ

"وَلَئِنْ" لَام قَسَم "سَأَلْتهمْ" عَنْ اسْتِهْزَائِهِمْ بِك وَالْقُرْآن وَهُمْ سَائِرُونَ مَعَك إلَى تَبُوك" "لَيَقُولُنَّ" مُعْتَذِرِينَ "إنَّمَا كُنَّا نَخُوض وَنَلْعَب" فِي الْحَدِيث لِنَقْطَع بِهِ الطَّرِيق وَلَمْ نَقْصِد ذَلِكَ "قُلْ" لَهُمْ



66
لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ

"لَا تَعْتَذِرُوا" عَنْهُ "قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْد إيمَانكُمْ" أَيْ ظَهَرَ كُفْركُمْ بَعْد إظْهَار الْإِيمَان "إنْ يُعْفَ" بِالْيَاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ وَالنُّون مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ "عَنْ طَائِفَة مِنْكُمْ" بِإِخْلَاصِهَا وَتَوْبَتهَا كَجَحْشِ بْن حِمْيَر "نُعَذِّب" بِالتَّاءِ وَالنُّون "طَائِفَة بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ" مُصِرِّينَ عَلَى النِّفَاق وَالِاسْتِهْزَاء




67
الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ

"الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَات بَعْضهمْ مِنْ بَعْض" أَيْ مُتَشَابِهُونَ فِي الدِّين كَأَبْعَاضِ الشَّيْء الْوَاحِد "يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ" الْكُفْر وَالْمَعَاصِي "وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمَعْرُوف" الْإِيمَان وَالطَّاعَة "وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيهمْ" عَنْ الْإِنْفَاق فِي الطَّاعَة "نَسُوا اللَّه" تَرَكُوا طَاعَته "فَنَسِيَهُمْ" تَرَكَهُمْ مِنْ لُطْفه





68
وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ

"وَعَدَ اللَّه الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَات وَالْكُفَّار نَار جَهَنَّم خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبهمْ" جَزَاء وَعِقَابًا "وَلَعَنَهُمْ اللَّه" أَبْعَدهمْ عَنْ رَحْمَته" "وَلَهُمْ عَذَاب مُقِيم" دَائِم




69
كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ

يَقُول تَعَالَى أَصَابَ هَؤُلَاءِ مِنْ عَذَاب اللَّه تَعَالَى فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة كَمَا أَصَابَ مَنْ قَبْلهمْ وَقَوْله بِخَلَاقِهِمْ قَالَ الْحَسَن بِأَيْدِيهِمْ وَقَوْله " وَخُضْتُمْ كَاَلَّذِي خَاضُوا " أَيْ فِي الْكَذِب وَالْبَاطِل أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالهمْ أَيْ بَطَلَتْ مَسَاعِيهمْ فَلَا ثَوَاب لَهُمْ عَلَيْهَا لِأَنَّهَا فَاسِدَة فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَأُولَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَحْصُل لَهُمْ عَلَيْهَا ثَوَاب قَالَ اِبْن جَرِير عَنْ عَمْرو بْن عَطَاء عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله كَاَلَّذِينَ مِنْ قَبْلكُمْ الْآيَة قَالَ اِبْن عَبَّاس مَا أَشْبَهَ اللَّيْلَة بِالْبَارِحَةِ " كَاَلَّذِينَ مِنْ قَبْلكُمْ " هَؤُلَاءِ بَنُو إِسْرَائِيل شُبِّهْنَا بِهِمْ لَا أَعْلَم إِلَّا أَنَّهُ قَالَ وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَتَّبِعُنَّهُمْ حَتَّى لَوْ دَخَلَ الرَّجُل مِنْهُمْ جُحْر ضَبّ لَدَخَلْتُمُوهُ قَالَ اِبْن جُرَيْج وَأَخْبَرَنِي زِيَاد بْن سَعْد عَنْ مُحَمَّد بْن زِيَاد بْن مُهَاجِر عَنْ سَعِيد بْن أَبِي سَعِيد الْمَقْبُرِيّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَتَّبِعُنَّ سُنَن الَّذِينَ مِنْ قَبْلكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ وَبَاعًا بِبَاعٍ حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْر ضَبّ لَدَخَلْتُمُوهُ قَالُوا وَمَنْ هُمْ يَا رَسُول اللَّه ؟ أَهْل الْكِتَاب قَالَ فَمَنْ ؟ وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو مَعْشَر عَنْ أَبِي سَعِيد الْمَقْبُرِيّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَهُ وَزَادَ قَالَ أَبُو هُرَيْرَة اِقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ الْقُرْآن " كَاَلَّذِينَ مِنْ قَبْلكُمْ " الْآيَة . قَالَ أَبُو هُرَيْرَة : الْخَلَاق : الدِّين " وَخُضْتُمْ كَاَلَّذِي خَاضُوا " قَالُوا يَا رَسُول اللَّه كَمَا صَنَعَتْ فَارِس وَالرُّوم ؟ قَالَ فَهَلْ النَّاس إِلَّا هُمْ ؟ وَهَذَا الْحَدِيث لَهُ شَاهِد فِي الصَّحِيح .





70
أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ

"أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأ" خَبَر "الَّذِينَ مِنْ قَبْلهمْ قَوْم نُوح وَعَاد" قَوْم هُود "وَثَمُود" قَوْم صَالِح "وَقَوْم إبْرَاهِيم وَأَصْحَاب مَدْيَن" قَوْم شُعَيْب "وَالْمُؤْتَفِكَات" قُرَى قَوْم لُوط أَيْ أَهْلهَا "أَتَتْهُمْ رُسُلهمْ بِالْبَيِّنَاتِ" بِالْمُعْجِزَاتِ فَكَذَبُوهُمْ فَأُهْلِكُوا "فَمَا كَانَ اللَّه لِيَظْلِمهُمْ" بِأَنْ يُعَذِّبهُمْ بِغَيْرِ ذَنْب "وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسهمْ يَظْلِمُونَ" بِارْتِكَابِ الذَّنْب




71
وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ

"وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَات بَعْضهمْ أَوْلِيَاء بَعْض يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَر وَيُقِيمُونَ الصَّلَاة وَيُؤْتُونَ الزَّكَاة وَيُطِيعُونَ اللَّه وَرَسُوله أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمْ اللَّه إنَّ اللَّه عَزِيز" لَا يُعْجِزهُ شَيْء عَنْ إنْجَاز وَعْده وَوَعِيده "حَكِيم" لَا يَضَع شَيْئًا إلَّا فِي مَحَلّه



72
وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ

"وَعَدَ اللَّه الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَات جَنَّات تَجْرِي مِنْ تَحْتهَا الْأَنْهَار خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِن طَيِّبَة فِي جَنَّات عَدْن" إقَامَة "وَرِضْوَان مِنْ اللَّه أَكْبَر" أَعْظَم مِنْ ذَلِكَ كُلّه




73
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ

"يَا أَيّهَا النَّبِيّ جَاهِد الْكُفَّار" بِالسَّيْفِ "وَالْمُنَافِقِينَ" بِاللِّسَانِ وَالْحُجَّة "وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ" بِالِانْتِهَارِ وَالْمَقْت "وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّم وَبِئْسَ الْمَصِير" الْمَرْجِع هِيَ





74
يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ

"يَحْلِفُونَ" أَيْ الْمُنَافِقُونَ "بِاَللَّهِ مَا قَالُوا" مَا بَلَغَك عَنْهُمْ مِنْ السَّبّ "وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَة الْكُفْر وَكَفَرُوا بَعْد إسْلَامهمْ" أَظْهَرُوا الْكُفْر بَعْد إظْهَار الْإِسْلَام" "وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا" مِنْ الْفَتْك بِالنَّبِيِّ لَيْلَة الْعَقَبَة عِنْد عَوْده مِنْ تَبُوك وَهُمْ بَضْعَة عَشَرَ رَجُلًا فَضَرَبَ عَمَّار بْن يَاسِر وُجُوه الرَّوَاحِل لَمَّا غَشُوهُ فَرُدُّوا "وَمَا نَقَمُوا" أَنْكَرُوا "إلَّا أَنْ أَغْنَاهُمْ اللَّه وَرَسُوله مِنْ فَضْله" بِالْغَنَائِمِ بَعْد شِدَّة حَاجَتهمْ ; الْمَعْنَى لَمْ يَنَلْهُمْ مِنْهُ إلَّا هَذَا وَلَيْسَ مِمَّا يَنْقِم "فَإِنْ يَتُوبُوا" عَنْ النِّفَاق وَيُؤْمِنُوا بِك "يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا" عَنْ الْإِيمَان "يُعَذِّبهُمْ اللَّه عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا" بِالْقَتْلِ "وَالْآخِرَة" بِالنَّارِ "وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْض مِنْ وَلِيّ" يَحْفَظهُمْ مِنْهُ "وَلَا نَصِير" يَمْنَعهُمْ




75
وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ

"وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّه لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْله لَنَصَّدَّقَنَّ" فِيهِ إدْغَام التَّاء فِي الْأَصْل فِي الصَّاد "وَلَنَكُونَنَّ مِنْ الصَّالِحِينَ" وَهُوَ ثَعْلَبَة بْن حَاطِب سَأَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَدْعُو لَهُ أَنْ يَرْزُقهُ اللَّه مَالًا وَيُؤَدِّي مِنْهُ كُلّ ذِي حَقّ حَقّه فَدَعَا لَهُ فَوَسَّعَ عَلَيْهِ
فَانْقَطَعَ عَنْ الْجُمُعَة وَالْجَمَاعَة وَمَنَعَ الزَّكَاة




76
فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ

"فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْله بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا" عَنْ طَاعَة اللَّه




77
فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ

"فَأَعْقَبَهُمْ" أَيْ فَصَيَّرَ عَاقِبَتهمْ "نِفَاقًا" ثَابِتًا "فِي قُلُوبهمْ إلَى يَوْم يَلْقَوْنَهُ" أَيْ اللَّه وَهُوَ يَوْم الْقِيَامَة فَجَاءَ بَعْد ذَلِكَ إلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِزَكَاتِهِ فَقَالَ : إنَّ اللَّه مَنَعَنِي أَنْ أَقْبَلَ مِنْك فَجَعَلَ يَحْثُو التُّرَاب عَلَى رَأْسه ثُمَّ جَاءَ إلَى أَبِي بَكْر فَلَمْ يَقْبَلهَا ثُمَّ إلَى عُمَر فَلَمْ يَقْبَلهَا ثُمَّ إلَى عُثْمَان فَلَمْ يَقْبَلهَا وَمَاتَ فِي زَمَانه




78
أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ

"أَلَمْ يَعْلَمُوا" أَيْ الْمُنَافِقُونَ "أَنَّ اللَّه يَعْلَم سِرّهمْ" مَا أَسَرُّوهُ فِي أَنْفُسهمْ "وَنَجْوَاهُمْ" مَا تَنَاجَوْا بِهِ بَيْنهمْ "وَأَنَّ اللَّه عَلَّام الْغُيُوب" مَا غَابَ عَنْ الْعِيَان , وَلَمَّا نَزَلَتْ آيَة الصَّدَقَة جَاءَ رَجُل فَتَصَدَّقَ بِشَيْءٍ كَثِير فَقَالَ الْمُنَافِقُونَ : مُرَاءٍ وَجَاءَ رَجُل فَتَصَدَّقَ بِصَاعٍ فَقَالُوا : إنَّ اللَّه غَنِيّ عَنْ صَدَقَة هَذَا فَنَزَلَ




79
الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ

"الَّذِينَ" مُبْتَدَأ "يَلْمِزُونَ" يَعِيبُونَ "الْمُطَّوِّعِينَ" الْمُتَنَفِّلِينَ "مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَات وَاَلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إلَّا جُهْدهمْ" طَاقَتهمْ فَيَأْتُونَ بِهِ "فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ" وَالْخَبَر "سَخِرَ اللَّه مِنْهُمْ" جَازَاهُمْ عَلَى سُخْرِيَتهمْ





80
اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ

"اسْتَغْفِرْ" يَا مُحَمَّد "لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِر لَهُمْ" تَخْيِير لَهُ فِي الِاسْتِغْفَار وَتَرْكه قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : "إنِّي خُيِّرْت فَاخْتَرْت يَعْنِي الِاسْتِغْفَار" رَوَاهُ الْبُخَارِيّ "إنْ تَسْتَغْفِر لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّة فَلَنْ يَغْفِر اللَّه لَهُمْ" قِيلَ الْمُرَاد بِالسَّبْعِينَ الْمُبَالَغَة فِي كَثْرَة الِاسْتِغْفَار وَفِي الْبُخَارِيّ حَدِيث "لَوْ أَعْلَم أَنِّي لَوْ زِدْت عَلَى السَّبْعِينَ غُفِرَ لَزِدْت عَلَيْهَا" وَقِيلَ الْمُرَاد الْعَدَد الْمَخْصُوص لِحَدِيثِهِ أَيْضًا وَسَأَزِيدُ عَلَى السَّبْعِينَفَبَيَّنَ لَهُ حَسْم الْمَغْفِرَة بِآيَةِ "سَوَاء عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْت لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِر لَهُمْ"




81
فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ

"فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ" عَنْ تَبُوك "بِمَقْعَدِهِمْ" أَيْ بِقُعُودِهِمْ "خِلَاف" أَيْ بَعْد "رَسُول اللَّه وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسهمْ فِي سَبِيل اللَّه وَقَالُوا" أَيْ قَالَ بَعْضهمْ لِبَعْضٍ "لَا تَنْفِرُوا" تَخْرُجُوا إلَى الْجِهَاد "فِي الْحَرّ قُلْ نَار جَهَنَّم أَشَدّ حَرًّا" مِنْ تَبُوك فَالْأَوْلَى أَنْ يَتَّقُوهَا بِتَرْكِ التَّخَلُّف "لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ" يَعْلَمُونَ ذَلِكَ مَا تَخَلَّفُوا




82
فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ

"فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا" فِي الدُّنْيَا "وَلْيَبْكُوا" فِي الْآخِرَة وَهُوَ خَبَر عَنْ حَالهمْ بِصِيغَةِ الْأَمْر




83
فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ

"فَإِنْ رَجَعَك" رَدَّك "اللَّه" مِنْ تَبُوك "إلَى طَائِفَة مِنْهُمْ" مِمَّنْ تَخَلَّفَ بِالْمَدِينَةِ مِنْ الْمُنَافِقِينَ "فَاسْتَأْذَنُوك لِلْخُرُوجِ" مَعَك إلَى غَزْوَة أُخْرَى "فَقُلْ" لَهُمْ "لَنْ تَخْرُجُوا مَعِي أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِي عَدُوًّا إنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّل مَرَّة فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ" الْمُتَخَلِّفِينَ عَنْ الْغَزْو مِنْ النِّسَاء وَالصِّبْيَان وَغَيْرهمْ




84
وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ
[color=#0000ff]
وَلَمَّا صَلَّى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ابْن أُبَيٍّ نَزَلَ "وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَد مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْره" لِدَفْنٍ أَوْ زِيَارَة "إنَّهُمْ كَفَرُوا بِاَللَّهِ وَرَسُوله وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ" كَافِرُونَ



85
وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ

"وَلَا تُعْجِبك أَمْوَالهمْ وَأَوْلَادهمْ إنَّمَا يُرِيد اللَّه أَنْ يُعَذِّبهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَق" تَخْرُج



86
وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ

"وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَة" أَيْ طَائِفَة مِنْ الْقُرْآن "أَنْ" أَيْ بِأَنْ "آمِنُوا بِاَللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُوله اسْتَأْذَنَك أُولُو الطَّوْل" ذَوُو الْغِنَى



87
رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ

"رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِف" جَمْع خَالِفَة أَيْ النِّسَاء اللَّاتِي تَخَلَّفْنَ فِي الْبُيُوت "وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبهمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ" الْخَيْر




88
لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ

"لَكِنْ الرَّسُول وَاَلَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسهمْ وَأُولَئِكَ لَهُمْ الْخَيْرَات" فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة "وَأُولَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ" أَيْ الْفَائِزُونَ




89
أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ

لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى ذَنْب الْمُنَافِقِينَ وَبَيَّنَ ثَنَاءَهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَمَا لَهُمْ فِي آخِرَتهمْ فَقَالَ " لَكِنْ الرَّسُول وَاَلَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا " إِلَى آخِر الْآيَتَيْنِ مِنْ بَيَان حَالهمْ وَمَآلهمْ وَقَالَ " وَأُولَئِكَ لَهُمْ الْخَيْرَات " أَيْ فِي الدَّار الْآخِرَة فِي جَنَّات الْفِرْدَوْس وَالدَّرَجَات الْعُلَى .




90
وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ

"وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ" بِإِدْغَامِ التَّاء فِي الْأَصْل فِي الدَّال أَيْ الْمُعْتَذِرُونَ بِمَعْنَى الْمَعْذُورِينَ وَقُرِئَ بِهِ "مِنْ الْأَعْرَاب" إلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "لِيُؤْذَن لَهُمْ" فِي الْقُعُود لِعُذْرِهِمْ فَأَذِنَ لَهُمْ "وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّه وَرَسُوله" فِي ادِّعَاء الْإِيمَان مِنْ مُنَافِقِي الْأَعْرَاب عَنْ الْمَجِيء لِلِاعْتِذَارِ



91
لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ

"لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاء" كَالشُّيُوخِ "وَلَا عَلَى الْمَرْضَى" كَالْعُمْيِ . وَالزَّمْنَى "وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ" فِي الْجِهَاد "حَرَج" إثْم فِي التَّخَلُّف عَنْهُ "إذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُوله" فِي حَال قُعُودهمْ بِعَدَمِ الْإِرْجَاف وَالتَّثْبِيط وَالطَّاعَة "مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ" بِذَلِكَ "مِنْ سَبِيل" طَرِيق بِالْمُؤَاخَذَةِ "وَاَللَّه غَفُور" لَهُمْ "رَحِيم" بِهِمْ فِي التَّوْسِعَة فِي ذَلِكَ




92
وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ

"وَلَا عَلَى الَّذِينَ إذَا مَا أَتَوْك لِتَحْمِلهُمْ" مَعَك إلَى الْغَزْو وَهُمْ سَبْعَة مِنْ الْأَنْصَار وَقِيلَ بَنُو مُقْرِن "قُلْت لَا أَجِد مَا أَحْمِلكُمْ عَلَيْهِ" حَال "تَوَلَّوْا" جَوَاب إذَا أَيْ انْصَرَفُوا "وَأَعْيُنهمْ تَفِيض" تَسِيل "مِنْ" لِلْبَيَانِ "الدَّمْع حَزَنًا" لِأَجْلِ "أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ" فِي الْجِهَاد




93
إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ

"إنَّمَا السَّبِيل عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَك" فِي التَّخَلُّف "وَهُمْ أَغْنِيَاء رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِف وَطَبَعَ اللَّه عَلَى قُلُوبهمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ" تَقَدَّمَ مِثْله




94
يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ

"يَعْتَذِرُونَ إلَيْكُمْ" فِي التَّخَلُّف "إذَا رَجَعْتُمْ إلَيْهِمْ" مِنْ الْغَزْو "قُلْ" لَهُمْ "لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِن لَكُمْ" نُصَدِّقكُمْ "قَدْ نَبَّأَنَا اللَّه مِنْ أَخْبَاركُمْ" أَيْ أَخْبَرَنَا بِأَحْوَالِكُمْ "وَسَيَرَى اللَّه عَمَلكُمْ وَرَسُوله ثُمَّ تُرَدُّونَ" بِالْبَعْثِ "إلَى عَالِم الْغَيْب وَالشَّهَادَة" أَيْ اللَّه "فَيُنَبِّئكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ" فَيُجَازِيكُمْ عَلَيْهِ




95
سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ

"سَيَحْلِفُونَ بِاَللَّهِ لَكُمْ إذَا انْقَلَبْتُمْ" رَجَعْتُمْ "إلَيْهِمْ" مِنْ تَبُوك أَنَّهُمْ مَعْذُورُونَ فِي التَّخَلُّف "لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ" بِتَرْكِ الْمُعَاتَبَة "فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إنَّهُمْ رِجْس" قَذَر لِخُبْثِ بَاطِنهمْ




96
يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ

"يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّه لَا يَرْضَى عَنْ الْقَوْم الْفَاسِقِينَ" أَيْ عَنْهُمْ وَلَا يَنْفَع رِضَاكُمْ مَعَ سَخَط اللَّه





97
الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ

"الْأَعْرَاب" أَهْل الْبَدْو "أَشَدّ كُفْرًا وَنِفَاقًا" مِنْ أَهْل الْمُدُن لِجَفَائِهِمْ وَغِلَظ طِبَاعهمْ وَبُعْدهمْ عَنْ سَمَاع الْقُرْآن "وَأَجْدَر" أَوْلَى "أَن" أَيْ بِأَنْ "لَا يَعْلَمُوا حُدُود مَا أَنْزَلَ اللَّه عَلَى رَسُوله" مِنْ الْأَحْكَام وَالشَّرَائِع "وَاَللَّه عَلِيم" بِخَلْقِهِ "حَكِيم" فِي صُنْعه بِهِمْ



98
وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ

"وَمِنْ الْأَعْرَاب مَنْ يَتَّخِذ مَا يُنْفِق" فِي سَبِيل اللَّه "مَغْرَمًا" غَرَامَة وَخُسْرَانًا لِأَنَّهُ لَا يَرْجُو ثَوَابه بَلْ يُنْفِقهُ خَوْفًا وَهُمْ بَنُو أَسَد وَغَطَفَان "وَيَتَرَبَّص" يَنْتَظِر "بِكُمْ الدَّوَائِر" دَوَائِر الزَّمَان أَنْ تَنْقَلِب عَلَيْكُمْ فَيَتَخَلَّص "عَلَيْهِمْ دَائِرَة السُّوء" بِالضَّمِّ وَالْفَتْح أَيْ يَدُور الْعَذَاب وَالْهَلَاك عَلَيْهِمْ لَا عَلَيْكُمْ "وَاَللَّه سَمِيع" لِأَقْوَالِ عِبَاده "عَلِيم" بِأَفْعَالِهِمْ




99
وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ

"وَمِنْ الْأَعْرَاب مَنْ يُؤْمِن بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر" كَجُهَيْنَة وَمُزَيْنَةَ "وَيَتَّخِذ مَا يُنْفِق" فِي سَبِيل اللَّه "قُرُبَات" تُقَرِّبهُ "عِنْد اللَّه" وَسِيلَة إلَى "وَصَلَوَات" دَعَوَات "الرَّسُول" لَهُ "أَلَا إنَّهَا" أَيْ نَفَقَتهمْ "قُرْبَة" بِضَمِّ الرَّاء وَسُكُونهَا "لَهُمْ" عِنْده "سَيُدْخِلُهُمْ اللَّه فِي رَحْمَته" جَنَّته "إنَّ اللَّه غَفُور" لِأَهْلِ طَاعَته "رَحِيم" بِهِمْ




100
وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ

"وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَار" وَهُمْ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا أَوْ جَمِيع الصَّحَابَة "وَاَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ" إلَى يَوْم الْقِيَامَة "بِإِحْسَانٍ" فِي الْعَمَل "رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ" بِطَاعَتِهِ "وَرَضُوا عَنْهُ" بِثَوَابِهِ "وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّات تَجْرِي تَحْتهَا الْأَنْهَار" وَفِي قِرَاءَة بِزِيَادَةِ مِنْ





101
وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ

"وَمِمَّنْ حَوْلكُمْ" يَا أَهْل الْمَدِينَة "مِنْ الْأَعْرَاب مُنَافِقُونَ" كَأَسْلَم وَأَشْجَع وَغِفَار "وَمِنْ أَهْل الْمَدِينَة" مُنَافِقُونَ أَيْضًا "مَرَدُوا عَلَى النِّفَاق" لَجُّوا فِيهِ وَاسْتَمَرُّوا "لَا تَعْلَمهُمْ" بِالْفَضِيحَةِ أَوْ الْقَتْل فِي الدُّنْيَا وَعَذَاب الْقَبْر " ثُمَّ يُرَدُّونَ" فِي الْآخِرَة "إلَى عَذَاب عَظِيم" هُوَ النَّار




102
وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ

"و" قَوْم "آخَرُونَ" مُبْتَدَأ "اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ" مِنْ التَّخَلُّف نَعْته وَالْخَبَر "خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا" وَهُوَ جِهَادهمْ قَبْل ذَلِكَ أَوْ اعْتِرَافهمْ بِذُنُوبِهِمْ أَوْ غَيْر ذَلِكَ "وَآخَر سَيِّئًا" وَهُوَ تَخَلُّفهمْ "عَسَى اللَّه أَنْ يَتُوب عَلَيْهِمْ إنَّ اللَّه غَفُور رَحِيم" نَزَلَتْ فِي أَبِي لُبَابَة وَجَمَاعَة أَوْثَقُوا أَنْفُسهمْ فِي سَوَارِي الْمَسْجِد لَمَّا بَلَغَهُمْ مَا نَزَلَ فِي الْمُتَخَلِّفِينَ وَحَلَفُوا لَا يُحِلّهُمْ إلَّا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَلَّهُمْ لَمَّا نَزَلَتْ





103
خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ

"خُذْ مِنْ أَمْوَالهمْ صَدَقَة تُطَهِّرهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا" مِنْ ذُنُوبهمْ فَأَخَذَ ثُلُث أَمْوَالهمْ وَتَصَدَّقَ بِهَا "وَصَلِّ عَلَيْهِمْ" أَيْ اُدْعُ لَهُمْ "إنَّ صَلَاتك سَكَن لَهُمْ" رَحْمَة وَقِيلَ طُمَأْنِينَة بِقَبُولِ تَوْبَتهمْ




104
أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ

"أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّه هُوَ يَقْبَل التَّوْبَة عَنْ عِبَاده وَيَأْخُذ" يَقْبَل وَالِاسْتِفْهَام لِلتَّقْرِيرِ وَالْقَصْد بِهِ هُوَ تَهْيِيجهمْ إلَى التَّوْبَة وَالصَّدَقَة "الصَّدَقَات وَأَنَّ اللَّه هُوَ التَّوَّاب" عَلَى عِبَاده بِقَبُولِ تَوْبَتهمْ "الرَّحِيم" بِهِمْ




105
وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ

"وَقُلْ" لَهُمْ أَوْ لِلنَّاسِ "اعْمَلُوا" مَا شِئْتُمْ "فَسَيَرَى اللَّه عَمَلكُمْ وَرَسُوله وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ" بِالْبَعْثِ "إلَى عَالِم الْغَيْب وَالشَّهَادَة" أَيْ اللَّه "فَيُنَبِّئكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ" فَيُجَازِيكُمْ بِهِ




106
وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ

"وَآخَرُونَ" مِنْ الْمُتَخَلِّفِينَ "مُرْجَئُونَ" بِالْهَمْزِ وَتَرْكه : مُؤَخَّرُونَ عَنْ التَّوْبَة "لِأَمْرِ اللَّه" فِيهِمْ بِمَا يَشَاء "إمَّا يُعَذِّبهُمْ" بِأَنْ يُمِيتهُمْ بِلَا تَوْبَة "وَإِمَّا يَتُوب عَلَيْهِمْ وَاَللَّه عَلِيم" بِخَلْقِهِ "حَكِيم" فِي صُنْعه بِهِمْ وَهُمْ الثَّلَاثَة الْآتُونَ بَعْد : مَرَارَة بْن الرَّبِيع وَكَعْب بْن مَالِك وَهِلَال بْن أُمَيَّة تَخَلَّفُوا كَسَلًا وَمَيْلًا إلَى الدَّعَة لَا نِفَاقًا وَلَمْ يَعْتَذِرُوا إلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَغَيْرِهِمْ فَوَقَفَ أَمْرهمْ خَمْسِينَ لَيْلَة وَهَجَرَهُمْ النَّاس حَتَّى نَزَلَتْ تَوْبَتهمْ بَعْد




107
وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ

"و" مِنْهُمْ "الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا" وَهُمْ اثْنَا عَشَرَ مِنْ الْمُنَافِقِينَ "ضِرَارًا" مُضَارَّة لِأَهْلِ مَسْجِد قُبَاءَ "وَكُفْرًا" لِأَنَّهُمْ بَنَوْهُ بِأَمْرِ أَبِي عَامِر الرَّاهِب لِيَكُونَ مَعْقِلًا لَهُ يَقْدُم فِيهِ مَنْ يَأْتِي مِنْ عِنْده وَكَانَ ذَهَبَ لِيَأْتِيَ بِجُنُودٍ مِنْ قَيْصَر لِقِتَالِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "وَتَفْرِيقًا بَيْن الْمُؤْمِنِينَ" الَّذِينَ يُصَلُّونَ بِقُبَاءَ بِصَلَاةِ بَعْضهمْ فِي مَسْجِدهمْ "وَإِرْصَادًا" تَرَقُّبًا "لِمَنْ حَارَبَ اللَّه وَرَسُوله مِنْ قَبْل" أَيْ قَبْل بِنَائِهِ وَهُوَ أَبُو عَامِر الْمَذْكُور "وَلَيَحْلِفُنَّ إنْ" مَا "أَرَدْنَا" بِبِنَائِهِ "إلَّا" الْفِعْلَة "الْحُسْنَى" مِنْ الرِّفْق بِالْمِسْكِينِ فِي الْمَطَر وَالْحَرّ وَالتَّوْسِعَة عَلَى الْمُسْلِمِينَ "وَاَللَّه يَشْهَد إنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ" فِي ذَلِكَ وَكَانُوا سَأَلُوا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُصَلِّي فِيهِ فَنَزَلَ





108
لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ

"لَا تَقُمْ" تُصَلِّ "فِيهِ أَبَدًا" فَأَرْسَلَ جَمَاعَة هَدَمُوهُ وَحَرَّقُوهُ وَجَعَلُوا مَكَانه كُنَاسَة تُلْقَى فِيهَا الْجِيَف "لَمَسْجِد أُسِّسَ" بُنِيَتْ قَوَاعِده "عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّل يَوْم" وُضِعَ يَوْم حَلَلْت بِدَارِ الْهِجْرَة وَهُوَ مَسْجِد قُبَاءَ كَمَا فِي الْبُخَارِيّ "أَحَقّ" مِنْهُ "أَنْ" أَيْ بِأَنْ "تَقُوم" تُصَلِّي "فِيهِ فِيهِ رِجَال" هُمْ الْأَنْصَار "يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاَللَّه يُحِبّ الْمُطَّهِّرِينَ" أَيْ يُثِيبهُمْ فِيهِ إدْغَام التَّاء فِي الْأَصْل فِي الطَّاء رَوَى ابْن خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحه عَنْ عُوَيْمِر بْن سَاعِدَة : "أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَاهُمْ فِي مَسْجِد قُبَاءَ فَقَالَ : إنَّ اللَّه تَعَالَى قَدْ أَحْسَنَ عَلَيْكُمْ الثَّنَاء فِي الطَّهُور فِي قِصَّة مَسْجِدكُمْ فَمَا هَذَا الطَّهُور الَّذِي تَطَّهَّرُونَ بِهِ ؟ قَالُوا : وَاَللَّه يَا رَسُول اللَّه مَا نَعْلَم شَيْئًا إلَّا أَنَّهُ كَانَ لَنَا جِيرَان مِنْ الْيَهُود وَكَانُوا يَغْسِلُونَ أَدْبَارهمْ مِنْ الْغَائِط فَغَسَلْنَا كَمَا غَسَلُوا" وَفِي حَدِيث رَوَاهُ الْبَزَّار فَقَالُوا نَتْبَع الْحِجَارَة بِالْمَاءِ "فَقَالَ هُوَ ذَاكَ فَعَلَيْكُمُوهُ"




109
أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ

"أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانه عَلَى تَقْوَى" مَخَافَة "مِنْ اللَّه وَ" رَجَاء "رِضْوَان" مِنْهُ "خَيْر أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانه عَلَى شَفَا" طَرَف "جُرُف" بِضَمِّ الرَّاء وَسُكُونهَا جَانِب "هَار" مُشْرِف عَلَى السُّقُوط "فَانْهَارَ بِهِ" سَقَطَ مَعَ بَانِيه "فِي نَار جَهَنَّم" خَيْر تَمْثِيل لِلْبِنَاءِ عَلَى ضِدّ التَّقْوَى بِمَا يُؤَوَّل إلَيْهِ وَالِاسْتِفْهَام لِلتَّقْرِيرِ أَيْ الْأَوَّل خَيْر وَهُوَ مِثَال مَسْجِد قُبَاءَ وَالثَّانِي مِثَال مَسْجِد الضِّرَار






110
لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ

"لَا يَزَال بُنْيَانُهُمْ الَّذِي بَنَوْا رِيبَة" شَكًّا "فِي قُلُوبهمْ إلَّا أَنْ تَقَطَّعَ" تَنْفَصِل "قُلُوبهمْ" بِأَنْ يَمُوتُوا "وَاَللَّه عَلِيم" بِخَلْقِهِ "حَكِيم" فِي صُنْعه بِهِمْ




111
إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ

"إنَّ اللَّه اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسهمْ وَأَمْوَالهمْ" بِأَنْ يَبْذُلُوهَا فِي طَاعَته كَالْجِهَادِ "بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّة يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيل اللَّه فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ" جُمْلَة اسْتِئْنَاف بَيَان لِلشِّرَاءِ وَفِي قِرَاءَة بِتَقْدِيمِ الْمَبْنِيّ لِلْمَفْعُولِ أَيْ فَيُقْتَل بَعْضهمْ وَيُقَاتِل الْبَاقِي "وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا" مَصْدَرَانِ مَنْصُوبَانِ بِفِعْلِهِمَا الْمَحْذُوف "فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَالْقُرْآن وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنْ اللَّه" أَيْ لَا أَحَد أَوْفَى مِنْهُ "فَاسْتَبْشِرُوا" فِيهِ الْتِفَات عَنْ الْغَيْبَة "بِبَيْعِكُمْ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِك" الْبَيْع "هُوَ الْفَوْز الْعَظِيم" الْمُنِيل غَايَة الْمَطْلُوب





112
التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ

"التَّائِبُونَ" رُفِعَ عَلَى الْمَدْح بِتَقْدِيرِ مُبْتَدَأ مِنْ الشِّرْك وَالنِّفَاق "الْعَابِدُونَ" الْمُخْلِصُونَ الْعِبَادَة لِلَّهِ "الْحَامِدُونَ" لَهُ عَلَى كُلّ حَال "السَّائِحُونَ" الصَّائِمُونَ "الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ" أَيْ الْمُصَلُّونَ "الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنْ الْمُنْكَر وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّه" لِأَحْكَامِهِ بِالْعَمَلِ بِهَا "وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ" بِالْجَنَّةِ




113
مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ

وَنَزَلَ فِي اسْتِغْفَاره صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَمِّهِ أَبِي طَالِب اسْتِغْفَار بَعْض الصَّحَابَة لِأَبَوَيْهِ الْمُشْرِكَيْنِ "مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَاَلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى" ذَوِي قُرْبَى "مِنْ بَعْد مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَاب الْجَحِيم" النَّار بِأَنْ مَاتُوا عَلَى الْكُفْر



114
وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ

"وَمَا كَانَ اسْتِغْفَار إبْرَاهِيم لِأَبِيهِ إلَّا عَنْ مَوْعِدَة وَعَدَهَا إيَّاهُ" بِقَوْلِهِ "سَأَسْتَغْفِرُ لَك رَبِّي" رَجَاء أَنْ يُسْلِم "فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوّ لِلَّهِ" بِمَوْتِهِ عَلَى الْكُفْر "تَبَرَّأَ مِنْهُ" وَتَرَكَ الِاسْتِغْفَار لَهُ "إنَّ إبْرَاهِيم لَأَوَّاه" كَثِير التَّضَرُّع وَالدُّعَاء "حَلِيم" صَبُور عَلَى الْأَذَى




115
وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ

"وَمَا كَانَ اللَّه لِيُضِلّ قَوْمًا بَعْد إذْ هَدَاهُمْ" لِلْإِسْلَامِ "حَتَّى يُبَيِّن لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ" مِنْ الْعَمَل فَلَا يَتَّقُوهُ فَيَسْتَحِقُّوا الْإِضْلَال "إنَّ اللَّه بِكُلِّ شَيْء عَلِيم" وَمِنْهُ مُسْتَحِقّ الْإِضْلَال وَالْهِدَايَة




116
إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ

"إنَّ اللَّه لَهُ مُلْك السَّمَوَات وَالْأَرْض يُحْيِي وَيُمِيت وَمَا لَكُمْ" أَيّهَا النَّاس "مِنْ دُون اللَّه" أَيْ غَيْره "مِنْ وَلِيّ" يَحْفَظكُمْ مِنْهُ "وَلَا نَصِير" يَمْنَعكُمْ عَنْ ضَرَره




117
لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ

"لَقَدْ تَابَ اللَّه" أَيْ أَدَامَ تَوْبَته "عَلَى النَّبِيّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَار الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَة الْعُسْرَة" أَيْ وَقْتهَا وَهِيَ حَالهمْ فِي غَزْوَة تَبُوك كَانَ الرَّجُلَانِ يَقْتَسِمَانِ تَمْرَة وَالْعَشَرَة يَعْتَقِبُونَ الْبَعِير الْوَاحِد وَاشْتَدَّ الْحَرّ حَتَّى شَرِبُوا الْفَرْث "مِنْ بَعْد مَا كَادَ يَزِيغ" بِالتَّاءِ وَالْيَاء تَمِيل "قُلُوب فَرِيق مِنْهُمْ" عَنْ اتِّبَاعه إلَى التَّخَلُّف لِمَا هُمْ فِيهِ مِنْ الشِّدَّة "ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ" بِالثَّبَاتِ




118
وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ

"وَ" تَابَ "عَلَى الثَّلَاثَة الَّذِينَ خُلِّفُوا" عَنْ التَّوْبَة عَلَيْهِمْ بِقَرِينَةِ "حَتَّى إذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمْ الْأَرْض بِمَا رَحُبَتْ" أَيْ مَعَ رَحْبهَا أَيْ سِعَتهَا فَلَا يَجِدُونَ مَكَانًا يَطْمَئِنُّونَ إلَيْهِ "وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسهمْ" قُلُوبهمْ لِلْغَمِّ وَالْوَحْشَة بِتَأْخِيرِ تَوْبَتهمْ فَلَا يَسَعهَا سُرُور وَلَا أُنْس "وَظَنُّوا" أَيْقَنُوا "أَنْ" مُخَفَّفَة "لَا مَلْجَأ مِنْ اللَّه إلَّا إلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ" وَفَّقَهُمْ لِلتَّوْبَةِ




119
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ

"يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّه" بِتَرْكِ مَعَاصِيه "وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِين" فِي الْإِيمَان وَالْعُهُود بِأَنْ تَلْزَمُوا الصِّدْق



120
مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ

"مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَة وَمَنْ حَوْلهمْ مِنْ الْأَعْرَاب أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُول اللَّه" إذَا غَزَا "وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسه" بِأَنْ يَصُونُوهَا عَمَّا رَضِيَهُ لِنَفْسِهِ مِنْ الشَّدَائِد وَهُوَ نَهْي بِلَفْظِ الْخَبَر "ذَلِكَ" أَيْ النَّهْي عَنْ التَّخَلُّف" "بِأَنَّهُمْ" بِسَبَبِ أَنَّهُمْ "لَا يُصِيبهُمْ ظَمَأ" عَطَش "وَلَا نَصَب" تَعَب "وَلَا مَخْمَصَة" جُوع "فِي سَبِيل اللَّه وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا" مَصْدَر بِمَعْنَى وَطْئًا "يَغِيظ" يُغْضِب "الْكُفَّار وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوّ" لِلَّهِ "نَيْلًا" قَتْلًا أَوْ أَسْرًا أَوْ نَهْبًا "إلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَل صَالِح" لِيُجَازَوْا عَلَيْهِ "إنَّ اللَّه لَا يُضِيع أَجْر الْمُحْسِنِينَ" أَيْ أَجْرهمْ بَلْ يُثِيبهُمْ





121
وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ

"وَلَا يُنْفِقُونَ" فِيهِ "نَفَقَة صَغِيرَة" وَلَوْ تَمْرَة "وَلَا كَبِيرَة وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا" بِالسَّيْرِ "إلَّا كُتِبَ لَهُمْ" بِهِ عَمَل صَالِح "لِيَجْزِيَهُمْ اللَّه أَحْسَن مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ" أَيْ جَزَاءَهُمْ




122
وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ

وَلَمَّا وُبِّخُوا عَلَى التَّخَلُّف وَأَرْسَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَرِيَّة نَفَرُوا جَمِيعًا فَنَزَلَ "وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا" إلَى الْغَزْو "كَافَّة فَلَوْلَا" فَهَلَّا "نَفَرَ مِنْ كُلّ فِرْقَة" قَبِيلَة "مِنْهُمْ طَائِفَة" جَمَاعَة وَمَكَثَ الْبَاقُونَ "لِيَتَفَقَّهُوا" أَيْ الْمَاكِثُونَ "فِي الدِّين وَلِيُنْذِرُوا قَوْمهمْ إذَا رَجَعُوا إلَيْهِمْ" مِنْ الْغَزْو بِتَعْلِيمِهِمْ مَا تَعَلَّمُوهُ مِنْ الْأَحْكَام "لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ" عِقَاب اللَّه بِامْتِثَالِ أَمْره وَنَهْيه قَالَ ابْن عَبَّاس فَهَذِهِ مَخْصُوصَة بِالسَّرَايَا وَاَلَّتِي قَبْلهَا بِالنَّهْيِ عَنْ تَخَلُّف وَاحِد فِيمَا إذَا خَرَجَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ




123
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ

"يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنْ الْكُفَّار" أَيْ الْأَقْرَب فَالْأَقْرَب مِنْهُمْ "وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَة" شِدَّة أَيْ أَغْلِظُوا عَلَيْهِمْ "وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّه مَعَ الْمُتَّقِينَ" بِالْعَوْنِ وَالنَّصْر




124
وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ

"وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَة" مِنْ الْقُرْآن "فَمِنْهُمْ" أَيْ الْمُنَافِقِينَ "مَنْ يَقُول" لِأَصْحَابِهِ اسْتِهْزَاء "أَيّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إيمَانًا" تَصْدِيقًا "فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إيمَانًا" لِتَصْدِيقِهِمْ بِهَا "وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ" يَفْرَحُونَ بِهَا




125
وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ

"وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبهمْ مَرَض" ضَعْف اعْتِقَاد "فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إلَى رِجْسهمْ" كُفْرًا إلَى كُفْرهمْ لِكُفْرِهِمْ بِهَا




126
أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ

"أَوَلَا يَرَوْنَ" بِالْيَاءِ أَيْ الْمُنَافِقُونَ وَالتَّاء أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ "أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ" يُبْتَلَوْنَ "فِي كُلّ عَام مَرَّة أَوْ مَرَّتَيْنِ" بِالْقَحْطِ وَالْأَمْرَاض "ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ" مِنْ نِفَاقهمْ "وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ" يَتَّعِظُونَ




127
وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ

وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَة" فِيهَا ذِكْرهمْ وَقَرَأَهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "نَظَرَ بَعْضهمْ إلَى بَعْض" يُرِيدُونَ الْهَرَب يَقُولُونَ : "هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَد" إذَا قُمْتُمْ فَإِنْ لَمْ يَرَهُمْ أَحَد قَامُوا وَإِلَّا ثَبَتُوا "ثُمَّ انْصَرَفُوا" عَلَى كُفْرهمْ "صَرَفَ اللَّه قُلُوبهمْ" عَنْ الْهُدَى "بِأَنَّهُمْ قَوْم لَا يَفْقَهُونَ" الْحَقّ لِعَدَمِ تَدَبُّرهمْ





128
لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ

"لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُول مِنْ أَنْفُسكُمْ" أَيْ مِنْكُمْ : مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "عَزِيز" شَدِيد "عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ" أَيْ عَنَتكُمْ أَيْ مَشَقَّتكُمْ وَلِقَاؤُكُمْ الْمَكْرُوه "حَرِيص عَلَيْكُمْ" أَنْ تَهْتَدُوا "بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوف" شَدِيد الرَّحْمَة "رَحِيم" يُرِيد لَهُمْ الْخَيْر




129
فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ

"فَإِنْ تَوَلَّوْا" عَنْ الْإِيمَان بِك "فَقُلْ حَسْبِي اللَّه" كَافِي "لَا إلَه إلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْت" بِهِ وَثِقْت لَا بِغَيْرِهِ "وَهُوَ رَبّ الْعَرْش" الْكُرْسِيّ "الْعَظِيم" خَصَّهُ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُ أَعْظَم الْمَخْلُوقَات وَرَوَى الْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرَك عَنْ أُبَيّ بْن كَعْب قَالَ : آخِر آيَة نَزَلَتْ "لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُول" إلَى آخِر السُّورَة





تم بحـــــمدالله ختـــــم تفســـــير ســــورة التــــوبة


توقيع HecT000R :





انا مشــً فارســ ولا فتٌى احلامــ ،، انا زحمةِ و ربكٌة و شغلــ جنانًــ
نصى بيضحكَــ و التانى زعلانًــ ،، انا شيخً_فلتانُــ
طيبــ شرير و جرئ و جبانًـ ،، اوقاتــ مشرقٌــ ،، و اوقاتــ بهتانـ
و ساعاتــ سلمُــ ،، و ساعاتــ تعبانًــ ،، مفترى جداً ،، و كمانًــ غلبانــ


رد مع اقتباس
إضافة رد


يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 زائر)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى الردود آخر مشاركة
القرآن الكريم كاملا بصوت القارئ فارس عباد - صوت عذب جداا Positive21 القـسـم الإسـلامـى الـعـام 2 26-06-2015 06:41 PM
القرأن الكريم كاملا باصوات منوعة ومختلفة ( ملف شامل )... حمل ما تريد...ارجو التثبيت Love Silk Road القـسـم الإسـلامـى الـعـام 0 22-09-2009 02:36 AM
اسطوانه القرآن الكريم كاملا بصوت الشيخ محمد جبريل كامل MeZo.Sadly القـسـم الإسـلامـى الـعـام 2 01-07-2009 12:11 PM
القرآن الكريم كاملا بصوت الشيخ عبد الباسط عبد الصمد (تجويد) بحجم 525 ميجا محسن الكاشف القـسـم الإسـلامـى الـعـام 4 29-06-2009 11:46 AM


الساعة الآن 01:04 AM.