|
|
#11 | ||||||||||
![]()
|
سُورَة الْأَعْرَاف [ مَكِّيَّة إلَّا مِنْ آيَة 163 لِغَايَةِ 170 فَمَدَنِيَّة وَآيَاتهَا 205 أَوْ 206 نَزَلَتْ بَعْد ص ] "المص" اللَّه أَعْلَم بِمُرَادِهِ بِذَلِكَ 2 كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ هَذَا "كِتَاب أُنْزِلَ إلَيْك" خِطَاب لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرك حَرَج" ضِيق "مِنْهُ" أَنْ تُبَلِّغهُ مَخَافَة أَنْ تُكَذَّب "لِتُنْذِر" مُتَعَلِّق بِأُنْزِلَ أَيْ لِلْإِنْذَارِ "بِهِ وَذِكْرَى" تَذْكِرَة "لِلْمُؤْمِنِينَ" بِهِ 3 اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ قُلْ لَهُمْ "اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إلَيْكُمْ مِنْ رَبّكُمْ" أَيْ الْقُرْآن "وَلَا تَتَّبِعُوا" تَتَّخِذُوا "مِنْ دُونه" أَيْ اللَّه أَيْ غَيْره "أَوْلِيَاء" تُطِيعُونَهُمْ فِي مَعْصِيَته تَعَالَى "قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ" بِالتَّاءِ وَالْيَاء تَتَّعِظُونَ وَفِيهِ إدْغَام التَّاء فِي الْأَصْل فِي الذَّال وَفِي قِرَاءَة بِسُكُونِهَا وَمَا زَائِدَة لِتَأْكِيدِ الْقِلَّة 4 وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ "وَكَمْ" خَبَرِيَّة مَفْعُول "مِنْ قَرْيَة" أُرِيدَ أَهْلهَا "أَهْلَكْنَاهَا" أَرَدْنَا إهْلَاكهَا "فَجَاءَهَا بَأْسنَا" عَذَابنَا "بَيَاتًا" لَيْلًا "أَوْ هُمْ قَائِلُونَ" نَائِمُونَ بِالظَّهِيرَةِ وَالْقَيْلُولَة اسْتِرَاحَة نِصْف النَّهَار وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا نَوْم أَيْ مَرَّة جَاءَهَا لَيْلًا وَمَرَّة جَاءَهَا نَهَارًا 5 فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ " قَوْله " فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ " أَيْ فَمَا كَانَ قَوْلهمْ عِنْد مَجِيء الْعَذَاب إِلَّا أَنْ اِعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ وَأَنَّهُمْ حَقِيقُونَ بِهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى " وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَة كَانَتْ ظَالِمَة - إِلَى قَوْله - خَامِدِينَ " قَالَ اِبْن جَرِير : فِي هَذِهِ الْآيَة الدَّلَالَة الْوَاضِحَة عَلَى صِحَّة مَا جَاءَتْ بِهِ الرِّوَايَة عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَوْله " مَا هَلَكَ قَوْم حَتَّى يُعْذِرُوا مِنْ أَنْفُسهمْ" حَدَّثَنَا بِذَلِكَ اِبْن حُمَيْد حَدَّثَنَا جَرِير عَنْ أَبِي سِنَان عَنْ عَبْد الْمَلِك بْن مَيْسَرَة الزَّرَّاد قَالَ : قَالَ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" مَا هَلَكَ قَوْم حَتَّى يُعْذَرُوا مِنْ أَنْفُسهمْ " قَالَ : قُلْت لِعَبْدِ الْمَلِك كَيْف يَكُون ذَاكَ قَالَ فَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَة" فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ " . 6 فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ "فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ" أَيْ الْأُمَم عَنْ إجَابَتهمْ الرُّسُل وَعَمَلهمْ فِيمَا بَلَغَهُمْ "وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ" عَنْ الْإِبْلَاغ 7 فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ "فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ" لَنُخْبِرَنَّهُمْ عَنْ عِلْم بِمَا فَعَلُوهُ "وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ" عَنْ إبْلَاغ الرُّسُل وَالْأُمَم الْخَالِيَة فِيمَا عَمِلُوا 8 وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ "وَالْوَزْن" لِلْأَعْمَالِ أَوْ لِصَحَائِفِهَا بِمِيزَانٍ لَهُ لِسَان وَكَفَّتَانِ كَمَا وَرَدَ فِي حَدِيث كَائِن "يَوْمئِذٍ" أَيْ يَوْم السُّؤَال الْمَذْكُور وَهُوَ يَوْم الْقِيَامَة "الْحَقّ" الْعَدْل صِفَة الْوَزْن "فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينه" بِالْحَسَنَاتِ "فَأُولَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ" الْفَائِزُونَ 9 وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ "وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينه" بِالسَّيِّئَاتِ "فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسهمْ" بِتَصْيِيرِهَا إلَى النَّار "بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ" يَجْحَدُونَ 10 وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ "وَلَقَدْ مَكَّنَاكُمْ" يَا بَنِي آدَم "فِي الْأَرْض وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِش" بِالْيَاءِ أَسْبَابًا تَعِيشُونَ بِهَا جَمْع مَعِيشَة "قَلِيلًا مَا" لِتَأْكِيدِ الْقِلَّة "تَشْكُرُونَ" عَلَى ذَلِك 11 وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ "وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ" أَيْ أَبَاكُمْ آدَم "ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ" أَيْ صَوَّرْنَاهُ وَأَنْتُمْ فِي ظَهْره "ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَم" سُجُود تَحِيَّة بِالِانْحِنَاءِ "فَسَجَدُوا إلَّا إبْلِيس" أَبَا الْجِنّ كَانَ بَيْن الْمَلَائِكَة 12 قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ "قَالَ" تَعَالَى "مَا مَنَعَك أَلَّا" أَنْ لَا : لَا زَائِدَة "تَسْجُد إذْ" حِين 13 قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ "قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا" أَيْ مِنْ الْجَنَّة وَقِيلَ مِنْ السَّمَاوَات "فَمَا يَكُون" يَنْبَغِي "لَك أَنْ تَتَكَبَّر فِيهَا فَاخْرُجْ" مِنْهَا "إنَّك مِنْ الصَّاغِرِينَ" الذَّلِيلِينَ 14 قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ "قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا" أَيْ مِنْ الْجَنَّة وَقِيلَ مِنْ السَّمَاوَات "فَمَا يَكُون" يَنْبَغِي "لَك أَنْ تَتَكَبَّر فِيهَا فَاخْرُجْ" مِنْهَا "إنَّك مِنْ الصَّاغِرِينَ" الذَّلِيلِينَ 15 قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ "قَالَ إنَّك مِنْ الْمُنْظَرِينَ" وَفِي آيَة أُخْرَى "إلَى يَوْم الْوَقْت الْمَعْلُوم" أَيْ يَوْم النَّفْخَة الْأُولَى 16 قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ "قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتنِي" أَيْ بِإِغْوَائِك لِي وَالْبَاء لِلْقَسَمِ وَجَوَابه "لَأَقْعُدَنّ لَهُمْ" أَيْ لِبَنِي آدَم "صِرَاطك الْمُسْتَقِيم" أَيْ عَلَى الطَّرِيق الْمُوصِل إلَيْك 17 ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ "ثُمَّ لَآتِيَنهمْ مِنْ بَيْن أَيْدِيهمْ وَمِنْ خَلْفهمْ وَعَنْ أَيْمَانهمْ وَعَنْ شَمَائِلهمْ" أَيْ مِنْ كُلّ جِهَة فَأَمْنَعهُمْ عَنْ سُلُوكه قَالَ ابْن عَبَّاس وَلَا يَسْتَطِيع أَنْ يَأْتِي مِنْ فَوْقهمْ لِئَلَّا يَحُول بَيْن الْعَبْد وَبَيْن رَحْمَة اللَّه تَعَالَى "وَلَا تَجِد أَكْثَرهمْ شَاكِرِينَ" مُؤْمِنِينَ 18 قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ "قَالَ اُخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا" بِالْهَمْزَةِ مُعَيَّبًا أَوْ مَمْقُوتًا "مَدْحُورًا" مُبْعَدًا عَنْ الرَّحْمَة "لَمَنْ تَبِعَك مِنْهُمْ" مِنْ النَّاس وَاللَّام لِلِابْتِدَاءِ أَوْ مُوَطِّئَة لِلْقَسَمِ وَهُوَ "لَأَمْلَأَن جَهَنَّم مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ" أَيْ مِنْك بِذُرِّيَّتِك وَمِنْ النَّاس وَفِيهِ تَغْلِيب الْحَاضِر عَلَى الْغَائِب وَفِي الْجُمْلَة مَعْنَى جَزَاء مِنْ الشَّرْطِيَّة أَيْ مَنْ تَبِعَك أُعَذِّبهُ 19 وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ "و" قَالَ "يَا آدَم اُسْكُنْ أَنْتَ" تَأْكِيد لِلضَّمِيرِ فِي اُسْكُنْ لِيَعْطِف عَلَيْهِ "وَزَوْجك" حَوَّاء بِالْمَدِّ "الْجَنَّة فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَة" بِالْأَكْلِ مِنْهَا وَهِيَ الْحِنْطَة 20 فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ "فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَان" إبْلِيس "لِيُبْدِيَ" يُظْهِر "لَهُمَا مَا وُرِيَ" فَوُعِلَ مِنْ الْمُوَارَاة "عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتهمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَة إلَّا" كَرَاهَة "أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ" وَقُرِئَ بِكَسْرِ اللَّام "أَوْ تَكُونَا مِنْ الْخَالِدِينَ" أَيْ وَذَلِكَ لَازِم عَنْ الْأَكْل مِنْهَا كَمَا فِي آيَة أُخْرَى "هَلْ أَدُلّك عَلَى شَجَرَة الْخُلْد وَمُلْك لَا يَبْلَى" 21 وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ "وَقَاسَمَهُمَا" أَيْ أَقْسَمَ لَهُمَا بِاَللَّهِ "إنِّي لَكُمَا لَمِنْ النَّاصِحِينَ" فِي ذَلِكَ 22 فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ "فَدَلَّاهُمَا" حَطَّهُمَا عَنْ مَنْزِلَتهمَا "بِغُرُور" مِنْهُ "فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَة" أَيْ أَكَلَا مِنْهَا "بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتهمَا" أَيْ ظَهَرَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا قُبُله وَقُبُل الْآخَر وَدُبُره وَسُمِّيَ كُلّ مِنْهَا سَوْأَة لِأَنَّ انْكِشَافه يَسُوء صَاحِبه "وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ" أَخَذَا يُلْزِقَانِ "عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَق الْجَنَّة" لِيَسْتَتِرَا بِهِ "وَنَادَاهُمَا رَبّهمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَة وَأَقُلْ لَكُمَا إنَّ الشَّيْطَان لَكُمَا عَدُوّ مُبِين" بَيِّن الْعَدَاوَة وَالِاسْتِفْهَام لِلتَّقْرِيرِ 23 قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ "قَالَا رَبّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسنَا" بِمَعْصِيَتِنَا 24 قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ "قَالَ اهْبِطُوا" أَيْ آدَم وَحَوَّاء بِمَا اشْتَمَلْتُمَا عَلَيْهِ مِنْ ذُرِّيَّتكُمَا "بَعْضكُمْ" بَعْض الذُّرِّيَّة "لِبَعْضٍ عَدُوّ" مِنْ ظُلْم بَعْضهمْ بَعْضًا "وَلَكُمْ فِي الْأَرْض مُسْتَقَرّ" أَيْ مَكَان اسْتِقْرَار "وَمَتَاع" تَمَتُّع "إلَى حِين" تَنْقَضِي فِيهِ آجَالكُمْ 25 قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ "قَالَ فِيهَا" أَيْ الْأَرْض . "تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ" بِالْبَعْثِ بِالْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ وَالْمَفْعُول 26 يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ "يَا بَنِي آدَم قَدْ أَنَزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا" أَيْ خَلَقْنَاهُ لَكُمْ "يُوَارِي" يَسْتُر "سَوْآتكُمْ وَرِيشًا" وَهُوَ مَا يُتَجَمَّل بِهِ مِنْ الثِّيَاب "وَلِبَاس التَّقْوَى" الْعَمَل الصَّالِح وَالسَّمْت الْحَسَن بِالنَّصْبِ عُطِفَ عَلَى لِبَاسًا وَالرَّفْع مُبْتَدَأ خَبَره جُمْلَة "ذَلِكَ خَيْر ذَلِكَ مِنْ آيَات اللَّه" دَلَائِل قُدْرَته "لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ" فَيُؤْمِنُونَ فِيهِ الْتِفَات عَنْ الْخِطَاب 27 يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا "يَا بَنِي آدَم لَا يَفْتِنَنكُمْ" يُضِلَّنكُمْ "الشَّيْطَان" أَيْ لَا تَتَّبِعُوهُ فَتُفْتَنُوا "كَمَا أَخَرَجَ أَبَوَيْكُمْ" بِفِتْنَتِهِ "مِنْ الْجَنَّة يَنْزِع" حَال "عَنْهُمَا لِبَاسهمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتهمَا إنَّهُ" أَيْ الشَّيْطَان "يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيله" جُنُوده "مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ" لِلطَّاقَةِ أَجْسَادهمْ أَوْ عَدَم أَلْوَانهمْ "إنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِين أَوْلِيَاء" أَعْوَانًا وَقُرَنَاء 28 وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ "وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَة" كَالشِّرْكِ وَطَوَافهمْ بِالْبَيْتِ عُرَاة قَائِلِينَ : لَا نَطُوف فِي ثِيَاب عَصَيْنَا اللَّه فِيهَا فَنُهُوا عَنْهَا "قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا" فَاقْتَدَيْنَا بِهِمْ "وَاَللَّه أَمَرَنَا بِهَا" أَيْضًا "قُلْ" لَهُمْ "إنَّ اللَّه لَا يَأْمُر بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّه مَا لَا تَعْلَمُونَ" أَنَّهُ قَالَهُ اسْتِفْهَام إنْكَار 29 قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ "قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ" بِالْعَدْلِ "وَأَقِيمُوا" مَعْطُوف عَلَى مَعْنَى بِالْقِسْطِ أَيْ قَالَ أَقْسِطُوا وَأَقِيمُوا أَوْ قَبْله فَاقْبَلُوا مُقَدَّرًا "وُجُوهكُمْ" لِلَّهِ "عِنْد كُلّ مَسْجِد" أَيْ أَخْلِصُوا لَهُ سُجُودكُمْ "وَادْعُوهُ" اُعْبُدُوهُ "مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين" مِنْ الشِّرْك "كَمَا بَدَأَكُمْ" خَلَقَكُمْ وَلَمْ تَكُونُوا شَيْئًا "تَعُودُونَ" أَيْ يُعِيدكُمْ أَحْيَاء يَوْم الْقِيَامَة 30 فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ "فَرِيقًا" مِنْكُمْ "هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمْ الضَّلَالَة إنَّهُمْ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء مِنْ دُون اللَّه" أَيْ غَيْره 31 يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ "يَا بَنِي آدَم خُذُوا زِينَتكُمْ" مَا يَسْتُر عَوْرَتكُمْ "عِنْد كُلّ مَسْجِد" عِنْد الصَّلَاة وَالطَّوَاف "وَكُلُوا وَاشْرَبُوا" مَا شِئْتُمْ 32 قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ "قُلْ" إنْكَارًا عَلَيْهِمْ "مَنْ حَرَّمَ زِينَة اللَّه الَّتِي أَخَرَجَ لِعِبَادِهِ" مِنْ اللِّبَاس "وَالطَّيِّبَات" الْمُسْتَلَذَّات "مِنْ الرِّزْق قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا" بِالِاسْتِحْقَاقِ وَإِنْ شَارَكَهُمْ فِيهَا غَيْرهمْ "خَالِصَة" خَاصَّة بِهِمْ بِالرَّفْعِ وَالنَّصْب حَال "يَوْم الْقِيَامَة كَذَلِكَ نُفَصِّل الْآيَات" نُبَيِّنهَا مِثْل ذَلِكَ التَّفْصِيل "لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ" يَتَدَبَّرُونَ فَإِنَّهُمْ الْمُنْتَفِعُونَ بِهَا 33 قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ "قُلْ إنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِش" الْكَبَائِر كَالزِّنَا "مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ" أَيْ جَهْرهَا وَسِرّهَا "وَالْإِثْم" الْمَعْصِيَة "وَالْبَغْي" عَلَى النَّاس "بِغَيْرِ الْحَقّ" وَهُوَ الظُّلْم "وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاَللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّل بِهِ" بِإِشْرَاكِهِ "سُلْطَانًا" حُجَّة "وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّه مَا لَا تَعْلَمُونَ" مِنْ تَحْرِيم مَا لَمْ يُحَرِّم وَغَيْره 34 وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ "وَلِكُلِّ أُمَّة أَجَل" مُدَّة "فَإِذَا جَاءَ أَجَلهمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ" عَنْهُ "سَاعَة وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ" عَلَيْهِ 35 يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ "يَا بَنِي آدَم إمَّا" فِيهِ إدْغَام نُون إنْ الشَّرْطِيَّة فِي مَا الْمَزِيدَة "يَأْتِيَنكُمْ رُسُل مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنْ اتَّقَى" الشِّرْك "وَأَصْلَحَ" عَمَله "فَلَا خَوْف عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ" فِي الْآخِرَة 36 يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ "وَاَلَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا" تَكَبَّرُوا "عَنْهَا" فَلَمْ يُؤْمِنُوا بِهَا 37 فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ "فَمَنْ" أَيْ لَا أَحَد "أَظْلَم مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّه كَذِبًا" بِنِسْبَةِ الشَّرِيك وَالْوَلَد إلَيْهِ "أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ" الْقُرْآن "أُولَئِكَ يَنَالهُمْ" يُصِيبهُمْ "نَصِيبهمْ" حَظّهمْ "مِنْ الْكِتَاب" مِمَّا كُتِبَ لَهُمْ فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ مِنْ الرِّزْق وَالْأَجَل وَغَيْر ذَلِكَ "حَتَّى إذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلنَا" أَيْ الْمَلَائِكَة "يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا" لَهُمْ تَبْكِيتًا "أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ" تَعْبُدُونَ "مِنْ دُون اللَّه قَالُوا ضَلُّوا" غَابُوا "عَنَّا" فَلَمْ نَرَهُمْ "وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسهمْ" عِنْد الْمَوْت 38 قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ "قَالَ" تَعَالَى لَهُمْ يَوْم الْقِيَامَة "اُدْخُلُوا فِي" جُمْلَة "أُمَم قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلكُمْ مِنْ الْجِنّ وَالْإِنْس فِي النَّار" مُتَعَلِّق بِادْخُلُوا "كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّة" النَّار "لَعَنَتْ أُخْتهَا" الَّتِي قَبْلهَا لِضَلَالِهَا بِهَا "حَتَّى إذَا ادَّارَكُوا" تَلَاحَقُوا "فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ" وَهُمْ الْأَتْبَاع "لِأُولَاهُمْ" أَيْ لِأَجِلَّائِهِمْ وَهُمْ الْمَتْبُوعُونَ "رَبّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنْ النَّار" مُضْعِفًا "قَالَ" تَعَالَى "لِكُلٍّ" مِنْكُمْ وَمِنْهُمْ "ضِعْف" عَذَاب مُضْعِف "وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ" بِالْيَاءِ وَالتَّاء مَا لِكُلِّ فَرِيق 39 وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ "وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْل" لِأَنَّكُمْ لَمْ تَكْفُرُوا بِسَبَبِنَا فَنَحْنُ وَأَنْتُمْ سَوَاء 40 إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ "إنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا" تَكَبَّرُوا "عَنْهَا" فَلَمْ يُؤْمِنُوا بِهَا "لَا تُفَتَّح لَهُمْ أَبْوَاب السَّمَاء" إذَا عُرِجَ بِأَرْوَاحِهِمْ إلَيْهَا بَعْد الْمَوْت فَيُهْبَط بِهَا إلَى سِجِّين بِخِلَافِ الْمُؤْمِن فَتُفَتَّح لَهُ وَيُصْعَد بِرُوحِهِ إلَى السَّمَاء السَّابِعَة كَمَا وَرَدَ فِي حَدِيث "وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّة حَتَّى يَلِج" يَدْخُل "الْجَمَل فِي سَمِّ الْخِيَاط" ثُقْب الْإِبْرَة وَهُوَ غَيْر مُمْكِن فَكَذَا دُخُولهمْ "وَكَذَلِكَ" الْجَزَاء "نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ" بِالْكُفْرِ 41 لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ "لَهُمْ مِنْ جَهَنَّم مِهَاد" فِرَاش "وَمِنْ فَوْقهمْ غَوَاشٍ" أَغْطِيَة مِنْ النَّار جَمْع غَاشِيَة وَتَنْوِينه عِوَض مِنْ الْيَاء الْمَحْذُوفَة 42 وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ "وَاَلَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات" مُبْتَدَأ "لَا نُكَلِّف نَفْسًا إلَّا وُسْعهَا" طَاقَتهَا مِنْ الْعَمَل اعْتِرَاض بَيْنه وَبَيْن خَبَره وَهُوَ : "أُولَئِكَ أَصْحَاب الْجَنَّة " 43 وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ "وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورهمْ مِنْ غِلّ" حِقْد كَانَ بَيْنهمْ فِي الدُّنْيَا "تَجْرِي مِنْ تَحْتهمْ" تَحْت قُصُورهمْ "الْأَنْهَار وَقَالُوا" عِنْد الِاسْتِقْرَار فِي مَنَازِلهمْ "الْحَمْد لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا" الْعَمَل الَّذِي هَذَا جَزَاؤُهُ "وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّه" حَذَفَ جَوَاب لَوْلَا لِدَلَالَةِ مَا قَبْله عَلَيْهِ "لَقَدْ جَاءَتْ رُسُل رَبّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ" مُخَفَّفَة أَيْ أَنَّهُ أَوْ مُفَسَّرَة فِي الْمَوَاضِع الْخَمْسَة 44 وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ "وَنَادَى أَصْحَاب الْجَنَّة أَصْحَاب النَّار" تَقْرِيرًا أَوْ تَبْكِيتًا "أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبّنَا حَقًّا" مِنْ الثَّوَاب "فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ" مَا وَعَدَكُمْ "رَبّكُمْ" مِنْ الْعَذَاب "حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّن" نَادَى مُنَادٍ "بَيْنهمْ" بَيْن الْفَرِيقَيْنِ أَسْمَعهُمْ 45 الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ "الَّذِينَ يَصُدُّونَ" النَّاس "عَنْ سَبِيل اللَّه" دِينه "وَيَبْغُونَهَا" أَيْ يَطْلُبُونَ السَّبِيل "عِوَجًا" مُعْوَجَّة 46 وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ "وَبَيْنهمَا" أَيْ أَصْحَاب الْجَنَّة وَالنَّار "حِجَاب" حَاجِز قِيلَ هُوَ سُور الْأَعْرَاف "وَعَلَى الْأَعْرَاف" وَهُوَ سُور الْجَنَّة "رِجَال" اسْتَوَتْ حَسَنَاتهمْ وَسَيِّئَاتهمْ كَمَا فِي الْحَدِيث "يُعْرَفُونَ كُلًّا" مِنْ أَهْل الْجَنَّة وَالنَّار "بِسِيمَاهُمْ" بِعَلَامَتِهِمْ وَهِيَ بَيَاض الْوُجُوه لِلْمُؤْمِنِينَ وَسَوَادهَا لِلْكَافِرِينَ لِرُؤْيَتِهِمْ لَهُمْ إذْ مَوْضِعهمْ عَالٍ "لَمْ يَدْخُلُوهَا" أَيْ أَصْحَاب الْأَعْرَاف الْجَنَّة "وَهُمْ يَطْمَعُونَ" فِي دُخُولهَا قَالَ الْحَسَن : لَمْ يُطْمِعهُمْ إلَّا لِكَرَامَةٍ يُرِيدهَا بِهِمْ وَرَوَى الْحَاكِم عَنْ حُذَيْفَة قَالَ بَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إذْ طَلَعَ عَلَيْهِمْ رَبّك فَقَالَ قُومُوا اُدْخُلُوا الْجَنَّة فَقَدْ غَفَرْت لَكُمْ 47 وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ "وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارهمْ" أَيْ أَصْحَاب الْأَعْرَاف "تِلْقَاء" جِهَة "أَصْحَاب النَّار قَالُوا رَبّنَا لَا تَجْعَلنَا" فِي النَّار 48 وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ "وَنَادَى أَصْحَاب الْأَعْرَاف رِجَالًا" مِنْ أَصْحَاب النَّار "يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ" مِنْ النَّار "جَمْعكُمْ" الْمَال أَوْ كَثْرَتكُمْ "وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ" أَيْ وَاسْتِكْبَاركُمْ عَنْ الْإِيمَان وَيَقُولُونَ لَهُمْ مُشِيرِينَ إلَى ضُعَفَاء الْمُسْلِمِينَ 49 أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ "أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقَسَمْتُمْ لَا يَنَالهُمْ اللَّه بِرَحْمَةٍ" قَدْ قِيلَ لَهُمْ "اُدْخُلُوا الْجَنَّة لَا خَوْف عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ" وَقُرِئَ : أُدْخِلُوا بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ وَدَخَلُوا فَجُمْلَة النَّفْي حَال أَيْ مَقُولًا لَهُمْ ذَلِكَ 50 وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ "وَنَادَى أَصْحَاب النَّار أَصْحَاب الْجَنَّة أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنْ الْمَاء أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمْ اللَّه" مِنْ الطَّعَام "قَالُوا إنَّ اللَّه حَرَّمَهُمَا" مَنَعَهُمَا 51 الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ "الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينهمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمْ الْحَيَاة الدُّنْيَا فَالْيَوْم نَنْسَاهُمْ" نَتْرُكهُمْ فِي النَّار "كَمَا نَسُوا لِقَاء يَوْمهمْ هَذَا" بِتَرْكِهِمْ الْعَمَل لَهُ "وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ" أَيْ وَكَمَا جَحَدُوا 52 وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ "وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ" أَيْ أَهْل مَكَّة "بِكِتَابٍ" قُرْآن "فَصَّلْنَاهُ" بَيَّنَّاهُ بِالْأَخْبَارِ وَالْوَعْد وَالْوَعِيد "عَلَى عِلْم" حَال أَيْ عَالِمِينَ بِمَا فَصَّلَ فِيهِ "هُدًى" حَال مِنْ الْهَاء "وَرَحْمَة لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ" بِهِ 53 هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ "هَلْ يَنْظُرُونَ" مَا يَنْتَظِرُونَ "إلَّا تَأْوِيله" عَاقِبَة مَا فِيهِ "يَوْم يَأْتِي تَأْوِيله" هُوَ يَوْم الْقِيَامَة "يَقُول الَّذِينَ نَسَوْهُ مِنْ قَبْل" تَرَكُوا الْإِيمَان بِهِ "قَدْ جَاءَتْ رُسُل رَبّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاء فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ" هَلْ "نُرَدّ" إلَى الدُّنْيَا "فَنَعْمَل غَيْر الَّذِي كُنَّا نَعْمَل" نُوَحِّد اللَّه وَنَتْرُك الشِّرْك فَيُقَال لَهُمْ : لَا "قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسهمْ" إذْ صَارُوا إلَى الْهَلَاك "وَضَلَّ" ذَهَبَ "عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ" مِنْ دَعْوَى الشَّرِيك 54 إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ "إنَّ رَبّكُمْ اللَّه الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَات وَالْأَرْض فِي سِتَّة أَيَّام" مِنْ أَيَّام الدُّنْيَا أَيْ فِي قَدْرهَا لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ شَمْس وَلَوْ شَاءَ خَلَقَهُنَّ فِي لَمْحَة وَالْعُدُول عَنْهُ لِتَعْلِيمِ خَلْقه التَّثَبُّت "ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْش" فِي اللُّغَة : سَرِير الْمُلْك اسْتِوَاء يَلِيق بِهِ "يُغْشِي اللَّيْل النَّهَار" مُخَفَّفًا وَمُشَدَّدًا أَيْ يُغَطِّي كُلًّا مِنْهُمَا بِالْآخَرِ "يَطْلُبهُ" يَطْلُب كُلّ مِنْهُمَا بِالْآخَرِ طَلَبًا "حَثِيثًا" سَرِيعًا "وَالشَّمْس وَالْقَمَر وَالنُّجُوم" بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى السَّمَاوَات وَالرَّفْع مُبْتَدَأ خَبَره "مُسَخَّرَات" مُذَلَّلَات "بِأَمْرِهِ" بِقُدْرَتِهِ "أَلَا لَهُ الْخَلْق" جَمِيعًا "وَالْأَمْر" كُلّه "تَبَارَكَ" تَعَاظَمَ "اللَّه رَبّ" مَالِك 55 ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ "اُدْعُوا رَبّكُمْ تَضَرُّعًا" حَال تَذَلُّلًا "وَخُفْيَة" سِرًّا "إنَّهُ لَا يُحِبّ الْمُعْتَدِينَ" فِي الدُّعَاء بِالتَّشَدُّقِ وَرَفْع الصَّوْت 56 وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ "وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْض" بِالشِّرْكِ وَالْمَعَاصِي "بَعْد إصْلَاحهَا" بِبَعْثِ الرُّسُل "وَادْعُوهُ خَوْفًا" مِنْ عِقَابه "وَطَمَعًا" فِي رَحْمَته "إنَّ رَحْمَة اللَّه قَرِيب مِنْ الْمُحْسِنِينَ" الْمُطِيعِينَ وَتَذْكِير قَرِيب الْمُخْبَر بِهِ عَنْ رَحْمَة لِإِضَافَتِهَا إلَى اللَّه 57 وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ "وَهُوَ الَّذِي يُرْسِل الرِّيَاح بُشْرًا بَيْن يَدَيْ رَحْمَته" أَيْ مُتَفَرِّقَة قُدَّام الْمَطَر وَفِي قِرَاءَة بِسُكُونِ الشِّين تَخْفِيفًا وَفِي أُخْرَى بِسُكُونِهَا وَفَتْح النُّون مَصْدَرًا وَفِي أُخْرَى بِسُكُونِهَا وَضَمّ الْمُوَحَّدَة بَدَل النُّون : أَيْ مُبَشِّرًا وَمُفْرَد الْأُولَى نُشُور كَرَسُولٍ وَالْأَخِيرَة بَشِير "حَتَّى إذَا أَقَلَّتْ" حَمَلَتْ الرِّيَاح "سَحَابًا ثِقَالًا" بِالْمَطَرِ "سُقْنَاهُ" أَيْ السَّحَاب وَفِيهِ الْتِفَات عَنْ الْغَيْبَة "لِبَلَدٍ مَيِّت" لَا نَبَات بِهِ أَيْ لِإِحْيَائِهَا "فَأَنْزَلْنَا بِهِ" بِالْبَلَدِ "الْمَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ" بِالْمَاءِ "مِنْ كُلّ الثَّمَرَات كَذَلِكَ" الْإِخْرَاج "نُخْرِج الْمَوْتَى" مِنْ قُبُورهمْ بِالْإِحْيَاءِ "لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ" فَتُؤْمِنُونَ 58 وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ "وَالْبَلَد الطَّيِّب" الْعَذْب التُّرَاب "يَخْرُج نَبَاته" حَسَنًا "بِإِذْنِ رَبّه" هَذَا مَثَل لِلْمُؤْمِنِ يَسْمَع الْمَوْعِظَة فَيَنْتَفِع بِهَا "وَاَلَّذِي خَبُثَ" تُرَابه "لَا يَخْرُج" نَبَاته "إلَّا نَكِدًا" عَسِرًا بِمَشَقَّةٍ وَهَذَا مَثَل لِلْكَافِرِ "كَذَلِكَ" كَمَا بَيَّنَّا مَا ذُكِرَ "نُصَرِّف" نُبَيِّن "الْآيَات لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ" اللَّه فَيُؤْمِنُونَ 59 لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ "لَقَدْ" جَوَاب قَسَم مَحْذُوف "أَرْسَلْنَا نُوحًا إلَى قَوْمه فَقَالَ يَا قَوْم اُعْبُدُوا اللَّه مَا لَكُمْ مِنْ إلَه غَيْره" بِالْجَرِّ صِفَة لِإِلَهٍ وَالرَّفْع بَدَل مِنْ مَحِلّه "إنِّي أَخَاف عَلَيْكُمْ" إنْ عَبَّدْتُمْ غَيْره "عَذَاب يَوْم عَظِيم" هُوَ يَوْم الْقِيَامَة 60 قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ "قَالَ الْمَلَأ" الْأَشْرَاف "مِنْ قَوْمه إنَّا لَنَرَاك فِي ضَلَال مُبِين" بَيِّن 61 قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ "قَالَ يَا قَوْم لَيْسَ بِي ضَلَالَة" هِيَ أَعَمّ مِنْ الضَّلَال فَنَفْيهَا أَبْلَغ مِنْ نَفِيه 62 أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ "أُبَلِّغكُمْ" بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيد "رِسَالَات رَبِّي وَأَنْصَح" أُرِيد الْخَيْر 63 أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ يَقُول تَعَالَى إِخْبَارًا عَنْ نُوح أَنَّهُ قَالَ لِقَوْمِهِ " أَوَعَجِبْتُمْ " الْآيَة. أَيْ لَا تَعْجَبُوا مِنْ هَذَا فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ يُعْجِب أَنْ يُوحِي اللَّه إِلَى رَجُل مِنْكُمْ رَحْمَة بِكُمْ وَلُطْفًا وَإِحْسَانًا إِلَيْكُمْ لِيُنْذِركُمْ وَلِتَتَّقُوا نِقْمَة اللَّه وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ " وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ " . 64 فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ "فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَاَلَّذِينَ مَعَهُ" مِنْ الْغَرَق "فِي الْفُلْك" السَّفِينَة "وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا" بِالطُّوفَانِ "إنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ" عَنْ الْحَقّ 65 وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا "و" أَرْسَلْنَا "إلَى عَادٍ" الْأُولَى "أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْم اُعْبُدُوا اللَّه" وَحِّدُوهُ "مَا لَكُمْ مِنْ إلَه غَيْره أَفَلَا تَتَّقُونَ" تَخَافُونَهُ فَتُؤْمِنُونَ 66 قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ "قَالَ الْمَلَأ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمه إنَّا لَنَرَاك فِي سَفَاهَة" جَهَالَة "وَإِنَّا لِنَظُنّك مِنْ الْكَاذِبِينَ" فِي رِسَالَتك 67 قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ " قَالَ يَا قَوْم لَيْسَ بِي سَفَاهَة وَلَكِنِّي رَسُول مِنْ رَبّ الْعَالَمِينَ " أَيْ لَيْسَتْ كَمَا تَزْعُمُونَ بَلْ جِئْتُكُمْ بِالْحَقِّ مِنْ اللَّه الَّذِي خَلَقَ كُلّ شَيْء فَهُوَ رَبّ كُلّ شَيْء وَمَلِيكه . 68 أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ "أُبَلِّغكُمْ رِسَالَات رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِح أَمِين" مَأْمُون عَلَى الرِّسَالَة 69 أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ "أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْر مِنْ رَبّكُمْ عَلَى" لِسَان "رَجُل مِنْكُمْ لِيُنْذِركُمْ وَاذْكُرُوا إذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء" فِي الْأَرْض "مِنْ بَعْد قَوْم نُوح وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْق بَسْطَة" قُوَّة وَطُولًا وَكَانَ طَوِيلهمْ مِائَة ذِرَاع وَقَصِيرهمْ سِتِّينَ "فَاذْكُرُوا آلَاء اللَّه" نِعَمه "لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ" تَفُوزُونَ 70 قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ "قَالُوا أَجِئْتنَا لِنَعْبُد اللَّه وَحْده وَنَذَرَ" نَتْرُك "مَا كَانَ يَعْبُد آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدنَا" بِهِ مِنْ الْعَذَاب "إنْ كُنْت مِنْ الصَّادِقِينَ" فِي قَوْلك . 71 قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ "قَالَ قَدْ وَقَعَ" وَجَبَ "عَلَيْكُمْ مِنْ رَبّكُمْ رِجْس" عَذَاب "وَغَضَب أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَأَبَاؤُكُمْ" أَيْ سَمَّيْتُمْ بِهَا أَصْنَامًا تَعْبُدُونَهَا "مَا نَزَلَ اللَّه بِهَا" أَيْ بِعِبَادَتِهَا "مِنْ سُلْطَان" حُجَّة وَبُرْهَان "فَانْتَظِرُوا" الْعَذَاب "إنِّي مَعَكُمْ مِنْ الْمُنْتَظِرِينَ" ذَلِكُمْ بِتَكْذِيبِكُمْ لِي فَأَرْسَلْت عَلَيْهِمْ الرِّيح الْعَقِيم 72 فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ "فَأَنْجَيْنَاهُ" أَيْ هُودًا "وَاَلَّذِينَ مَعَهُ" مِنْ الْمُؤْمِنِينَ "بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِر" الْقَوْم "الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا" أَيْ اسْتَأْصَلْنَاهُمْ "وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ" عَطْف عَلَى كَذَّبُوا 73 وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ "و" أَرْسَلْنَا "إلَى ثَمُود" بِتَرْكِ الصَّرْف مُرَادًا بِهِ الْقَبِيلَة "أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْم اُعْبُدُوا اللَّه مَا لَكُمْ مِنْ إلَه غَيْره قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَة" مُعْجِزَة "مِنْ رَبّكُمْ" عَلَى صِدْقِي "هَذِهِ نَاقَة اللَّه لَكُمْ آيَة" حَال عَامِلهَا مَعْنَى الْإِشَارَة وَكَانُوا سَأَلُوهُ أَنْ يُخْرِجهَا لَهُمْ مِنْ صَخْرَة عَيَّنُوهَا "فَذَرُوهَا تَأْكُل فِي أَرْض اللَّه وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ" بِعَقْرٍ أَوْ ضَرْب 74 وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ "وَاذْكُرُوا إذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء" فِي الْأَرْض "مِنْ بَعْد عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ" أَسْكَنَكُمْ "فِي الْأَرْض تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولهَا قُصُورًا" تَسْكُنُونَهَا فِي الصَّيْف "وَتَنْحِتُونَ الْجِبَال بُيُوتًا" تَسْكُنُونَهَا فِي الشِّتَاء وَنَصَبَهُ عَلَى الْحَال الْمُقَدَّرَة 75 قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ "قَالَ الْمَلَأ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمه" تَكَبَّرُوا عَنْ الْإِيمَان بِهِ "لِلَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ" أَيْ مِنْ قَوْمه بَدَل مِمَّا قَبْله بِإِعَادَةِ الْجَار "أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَل مِنْ رَبّه" إلَيْكُمْ "قَالُوا" نَعَمْ 76 قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ قَالَ الَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا عَنْ أَمْر اللَّه وَأَمْر رَسُوله صَالِح : { إِنَّا } أَيّهَا الْقَوْم { بِاَلَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ } يَقُول : صَدَّقْتُمْ بِهِ مِنْ نُبُوَّة صَالِح , وَأَنَّ الَّذِي جَاءَ بِهِ حَقّ مِنْ عِنْد اللَّه { كَافِرُونَ } يَقُول جَاحِدُونَ مُنْكِرُونَ , لَا نُصَدِّق بِهِ وَلَا نُقِرّ . 77 فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ وَكَانَتْ النَّاقَة لَهَا يَوْم فِي الْمَاء وَلَهُمْ يَوْم فَمَلُّوا ذَلِكَ "فَعَقَرُوا النَّاقَة" عَقَرَهَا قَدَّار بِأَمْرِهِمْ بِأَنْ قَتَلَهَا بِالسَّيْفِ "وَعَتَوْا عَنْ أَمْر رَبّهمْ وَقَالُوا يَا صَالِح ائْتِنَا بِمَا تَعِدنَا" بِهِ مِنْ الْعَذَاب عَلَى قَتْلهَا 78 فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ "فَأَخَذَتْهُمْ الرَّجْفَة" الزَّلْزَلَة الشَّدِيدَة مِنْ الْأَرْض وَالصَّيْحَة مِنْ السَّمَاء "فَأَصْبَحُوا فِي دَارهمْ جَاثِمِينَ" بَارِكِينِ عَلَى الرُّكَب مَيِّتِينَ 79 فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ هَذَا تَقْرِيع مِنْ صَالِح عَلَيْهِ السَّلَام لِقَوْمِهِ لَمَّا أَهْلَكَهُمْ اللَّه بِمُخَالَفَتِهِمْ إِيَّاهُ وَتَمَرُّدهمْ عَلَى اللَّه وَإِبَائِهِمْ عَنْ قَبُول الْحَقّ وَإِعْرَاضهمْ عَنْ الْهُدَى إِلَى الْعَمَى قَالَ لَهُمْ صَالِح ذَلِكَ بَعْد هَلَاكهمْ تَقْرِيعًا وَتَوْبِيخًا وَهُمْ يَسْمَعُونَ ذَلِكَ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا ظَهَرَ عَلَى أَهْل بَدْر أَقَامَ هُنَاكَ ثَلَاثًا ثُمَّ أَمَرَ بِرَاحِلَتِهِ فَشُدَّتْ بَعْد ثَلَاث مِنْ آخِر اللَّيْل فَرَكِبَهَا ثُمَّ سَارَ حَتَّى وَقَفَ عَلَى الْقَلِيب قَلِيب بَدْر فَجَعَلَ يَقُول " يَا أَبَا جَهْل بْن هِشَام يَا عُتْبَة بْن رَبِيعَة يَا شَيْبَة بْن رَبِيعَة وَيَا فُلَان بْن فُلَان هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبّكُمْ حَقًّا فَإِنِّي وَجَدْت مَا وَعَدَنِي رَبِّي حَقًّا " . فَقَالَ لَهُ عُمَر يَا رَسُول اللَّه مَا تُكَلِّم مِنْ أَقْوَام قَدْ جَيَّفُوا فَقَالَ " وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَع لِمَا أَقُول مِنْهُمْ وَلَكِنْ لَا يُجِيبُونَ" . وَفِي السِّيرَة أَنَّهُ " عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ لَهُمْ " بِئْسَ عَشِيرَة النَّبِيّ كُنْتُمْ لِنَبِيِّكُمْ كَذَّبْتُمُونِي وَصَدَّقَنِي النَّاس وَأَخْرَجْتُمُونِي وَآوَانِي النَّاس وَقَاتَلْتُمُونِي وَنَصَرَنِي النَّاس فَبِئْسَ عَشِيرَة النَّبِيّ كُنْتُمْ لِنَبِيِّكُمْ " . وَهَكَذَا صَالِح عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ لِقَوْمِهِ " لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَة رَبِّي وَنَصَحْت لَكُمْ " أَيْ فَلَمْ تَنْتَفِعُوا بِذَلِكَ لِأَنَّكُمْ لَا تُحِبُّونَ الْحَقّ وَلَا تَتَّبِعُونَ نَاصِحًا وَلِهَذَا قَالَ " وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ " وَقَدْ ذَكَرَ بَعْض الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ كُلّ نَبِيّ هَلَكَتْ أُمَّته كَانَ يَذْهَب فَيُقِيم فِي الْحَرَم حَرَم مَكَّة وَاَللَّه أَعْلَم وَقَدْ قَالَ الْإِمَام أَحْمَد حَدَّثَنَا وَكِيع حَدَّثَنَا زَمْعَة بْن صَالِح عَنْ سَلَمَة بْن وَهْرَام عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ لَمَّا مَرَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِوَادِي عُسْفَان حِين حَجَّ قَالَ " يَا أَبَا بَكْر أَيّ وَادٍ هَذَا ؟ " قَالَ هَذَا وَادِي عُسْفَان قَالَ " لَقَدْ مَرَّ بِهِ هُود وَصَالِح عَلَيْهِمَا السَّلَام عَلَى بَكَرَات خُطُمهنَّ اللِّيف أُزُرهمْ الْعَبَاء وَأَرْدِيَتهمْ النِّمَار يُلَبُّونَ يَحُجُّونَ الْبَيْت الْعَتِيق " هَذَا حَدِيث غَرِيب مِنْ هَذَا الْوَجْه لَمْ يُخَرِّجهُ أَحَد مِنْهُمْ . 80 وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ "و" اُذْكُرْ "لُوطًا" وَيُبَدَّل مِنْهُ "إذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَة" أَيْ أَدْبَار الرِّجَال "مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَد مِنْ الْعَالَمِينَ" الْإِنْس وَالْجِنّ 81 إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ "أَإِنَّكُمْ" بِتَحْقِيقِ الْهَمْزَتَيْنِ وَتَسْهِيل الثَّانِيَة وَإِدْخَال الْأَلِف بَيْنهمَا عَلَى الْوَجْهَيْنِ - وَفِي قِرَاءَة إنَّكُمْ - "لَتَأْتُونَ الرِّجَال شَهْوَة مِنْ دُون النِّسَاء بَلْ أَنْتُمْ قَوْم مُسْرِفُونَ" مُتَجَاوِزُونَ الْحَلَال إلَى الْحَرَام 82 وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ "وَمَا كَانَ جَوَاب قَوْمه إلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ" أَيْ لُوطًا وَأَتْبَاعه "مِنْ قَرْيَتكُمْ إنَّهُمْ أُنَاس يَتَطَهَّرُونَ" مِنْ أَدْبَار الرِّجَال 83 فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ "فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْله إلَّا امْرَأَته كَانَتْ مِنْ الْغَابِرِينَ" الْبَاقِينَ فِي الْعَذَاب 84 وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ "وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا" هُوَ حِجَارَة السِّجِّيل فَأَهْلَكَتْهُمْ 85 وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ "و" أَرْسَلْنَا "إلَى مَدْيَن أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْم اُعْبُدُوا اللَّه مَا لَكُمْ مِنْ إلَه غَيْره قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَة" مُعْجِزَة "مِنْ رَبّكُمْ" عَلَى صِدْقِي "فَأَوْفُوا" أَتِمُّوا "الْكَيْل وَالْمِيزَان وَلَا تَبْخَسُوا" تُنْقِصُوا "النَّاس أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْض" بِالْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي "بَعْد إصْلَاحهَا" بِبَعْثِ الرُّسُل "ذَلِكُمْ" الْمَذْكُور "خَيْر لَكُمْ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ" مُرِيدِي الْإِيمَان فَبَادِرُوا إلَيْهِ 86 وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ "وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاط" طَرِيق "تُوعِدُونَ" تُخَوِّفُونَ النَّاس بِأَخْذِ ثِيَابهمْ أَوْ الْمَكْس مِنْهُمْ "وَتَصُدُّونَ" تَصْرِفُونَ "عَنْ سَبِيل اللَّه" دِينه "مَنْ آمَنَ بِهِ" بِتَوَعُّدِكُمْ إيَّاهُ بِالْقَتْلِ "وَتَبْغُونَهَا" تَطْلُبُونَ الطَّرِيق "عِوَجًا" مُعْوَجَّة "وَاذْكُرُوا إذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَة الْمُفْسِدِينَ" قَبْلكُمْ بِتَكْذِيبِ رُسُلهمْ أَيْ آخِر أَمْرهمْ مِنْ الْهَلَاك 87 وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ "وَإِنْ كَانَ طَائِفَة مِنْكُمْ آمَنُوا بِاَلَّذِي أُرْسِلْت بِهِ وَطَائِفَة لَمْ يُؤْمِنُوا" بِهِ "فَاصْبِرُوا" انْتَظِرُوا "حَتَّى يَحْكُم اللَّه بَيْننَا" وَبَيْنكُمْ بِإِنْجَاءِ الْمُحِقّ وَإِهْلَاك الْمُبْطِل "وَهُوَ خَيْر الْحَاكِمِينَ" أَعْدَلهمْ 88 قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا "قَالَ الْمَلَأ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمه" عَنْ الْإِيمَان "لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْب وَاَلَّذِينَ آمَنُوا مَعَك مِنْ قَرْيَتنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ" تَرْجِعُنَّ "فِي مِلَّتنَا" دِيننَا وَغَلَّبُوا فِي الْخِطَاب الْجَمْع عَلَى الْوَاحِد لِأَنَّ شُعَيْبًا لَمْ يَكُنْ فِي مِلَّتهمْ قَطّ وَعَلَى نَحْوه أَجَابَ "قَالَ" نَعُود فِيهَا "أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ" لَهَا اسْتِفْهَام إنْكَار 89 قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ "قَدْ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّه كَذِبًا إنْ عُدْنَا فِي مِلَّتكُمْ بَعْد إذْ نَجَّانَا مِنْهَا وَمَا يَكُون" يَنْبَغِي "لَنَا أَنْ نَعُود فِيهَا إلَّا أَنْ يَشَاء اللَّه رَبّنَا" ذَلِكَ فَيَخْذُلنَا "وَسِعَ رَبّنَا كُلّ شَيْء عِلْمًا" أَيْ وَسِعَ عِلْمه كُلّ شَيْء وَمِنْهُ حَالِي وَحَالكُمْ "عَلَى اللَّه تَوَكَّلْنَا رَبّنَا افْتَحْ" اُحْكُمْ "بَيْننَا وَبَيْن قَوْمنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْر الْفَاتِحِينَ" الْحَاكِمِينَ 90 وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ "وَقَالَ الْمَلَأ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمه" أَيْ قَالَ بَعْضهمْ لِبَعْضٍ "لَئِنْ" لَام قَسَم 91 فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ "فَأَخَذَتْهُمْ الرَّجْفَة" الزَّلْزَلَة الشَّدِيدَة "فَأَصْبَحُوا فِي دَارهمْ جَاثِمِينَ" بَارِكِينِ عَلَى الرُّكَب مَيِّتِينَ 92 الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ "الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا" مُبْتَدَأ خَبَره "كَأَنْ" مُخَفَّفَة وَاسْمهَا مَحْذُوف أَيْ كَأَنَّهُمْ "لَمْ يَغْنَوْا" يُقِيمُوا "فِيهَا" فِي دِيَارهمْ "الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمْ الْخَاسِرِينَ" التَّأْكِيد بِإِعَادَةِ الْمَوْصُول وَغَيْره لِلرَّدِّ عَلَيْهِمْ فِي قَوْلهمْ السَّابِق 93 فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ "فَتَوَلَّى" أَعَرَضَ "عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْم لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَات رَبِّي وَنَصَحْت لَكُمْ" فَلَمْ تُؤْمِنُوا "فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْم كَافِرِينَ" أَحْزَن اسْتِفْهَام بِمَعْنَى النَّفْي 94 وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ "وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَة مِنْ نَبِيّ" فَكَذَّبُوهُ "إلَّا أَخَذْنَا" عَاقَبْنَا "أَهْلهَا بِالْبَأْسَاءِ" شِدَّة الْفَقْر "وَالضَّرَّاء" الْمَرَض "لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ" يَتَذَلَّلُونَ فَيُؤْمِنُونَ 95 ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ "ثُمَّ بَدَّلْنَا" أَعْطَيْنَاهُمْ "مَكَان السَّيِّئَة" الْعَذَاب "الْحَسَنَة" الْغِنَى وَالصِّحَّة "حَتَّى عَفَوْا" كَثُرُوا "وَقَالُوا" كُفْرًا لِلنِّعْمَةِ "قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاء وَالسَّرَّاء" كَمَا مَسَّنَا وَهَذِهِ عَادَة الدَّهْر وَلَيْسَتْ بِعُقُوبَةٍ مِنْ اللَّه فَكُونُوا عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ "فَأَخَذْنَاهُمْ" بِالْعَذَابِ "بَغْتَة" فَجْأَة "وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ" بِوَقْتِ مَجِيئِهِ قَبْله 96 وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ "وَلَوْ أَنَّ أَهْل الْقُرَى" الْمُكَذِّبِينَ "آمَنُوا" بِاَللَّهِ وَرُسُلهمْ "وَاتَّقَوْا" الْكُفْر وَالْمَعَاصِي "لَفَتَحْنَا" بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيد "عَلَيْهِمْ بَرَكَات مِنْ السَّمَاء" بِالْمَطَرِ "وَالْأَرْض" بِالنَّبَاتِ "وَلَكِنْ كَذَّبُوا" الرُّسُل "فَأَخَذْنَاهُمْ" عَاقَبْنَاهُمْ 97 أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ "أَفَأَمِنَ أَهْل الْقُرَى" الْمُكَذِّبُونَ "أَنْ يَأْتِيهِمْ بَأْسنَا" عَذَابنَا "بَيَاتًا" لَيْلًا "وَهُمْ نَائِمُونَ" غَافِلُونَ عَنْهُ 98 أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ "أَوَأَمِنَ أَهْل الْقُرَى أَنْ يَأْتِيهِمْ بَأْسنَا ضُحًى" نَهَارًا 99 أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ "أَفَأَمِنُوا مَكْر اللَّه" اسْتِدْرَاجه إيَّاهُمْ بِالنِّعْمَةِ وَأَخْذهمْ بَغْتَة 100 أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ "أَوَلَمْ يَهْدِ" يَتَبَيَّن "لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْض" بِالسُّكْنَى "مِنْ بَعْد" هَلَاك "أَهْلهَا أَنْ" مُخَفَّفَة وَاسْمهَا مَحْذُوف أَيْ أَنَّهُ "لَوْ نَشَاء أَصَبْنَاهُمْ" بِالْعَذَابِ "بِذُنُوبِهِمْ" كَمَا أَصَبْنَا مَنْ قَبْلهمْ وَالْهَمْزَة فِي الْمَوَاضِع الْأَرْبَعَة لِلتَّوْبِيخِ وَالْفَاء وَالْوَاو الدَّاخِلَة عَلَيْهِمَا لِلْعَطْفِ وَفِي قِرَاءَة بِسُكُونِ الْوَاو فِي الْمَوْضِع الْأَوَّل عَطْفًا بِأَوْ "وَنَطْبَع" نَحْنُ نَخْتِم "عَلَى قُلُوبهمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ" الْمَوْعِظَة سَمَاع تَدَبُّر 101 تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ "تِلْكَ الْقُرَى" الَّتِي مَرَّ ذِكْرهَا "نَقُصّ عَلَيْك" يَا مُحَمَّد "مِنْ أَنْبَائِهَا" أَخْبَار أَهْلهَا "وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلهمْ بِالْبَيِّنَاتِ" الْمُعْجِزَات الظَّاهِرَات "فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا" عِنْد مَجِيئِهِمْ "بِمَا كَذَّبُوا" كَفَرُوا بِهِ "مِنْ قَبْل" قَبْل مَجِيئِهِمْ بَلْ اسْتَمَرُّوا عَلَى الْكُفْر "كَذَلِكَ" الطَّبْع 102 وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ "وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ" أَيْ النَّاس "مِنْ عَهْد" أَيْ وَفَاء بِعَهْدِهِمْ يَوْم أُخِذَ الْمِيثَاق "وَإِنْ" مُخَفَّفَة 103 ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ "ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدهمْ" أَيْ الرُّسُل الْمَذْكُورِينَ "مُوسَى بِآيَاتِنَا" التِّسْع "إلَى فِرْعَوْن وَمَلَئِهِ" قَوْمه "فَظَلَمُوا" كَفَرُوا "بِهَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَة الْمُفْسِدِينَ" بِالْكُفْرِ مِنْ إهْلَاكهمْ [/color]وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ[/size] "وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْن إنِّي رَسُول مِنْ رَبّ الْعَالَمِينَ" إلَيْك فَكَذَّبَهُ 105 حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ [color=black]" حَقِيق عَلَى أَنْ لَا أَقُول عَلَى اللَّه إِلَّا الْحَقّ " فَقَالَ بَعْضهمْ مَعْنَاهُ حَقِيق بِأَنْ لَا أَقُول عَلَى اللَّه إِلَّا الْحَقّ أَيْ جَدِير بِذَلِكَ وَحَرِيّ بِهِ قَالُوا وَالْبَاء وَعَلَى يَتَعَاقَبَانِ يُقَال رَمَيْت بِالْقَوْسِ وَعَلَى الْقَوْس وَجَاءَ عَلَى حَال حَسَنَة وَبِحَالٍ حَسَنَة وَقَالَ بَعْض الْمُفَسِّرِينَ مَعْنَاهُ حَرِيص عَلَى أَنْ لَا أَقُول عَلَى اللَّه إِلَّا الْحَقّ وَقَرَأَ آخَرُونَ مِنْ أَهْل الْمَدِينَة حَقِيق عَلَى بِمَعْنَى وَاجِب وَحَقّ عَلَى ذَلِكَ أَنْ لَا أُخْبِر عَنْهُ إِلَّا بِمَا هُوَ حَقّ وَصِدْق لِمَا أَعْلَم مِنْ جَلَاله وَعَظِيم شَأْنه " قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبّكُمْ" أَيْ بِحُجَّةٍ قَاطِعَة مِنْ اللَّه أَعْطَانِيهَا دَلِيلًا عَلَى صِدْقِي فِيمَا جِئْتُكُمْ بِهِ " فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيل" أَيْ أَطْلِقْهُمْ مِنْ أَسْرك وَقَهْرك وَدَعْهُمْ وَعِبَادَة رَبّك وَرَبّهمْ فَإِنَّهُمْ مِنْ سُلَالَة نَبِيّ كَرِيم إِسْرَائِيل وَهُوَ يَعْقُوب بْن إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم خَلِيل الرَّحْمَن . 106 قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ "قَالَ" فِرْعَوْن لَهُ "إنْ كُنْت جِئْت بِآيَةٍ" عَلَى دَعْوَاك "فَأْتِ بِهَا إنْ كُنْت مِنْ الصَّادِقِينَ" فِيهَا 107 فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ "فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَان مُبِين" حَيَّة عَظِيمَة 108 وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ "وَنَزَعَ يَده" أَخْرَجَهَا مِنْ جَيْبه "فَإِذَا هِيَ بَيْضَاء" ذَات شُعَاع "لِلنَّاظِرِينَ" خِلَاف مَا كَانَتْ عَلَيْهِ مِنْ الْأُدْمَة 109 قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ "قَالَ الْمَلَأ مِنْ قَوْم فِرْعَوْن إنَّ هَذَا لَسَاحِر عَلِيم" فَائِق فِي عِلْم السِّحْر وَفِي الشُّعَرَاء أَنَّهُ مِنْ قَوْل فِرْعَوْن نَفْسه فَكَأَنَّهُمْ قَالُوهُ مَعَهُ عَلَى سَبِيل التَّشَاوُر 110 يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ إِخْرَاجه إِيَّاهُمْ مِنْ أَرْضهمْ وَاَلَّذِي خَافُوا مِنْهُ وَقَعُوا فِيهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى " وَنُرِيَ فِرْعَوْن وَهَامَان وَجُنُودهمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ " فَلَمَّا تَشَاوَرُوا فِي شَأْنه وَائْتَمَرُوا بِمَا فِيهِ اِتَّفَقَ رَأْيهمْ عَلَى مَا حَكَاهُ اللَّه تَعَالَى عَنْهُمْ. 111 قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ قَالَ اِبْن عَبَّاس " أَرْجِهْ " أَخِّرْهُ وَقَالَ قَتَادَة اِحْبِسْهُ" وَأَرْسِلْ " أَيْ اِبْعَثْ " فِي الْمَدَائِن " أَيْ فِي الْأَقَالِيم وَمَدَائِن مُلْكك " حَاشِرِينَ " أَيْ مَنْ يَحْشُر لَك السَّحَرَة مِنْ سَائِر الْبِلَاد وَيَجْمَعهُمْ وَقَدْ كَانَ السِّحْر فِي زَمَانهمْ غَالِبًا كَثِيرًا ظَاهِرًا وَاعْتَقَدَ مَنْ اِعْتَقَدَ مِنْهُمْ وَأُوهِمَ مَنْ أُوهِمَ مِنْهُمْ أَنَّ مَا جَاءَ مُوسَى بِهِ عَلَيْهِ السَّلَام مِنْ قَبِيل مَا تُشَعْبِذُهُ سَحَرَتهمْ فَلِهَذَا جَمَعُوا لَهُ السَّحَرَة لِيُعَارِضُوهُ بِنَظِيرِ مَا أَرَاهُمْ مِنْ الْبَيِّنَات . 112 يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ "يَأْتُوك بِكُلِّ سَاحِر" وَفِي قِرَاءَة سَحَّار "عَلِيم" يَفْضُل مُوسَى فِي عِلْم السِّحْر فَجَمَعُوا 113 وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ "وَجَاءَ السَّحَرَة فِرْعَوْن قَالُوا أَإِنَّ" بِتَحْقِيقِ الْهَمْزَتَيْنِ وَتَسْهِيل الثَّانِيَة وَإِدْخَال أَلِف بَيْنهمَا عَلَى الْوَجْهَيْنِ 114 قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ يُخْبِر تَعَالَى عَمَّا تَشَارَطَ عَلَيْهِ فِرْعَوْن وَالسَّحَرَة الَّذِينَ اِسْتَدْعَاهُمْ لِمُعَارَضَةِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام إِنْ غَلَبُوا مُوسَى لَيُثِيبَنَّهُمْ وَلَيُعْطِيَنَّهُمْ عَطَاء جَزِيلًا فَوَعَدَهُمْ وَمَنَّاهُمْ أَنْ يُعْطِيهِمْ مَا أَرَادُوا وَيَجْعَلهُمْ مِنْ جُلَسَائِهِ وَالْمُقَرَّبِينَ عِنْده فَلَمَّا تَوَثَّقُوا مِنْ فِرْعَوْن لَعَنَهُ اللَّه . 115 قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ "قَالُوا يَا مُوسَى إمَّا أَنْ تُلْقِي" عَصَاك "وَإِمَّا أَنْ نَكُون نَحْنُ الْمُلْقِينَ" مَا مَعَنَا 116 قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ "قَالَ أَلْقُوا" أَمْر لِلْإِذْنِ بِتَقْدِيمِ إلْقَائِهِمْ تَوَصُّلًا بِهِ إلَى إظْهَار الْحَقّ "فَلَمَّا أَلْقَوْا" حِبَالهمْ وَعِصِيّهمْ "سَحَرُوا أَعْيُن النَّاس" صَرَفُوهَا عَنْ حَقِيقَة إدْرَاكهَا "وَاسْتَرْهَبُوهُمْ" خَوَّفُوهُمْ حَيْثُ خَيَّلُوهَا حَيَّات تَسْعَى 117 وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ "وَأَوْحَيْنَا إلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاك فَإِذَا هِيَ تَلْقَف" بِحَذْفِ إحْدَى التَّاءَيْنِ فِي الْأَصْل تَبْتَلِع "مَا يَأْفِكُونَ" يُقَلِّبُونَ بِتَمْوِيهِهِمْ 118 فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ "فَوَقَعَ الْحَقّ" ثَبَتَ وَظَهَرَ "وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ" مِنْ السِّحْر 119 فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ "فَغَلَبُوا" أَيْ فِرْعَوْن وَقَوْمه "هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ" صَارُوا ذَلِيلِينَ 120 وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَأُلْقِيَ السَّحَرَة سَاجِدِينَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَأُلْقِيَ السَّحَرَة عِنْدَمَا عَايَنُوا مِنْ عَظِيم قُدْرَة اللَّه , سَاقِطِينَ عَلَى وُجُوههمْ , سُجَّدًا لِرَبِّهِمْ . 121 قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ يُخْبِر تَعَالَى أَنَّهُ أَوْحَى إِلَى عَبْده وَرَسُوله مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام فِي ذَلِكَ الْمَوْقِف الْعَظِيم الَّذِي فَرَّقَ اللَّه تَعَالَى فِيهِ بَيْن الْحَقّ وَالْبَاطِل يَأْمُرهُ بِأَنْ يُلْقِي مَا فِي يَمِينه وَهِيَ عَصَاهُ" فَإِذَا هِيَ تَلْقَف " أَيْ تَأْكُل " مَا يَأْفِكُونَ " أَيْ مَا يُلْقُونَهُ وَيُوهِمُونَ أَنَّهُ حَقّ وَهُوَ بَاطِل قَالَ اِبْن عَبَّاس فَجَعَلَتْ لَا تَمُرّ بِشَيْءٍ مِنْ حِبَالهمْ وَلَا مِنْ خَشَبهمْ إِلَّا اِلْتَقَمَتْهُ فَعَرَفَتْ السَّحَرَة أَنَّ هَذَا شَيْء مِنْ السَّمَاء لَيْسَ هَذَا بِسِحْرٍ فَخَرُّوا سُجَّدًا وَقَالُوا " آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ رَبّ مُوسَى وَهَارُون " وَقَالَ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق جَعَلَتْ تَتَّبِع تِلْكَ الْحِبَال وَالْعِصِيّ وَاحِدَة وَاحِدَة حَتَّى مَا يُرَى بِالْوَادِي قَلِيل وَلَا كَثِير مِمَّا أَلْقَوْا ثُمَّ أَخَذَهَا مُوسَى فَإِذَا هِيَ عَصًا فِي يَده كَمَا كَانَتْ وَوَقَعَ السَّحَرَة سُجَّدًا " قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ رَبّ مُوسَى وَهَارُون " لَوْ كَانَ هَذَا سَاحِرًا مَا غَلَبَنَا وَقَالَ الْقَاسِم بْن أَبِي بَرَّة : أَوْحَى اللَّه إِلَيْهِ أَنْ أَلْقِ عَصَاك فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَان مُبِين فَاغِر فَاهُ يَبْتَلِع حِبَالهمْ وَعِصِيّهمْ فَأُلْقِيَ السَّحَرَة عِنْد ذَلِكَ سُجَّدًا فَمَا رَفَعُوا رُءُوسهمْ حَتَّى رَأَوْا الْجَنَّة وَالنَّار وَثَوَاب أَهْلهمَا . 122 رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ "رَبّ مُوسَى وَهَارُونَ" لِعِلْمِهِمْ بِأَنَّ مَا شَاهَدُوهُ مِنْ الْعَصَا لَا يَتَأَتَّى بِالسِّحْرِ 123 قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ "قَالَ فِرْعَوْن آمَنْتُمْ" بِتَحْقِيقِ الْهَمْزَتَيْنِ وَإِبْدَال الثَّانِيَة أَلِفًا "بِهِ" بِمُوسَى "قَبْل أَنْ آذَنَ" أَنَا "لَكُمْ إنْ هَذَا" الَّذِي صَنَعْتُمُوهُ "لَمَكْر مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَة لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلهَا فَسَوْف تَعْلَمُونَ" مَا يَنَالكُمْ مِنِّي 124 لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ "لَأُقَطِّعَن أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلكُمْ مِنْ خِلَاف" أَيْ يَد كُلّ وَاحِد الْيُمْنَى وَرِجْله الْيُسْرَى 125 قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ "قَالُوا إنَّا إلَى رَبّنَا" بَعْد مَوْتنَا بِأَيِّ وَجْه كَانَ "مُنْقَلِبُونَ" رَاجِعُونَ فِي الْآخِرَة 126 وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ "وَمَا تَنْقِم" تُنْكِر "مِنَّا إلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا" عِنْد فِعْل مَا تَوَعَّدْنَا بِهِ لِئَلَّا نَرْجِع كُفَّارًا 127 وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ "وَقَالَ الْمَلَأ مِنْ قَوْم فِرْعَوْن" لَهُ "أَتَذَرُ" تَتْرُك "مُوسَى وَقَوْمه لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْض" بِالدُّعَاءِ إلَى مُخَالَفَتك "وَيَذَرك وَآلِهَتك" وَكَانَ صَنَعَ لَهُمْ أَصْنَامًا صِغَارًا يَعْبُدُونَهَا وَقَالَ أَنَا رَبّكُمْ . وَرَبّهَا وَلِذَا قَالَ أَنَا رَبّكُمْ الْأَعْلَى "قَالَ سَنُقَتِّلُ" بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيف "أَبْنَاءَهُمْ" الْمَوْلُودِينَ "وَنَسْتَحْيي" نَسْتَبْقِي "نِسَاءَهُمْ" كَفِعْلِنَا بِهِمْ مِنْ قَبْل "وَإِنَّا فَوْقهمْ قَاهِرُونَ" قَادِرُونَ فَفَعَلُوا بِهِمْ ذَلِكَ فَشَكَا بَنُو إسْرَائِيل 128 قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ "قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاَللَّهِ وَاصْبِرُوا" عَلَى أَذَاهُمْ "إنَّ الْأَرْض لِلَّهِ يُورِثهَا" يُعْطِيهَا "مَنْ يَشَاء مِنْ عِبَاده وَالْعَاقِبَة" الْمَحْمُودَة "لِلْمُتَّقِينَ" اللَّه 129 قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ "قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْل أَنْ تَأْتِينَا وَمِنْ بَعْد مَا جِئْتنَا قَالَ عَسَى رَبّكُمْ أَنْ يُهْلِك عَدُوّكُمْ وَيَسْتَخْلِفكُمْ فِي الْأَرْض فَيَنْظُر كَيْفَ تَعْمَلُونَ" فِيهَا 130 وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ "وَلَقَدْ أَخَذْنَا آل فِرْعَوْن بِالسِّنِينَ" بِالْقَحْطِ "وَنَقْص مِنْ الثَّمَرَات لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ" يَتَّعِظُونَ فَيُؤْمِنُونَ 131 فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ "فَإِذَا جَاءَتْهُمْ الْحَسَنَة" الْخِصْب وَالْغِنَى "قَالُوا لَنَا هَذِهِ" أَيْ نَسْتَحِقّهَا وَلَمْ يَشْكُرُوا عَلَيْهَا "وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَة" جَدْب وَبَلَاء "يَطَّيَّرُوا" يَتَشَاءَمُوا "بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ" مِنْ الْمُؤْمِنِينَ "أَلَا إنَّمَا طَائِرهمْ" شُؤْمهمْ "عِنْد اللَّه" يَأْتِيهِمْ بِهِ "وَلَكِنَّ أَكْثَرهمْ لَا يَعْلَمُونَ" أَنَّ مَا يُصِيبهُمْ مِنْ عِنْده 132 وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ "وَقَالُوا" لِمُوسَى "مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَة لِتَسْحَرنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَك بِمُؤْمِنِينَ" فَدَعَا عَلَيْهِمْ 133 فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ "فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ الطُّوفَان" وَهُوَ مَاء دَخَلَ بُيُوتهمْ وَوَصَلَ إلَى حُلُوق الْجَالِسِينَ سَبْعَة أَيَّام "وَالْجَرَاد" فَأَكَلَ زَرْعهمْ وَثِمَارهمْ كَذَلِكَ "وَالْقُمّل" السُّوس أَوْ نَوْع مِنْ الْقُرَاد فَتَتَبَّعَ مَا تَرَكَهُ الْجَرَاد "وَالضَّفَادِع" فَمَلَأَتْ بُيُوتهمْ وَطَعَامهمْ "وَالدَّم" فِي مِيَاههمْ "آيَات مُفَصَّلَات" مُبَيِّنَات "فَاسْتَكْبَرُوا" عَنْ الْإِيمَان بِهَا 134 وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي "وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمْ الرِّجْز" الْعَذَاب "قَالُوا يَا مُوسَى اُدْعُ لَنَا رَبّك بِمَا عَهِدَ عِنْدك" مِنْ كَشْف الْعَذَاب عَنَّا إِنْ آمَنَّا "لَئِنْ" لَام قَسَم 135 فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ "فَلَمَّا كَشَفْنَا" بِدُعَاءِ مُوسَى "عَنْهُمْ الرِّجْز إلَى أَجَل هُمْ بَالِغُوهُ إذَا هُمْ يَنْكُثُونَ" يَنْقُضُونَ عَهْدهمْ وَيُصِرُّونَ عَلَى كُفْرهمْ 136 فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ "فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمّ" الْبَحْر الْمِلْح "بِأَنَّهُمْ" بِسَبَبِ أَنَّهُمْ "كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ" لَا يَتَدَبَّرُونَهَا 137 وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ "وَأَوْرَثْنَا الْقَوْم الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ" بِالِاسْتِعْبَادِ وَهُمْ بَنُو إسْرَائِيل "مَشَارِق الْأَرْض وَمَغَارِبهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا" بِالْمَاءِ وَالشَّجَر صِفَة لِلْأَرْضِ وَهِيَ الشَّام "وَتَمَّتْ كَلِمَة رَبّك الْحُسْنَى" وَهِيَ قَوْله تَعَالَى "وَنُرِيد أَنْ نَمُنّ عَلَى الَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْض" إلَخْ "عَلَى بَنِي إسْرَائِيل بِمَا صَبَرُوا" عَلَى أَذَى عَدُوّهُمْ "وَدَمَّرْنَا" أَهَلَكْنَا "مَا كَانَ يَصْنَع فِرْعَوْن وَقَوْمه" مِنْ الْعِمَارَة "وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ" بِكَسْرِ الرَّاء وَضَمّهَا يَرْفَعُونَ مِنْ الْبُنْيَان . 138 وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ "وَجَاوَزْنَا" عَبَرْنَا "بِبَنِي إسْرَائِيل الْبَحْر فَأَتَوْا" فَمَرُّوا "عَلَى قَوْم يَعْكُفُونَ" بِضَمِّ الْكَاف وَكَسْرهَا "عَلَى أَصْنَام لَهُمْ" يُقِيمُونَ عَلَى عِبَادَتهَا "قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إلَهًا" صَنَمًا نَعْبُدهُ "كَمَا لَهُمْ آلِهَة قَالَ إنَّكُمْ قَوْم تَجْهَلُونَ" حَيْثُ قَابَلْتُمْ نِعْمَة اللَّه عَلَيْكُمْ بِمَا قُلْتُمُوهُ 139 إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ "إنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّر" هَالِك 140 قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ "قَالَ أَغَيْر اللَّه أَبْغِيكُمْ إلَهًا" مَعْبُودًا وَأَصْله أَبْغِي لَكُمْ "وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ" فِي زَمَانكُمْ بِمَا ذَكَرَهُ فِي قَوْله 141 وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ "وَ" اُذْكُرُوا "إذْ أَنْجَيْنَاكُمْ" وَفِي قِرَاءَة أَنَجَاكُمْ "مِنْ آل فِرْعَوْن يَسُومُونَكُمْ" يُكَلِّفُونَكُمْ وَيُذِيقُونَكُمْ "سُوء الْعَذَاب" أَشَدّه وَهُوَ "يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ" يَسْتَبِقُونَ "وَفِي ذَلِكُمْ" الْإِنْجَاء أَوْ الْعَذَاب "بَلَاء" إنْعَام أَوْ ابْتِلَاء "مِنْ رَبّكُمْ عَظِيم" أَفَلَا تَتَّعِظُونَ فَتَنْتَهُوا عَمَّا قُلْتُمْ 142 وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ "وَوَاعَدْنَا" بِأَلِفٍ وَدُونهَا "مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَة" نُكَلِّمهُ عِنْد انْتِهَائِهَا بِأَنْ يَصُومهَا وَهِيَ ذُو الْقَعْدَة فَصَامَهَا فَلَمَّا تَمَّتْ أَنْكَرَ خُلُوف فَمه فَاسْتَاك فَأَمَرَهُ اللَّه بِعَشَرَةٍ أُخْرَى لِيُكَلِّمهُ بِخُلُوفِ فَمه "وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ" مِنْ ذِي الْحِجَّة "فَتَمَّ مِيقَات رَبّه" وَقْت وَعْده بِكَلَامِهِ إيَّاهُ "أَرْبَعِينَ" حَال "لَيْلَة" تَمْيِيز "وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ" عِنْد ذَهَابه إلَى الْجَبَل لِلْمُنَاجَاةِ "اُخْلُفْنِي" كُنْ خَلِيفَتِي "فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ" أَمْرهمْ "وَلَا تَتَّبِع سَبِيل الْمُفْسِدِينَ" بِمُوَافَقَتِهِمْ عَلَى الْمَعَاصِي 143 وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ "وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا" أَيْ لِلْوَقْتِ الَّذِي وَعَدْنَاهُ بِالْكَلَامِ فِيهِ "وَكَلَّمَهُ رَبّه" بِلَا وَاسِطَة كَلَامًا سَمِعَهُ مِنْ كُلّ جِهَة "قَالَ رَبّ أَرِنِي" نَفْسك "أَنْظُر إلَيْك قَالَ لَنْ تَرَانِي" أَيْ لَا تَقْدِر عَلَى رُؤْيَتِي وَالتَّعْبِير بِهِ دُون لَنْ أَرَى يُفِيد إمْكَان رُؤْيَته تَعَالَى "وَلَكِنْ اُنْظُرْ إلَى الْجَبَل" الَّذِي هُوَ أَقْوَى مِنْك "فَإِنْ اسْتَقَرَّ" ثَبَتَ "مَكَانه فَسَوْف تَرَانِي" أَيْ تَثْبُت لِرُؤْيَتِي وَإِلَّا فَلَا طَاقَة لَك "فَلَمَّا تَجَلَّى رَبّه" أَيْ ظَهَرَ مِنْ نُوره قَدْر نِصْف أُنْمُلَة الْخِنْصَر كَمَا فِي حَدِيث صَحَّحَهُ الْحَاكِم "لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا" بِالْقَصْرِ وَالْمَدّ أَيْ مَدْكُوكًا مُسْتَوِيًا بِالْأَرْضِ "وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا" مَغْشِيًّا عَلَيْهِ لِهَوْلِ مَا رَأَى "فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانك" تَنْزِيهًا لَك "تُبْت إلَيْك" مِنْ سُؤَال مَا لَمْ أُؤْمَر بِهِ "وَأَنَا أَوَّل الْمُؤْمِنِينَ" فِي زَمَانِي 144 قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ "قَالَ" تَعَالَى لَهُ "يَا مُوسَى إنِّي اصْطَفَيْتُك" اخْتَرْتُك "عَلَى النَّاس" أَهْل زَمَانك "بِرِسَالَاتِي" بِالْجَمْعِ وَالْإِفْرَاد "وَبِكَلَامِي" أَيْ تَكْلِيمِي إيَّاكَ "فَخُذْ مَا آتَيْتُك" مِنْ الْفَضْل "وَكُنْ مِنْ الشَّاكِرِينَ" لِأَنْعُمِي 145 وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ "وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاح" أَيْ أَلْوَاح التَّوْرَاة وَكَانَتْ مِنْ سِدْر الْجَنَّة أَوْ زَبَرْجَد أَوْ زُمُرُّد سَبْعَة أَوْ عَشَرَة "مِنْ كُلّ شَيْء" يَحْتَاج إلَيْهِ فِي الدِّين "مَوْعِظَة وَتَفْصِيلًا" تَبْيِينًا "لِكُلِّ شَيْء" بَدَل مِنْ الْجَار وَالْمَجْرُور قَبْله "فَخُذْهَا" قَبْله قُلْنَا مُقَدَّرًا "بِقُوَّةٍ" بِجِدٍّ وَاجْتِهَاد "وَأْمُرْ قَوْمك يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُورِيكُمْ دَار الْفَاسِقِينَ" فِرْعَوْن وَأَتْبَاعه وَهِيَ مِصْر لِتَعْتَبِرُوا بِهِمْ 146 سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ "سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي" دَلَائِل قُدْرَتِي مِنْ الْمَصْنُوعَات وَغَيْرهَا "الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْض بِغَيْرِ الْحَقّ" بِأَنْ أَخْذَلهمْ فَلَا يَتَكَبَّرُونَ فِيهَا "وَإِنْ يَرَوْا كُلّ آيَة لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيل" طَرِيق "الرُّشْد" الْهُدَى الَّذِي جَاءَ مِنْ عِنْد اللَّه "لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا" يَسْلُكُوهُ "وَإِنْ يَرَوْا سَبِيل الْغَيّ" الضَّلَال "يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ" الصَّرْف "بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ" تَقَدَّمَ مِثْله 147 وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ "وَاَلَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاء الْآخِرَة" الْبَعْث وَغَيْره "حَبِطَتْ" بَطَلَتْ "أَعْمَالهمْ" مَا عَمِلُوهُ فِي الدُّنْيَا مِنْ خَيْر كَصِلَةِ رَحِم وَصَدَقَة فَلَا ثَوَاب لَهُمْ لِعَدِمِ شَرْطه "هَلْ" مَا "يُجْزَوْنَ إلَّا" جَزَاء "مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ" مِنْ التَّكْذِيب وَالْمَعَاصِي 148 وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ "وَاِتَّخَذَ قَوْم مُوسَى مِنْ بَعْده" أَيْ بَعْد ذَهَابه إلَى الْمُنَاجَاة "مِنْ حُلِيّهمْ" الَّذِي اسْتَعَارُوهُ مِنْ قَوْم فِرْعَوْن بِعَلَّةِ عُرْس فَبَقِيَ عِنْدهمْ "عِجْلًا" صَاغَهُ لَهُمْ مِنْهُ السَّامِرِيّ "جَسَدًا" بُدِّلَ لَحْمًا وَدَمًا "لَهُ خُوَار" أَيْ صَوْت يُسْمَع انْقَلَبَ كَذَلِكَ بِوَضْعِ التُّرَاب الَّذِي أَخَذَهُ مِنْ حَافِر فَرَس جِبْرِيل فِي فَمه فَإِنَّ أَثَره الْحَيَاة فِيمَا يُوضَع فِيهِ وَمَفْعُول اتَّخَذَ الثَّانِي مَحْذُوف أَيْ إلَهًا "أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا" فَكَيْفَ يُتَّخَذ إلَهًا "اتَّخَذُوهُ" إلَهًا "وَكَانُوا ظَالِمِينَ" بِاِتِّخَاذِهِ 149 وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ "وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهمْ" أَيْ نَدِمُوا عَلَى عِبَادَته "وَرَأَوْا" عَلِمُوا "أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا" بِهَا وَذَلِكَ بَعْد رُجُوع مُوسَى "قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمنَا رَبّنَا وَيَغْفِر لَنَا" بِالْيَاءِ وَالتَّاء فِيهِمَا 150 وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ "وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إلَى قَوْمه غَضْبَان" مِنْ جِهَتهمْ "أَسِفًا" شَدِيد الْحُزْن "قَالَ بِئْسَمَا" أَيْ بِئْسَ خِلَافَة "خَلَفْتُمُونِي" خَلَفْتُمُونِيهَا "مِنْ بَعْدِي" خِلَافَتكُمْ هَذِهِ حَيْثُ أَشْرَكْتُمْ "أَعَجِلْتُمْ أَمْر رَبّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاح" أَلْوَاح التَّوْرَاة غَضَبًا لِرَبِّهِ فَتَكَسَّرَتْ "وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ" أَيْ بِشَعْرِهِ بِيَمِينِهِ وَلِحْيَته بِشِمَالِهِ "يَجُرّهُ إلَيْهِ" غَضَبًا "قَالَ" يَا "ابْن أُمّ" بِكَسْرِ الْمِيم وَفَتْحهَا أَرَادَ أُمِّي وَذِكْرهَا أَعْطَف لِقَلْبِهِ "إنَّ الْقَوْم اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا" قَارَبُوا "يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِت" تُفْرِح "بِي الْأَعْدَاء" بِإِهَانَتِك إيَّايَ "وَلَا تَجْعَلنِي مَعَ الْقَوْم الظَّالِمِينَ" بِعِبَادَةِ الْعِجْل فِي الْمُؤَاخَذَة 151 قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ "قَالَ رَبّ اغْفِرْ لِي" مَا صَنَعْت بِأَخِي "وَلِأَخِي" أُشْرِكهُ فِي الدُّعَاء إرْضَاء لَهُ وَدَفْعًا لِلشَّمَاتَةِ بِهِ 152 إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ "إنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْل" إلَهًا "سَيَنَالُهُمْ غَضَب" عَذَاب "مِنْ رَبّهمْ وَذِلَّة فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا" فَعُذِّبُوا بِالْأَمْرِ بِقَتْلِ أَنْفُسهمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّة إلَى يَوْم الْقِيَامَة "وَكَذَلِكَ" كَمَا جَزَيْنَاهُمْ "نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ" عَلَى اللَّه بِالْإِشْرَاكِ وَغَيْره 153 وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ "وَاَلَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَات ثُمَّ تَابُوا" رَجَعُوا عَنْهَا "مِنْ بَعْدهَا وَآمَنُوا" بِاَللَّهِ "إنَّ رَبّك مِنْ بَعْدهَا" أَيْ التَّوْبَة "لَغَفُور" لَهُمْ "رَحِيم" بِهِمْ 154 وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ "وَلَمَّا سَكَتَ" سَكَنَ "عَنْ مُوسَى الْغَضَب أَخَذَ الْأَلْوَاح" الَّتِي أَلْقَاهَا "وَفِي نُسْخَتهَا" أَيْ مَا نُسِخَ فِيهَا أَيْ كُتِبَ "هُدًى" مِنْ الضَّلَالَة "وَرَحْمَة لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ" يَخَافُونَ وَأَدْخَلَ اللَّام عَلَى الْمَفْعُول لِتَقَدُّمِهِ 155 وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ "وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمه" أَيْ مِنْ قَوْمه "سَبْعِينَ رَجُلًا" مِمَّنْ لَمْ يَعْبُدُوا الْعِجْل بِأَمْرِهِ تَعَالَى "لِمِيقَاتِنَا" أَيْ لِلْوَقْتِ الَّذِي وَعَدْنَاهُ بِإِتْيَانِهِمْ فِيهِ لِيَعْتَذِرُوا مِنْ عِبَادَة أَصْحَابهمْ الْعِجْل فَخَرَجَ بِهِمْ "فَلَمَّا أَخَذَتْهُمْ الرَّجْفَة" الزَّلْزَلَة الشَّدِيدَة قَالَ ابْن عَبَّاس : لِأَنَّهُمْ لَمْ يُزَايِلُوا قَوْمهمْ حِين عَبَدُوا الْعِجْل قَالَ : وَهُمْ غَيْر الَّذِينَ سَأَلُوا الرُّؤْيَة وَأَخَذَتْهُمْ الصَّاعِقَة "قَالَ" مُوسَى "رَبّ لَوْ شِئْت أَهْلَكْتهمْ مِنْ قَبْل وَإِيَّايَ" أَيْ قَبْل خُرُوجِي بِهِمْ لِيُعَايِن بَنُو إسْرَائِيل ذَلِكَ وَلَا يَتَّهِمُونَ "أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاء مِنَّا" اسْتِفْهَام اسْتِعْطَاف أَيْ لَا تُعَذِّبنَا بِذَنْبِ غَيْرنَا "إنْ" مَا "هِيَ" أَيْ الْفِتْنَة الَّتِي وَقَعَ فِيهَا السُّفَهَاء "إلَّا فِتْنَتك" ابْتِلَاؤُك "تُضِلّ بِهَا مَنْ تَشَاء" إضْلَاله "وَتَهْدِي مَنْ تَشَاء" هِدَايَته "أَنْتَ وَلِيّنَا" مُتَوَلِّي أُمُورنَا 156 وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ "وَاكْتُبْ" أَوْجِبْ "لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَة وَفِي الْآخِرَة" حَسَنَة "إنَّا هُدْنَا" تُبْنَا "إلَيْك قَالَ" تَعَالَى "عَذَابِي أُصِيب بِهِ مَنْ أَشَاء" تَعْذِيبه "وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ" عَمَّتْ "كُلّ شَيْء" فِي الدُّنْيَا "فَسَأَكْتُبُهَا" فِي الْآخِرَة 157 الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ "الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُول النَّبِيّ الْأُمِّيّ" مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدهمْ فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل" بِاسْمِهِ وَصِفَته "يَأْمُرهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنْكَر وَيُحِلّ لَهُمْ الطَّيِّبَات" مِمَّا حَرَّمَ فِي شَرْعهمْ "وَيُحَرِّم عَلَيْهِمْ الْخَبَائِث" مِنْ الْمَيْتَة وَنَحْوهَا "وَيَضَع عَنْهُمْ إصْرهمْ" ثِقَلهمْ "وَالْأَغْلَال" الشَّدَائِد "الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ" كَقَتْلِ النَّفْس فِي التَّوْبَة وَقَطْع أَثَر النَّجَاسَة 158 قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ "قُلْ" خِطَاب لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "يَا أَيّهَا النَّاس إنِّي رَسُول اللَّه إلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْك السَّمَوَات وَالْأَرْض لَا إلَه إلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيت فَآمِنُوا بِاَللَّهِ وَرَسُوله النَّبِيّ الْأُمِّيّ الَّذِي يُؤْمِن بِاَللَّهِ وَكَلِمَاته" الْقُرْآن "وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ" تَرْشُدُونَ 159 وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ "وَمِنْ قَوْم مُوسَى أُمَّة" جَمَاعَة "يَهْدُونَ" النَّاس "بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ" فِي الْحُكْم 160 وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ "وَقَطَّعْنَاهُمْ" فَرَّقْنَا بَنِي إسْرَائِيل "اثْنَتَيْ عَشْرَة" حَال "أَسْبَاطًا" بَدَل مِنْهُ أَيْ قَبَائِل "أُمَمًا" بَدَل مِمَّا قَبْله "وَأَوْحَيْنَا إلَى مُوسَى إذْ اسْتَسْقَاهُ قَوْمه" فِي التِّيه "أَنْ اضْرِبْ بِعَصَاك الْحَجَر" فَضَرَبَهُ "فَانْبَجَسَتْ" انْفَجَرَتْ "مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَة عَيْنًا" بِعَدَدِ الْأَسْبَاط "قَدْ عَلِمَ كُلّ أُنَاس" سَبْط مِنْهُمْ "مَشْرَبهمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمْ الْغَمَام" فِي التِّيه مِنْ حَرّ الشَّمْس "وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ الْمَنّ وَالسَّلْوَى" هُمَا الترنجبين وَالطَّيْر السُّمَانَى بِتَخْفِيفِ الْمِيم وَالْقَصْر وَقُلْنَا لَهُمْ 161 وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ "و" اذْكُرْ "إذْ قِيلَ لَهُمْ اُسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَة" بَيْت الْمَقْدِس "وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا" أَمْرنَا "حِطَّة وَادْخُلُوا الْبَاب" أَيْ بَاب الْقَرْيَة "سُجَّدًا" سُجُود انْحِنَاء "نَغْفِر" بِالنُّونِ وَالتَّاء مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ "لَكُمْ خَطِيئَاتكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ" بِالطَّاعَةِ ثَوَابًا 162 فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ "فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْر الَّذِي قِيلَ لَهُمْ" فَقَالُوا : حَبَّة فِي شَعْرَة وَدَخَلُوا يَزْحَفُونَ عَلَى أَسْتَاههمْ "فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا" عَذَابًا 163 وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ "وَاسْأَلْهُمْ" يَا مُحَمَّد تَوْبِيخًا "عَنْ الْقَرْيَة الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَة الْبَحْر" مُجَاوِرَة بَحْر الْقُلْزُم وَهِيَ أَيْلَة مَا وَقَعَ بِأَهْلِهَا "إذْ يَعْدُونَ" يَعْتَدُونَ "فِي السَّبْت" بِصَيْدِ السَّمَك الْمَأْمُورِينَ بِتَرْكِهِ فِيهِ "إذْ" ظَرْف لِيَعْدُونَ "تَأْتِيهِمْ حِيتَانهمْ يَوْم سَبْتهمْ شُرَّعًا" ظَاهِرَة عَلَى الْمَاء "وَيَوْم لَا يَسْبِتُونَ" لَا يُعَظِّمُونَ السَّبْت أَيْ سَائِر الْأَيَّام "لَا تَأْتِيهِمْ" ابْتِلَاء مِنْ اللَّه "كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ" وَلَمَّا صَادُوا السَّمَك افْتَرَقَتْ الْقَرْيَة أَثَلَاثًا ثُلُث صَادُوا مَعَهُمْ وَثُلُث نَهَوْهُمْ وَثُلُث أَمْسَكُوا عَنْ الصَّيْد وَالنَّهْي 164 وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ "وَإِذْ" عَطْف عَلَى إذْ قَبْله "قَالَتْ أُمَّة مِنْهُمْ" لِمَ تَصُدّ وَلَمْ تُنْهَ لِمَنْ نَهَى "لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّه مُهْلِكهمْ أَوْ مُعَذِّبهمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا" مَوْعِظَتنَا "مَعْذِرَة" نَعْتَذِر بِهَا "إلَى رَبّكُمْ" لِئَلَّا نُنْسَب إلَى تَقْصِير فِي تَرْك النَّهْي "وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ" الصَّيْد 165 فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ "فَلَمَّا نَسُوا" تَرَكُوا "مَا ذُكِّرُوا" وُعِظُوا "بِهِ" فَلَمْ يَرْجِعُوا "أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنْ السُّوء وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا" بِالِاعْتِدَاءِ "بِعَذَابٍ بَئِيس" شَدِيد [INDENT] 166 فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ "فَلَمَّا عَتَوْا" تَكَبَّرُوا "عَنْ" تَرْك "مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَة خَاسِئِينَ" صَاغِرِينَ فَكَانُوهَا وَهَذَا تَفْصِيل لِمَا قَبْله قَالَ ابْن عَبَّاس : مَا أَدْرِي مَا فَعَلَ بِالْفِرْقَةِ السَّاكِتَة وَقَالَ عِكْرِمَة : لَمْ تُهْلَك لِأَنَّهَا كَرِهَتْ مَا فَعَلُوهُ وَقَالَتْ : لِمَ تَعِظُونَ إلَخْ وَرَوَى الْحَاكِم عَنْ ابْن عَبَّاس : أَنَّهُ رَجَعَ إلَيْهِ وَأَعْجَبَهُ 167 وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ "وَإِذْ تَأَذَّنَ" أَعْلَمَ "رَبّك لَيَبْعَثَن عَلَيْهِمْ" أَيْ الْيَهُود "إلَى يَوْم الْقِيَامَة مَنْ يَسُومهُمْ سُوء الْعَذَاب" بِالذُّلِّ وَأَخْذ الْجِزْيَة فَبَعَثَ عَلَيْهِمْ سُلَيْمَان وَبَعْده بُخْتَنَصَّرَ فَقَتَلَهُمْ وَسَبَاهُمْ وَضَرَبَ عَلَيْهِمْ الْجِزْيَة فَكَانُوا يُؤَدُّونَهَا إلَى الْمَجُوس إلَى أَنْ بَعَثَ نَبِيّنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَضَرَبَهَا عَلَيْهِمْ "إنَّ رَبّك لَسَرِيع الْعِقَاب" لِمَنْ عَصَاهُ "وَإِنَّهُ لَغَفُور" لِأَهْلِ طَاعَته "رَحِيم" بِهِمْ 168 وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ "وَقَطَّعْنَاهُمْ" فَرَّقْنَاهُمْ "فِي الْأَرْض أُمَمًا" فِرَقًا "مِنْهُمْ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ" نَاس "دُون ذَلِكَ" الْكُفَّار وَالْفَاسِقُونَ "وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ" بِالنِّعَمِ "وَالسَّيِّئَات" النِّقَم "لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ" عَنْ فِسْقهمْ 169 فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ "فَخَلَفَ مِنْ بَعْدهمْ خَلْف وَرِثُوا الْكِتَاب" التَّوْرَاة عَنْ آبَائِهِمْ "يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى" أَيْ حُطَام هَذَا الشَّيْء الدَّنِيء أَيْ الدُّنْيَا مِنْ حَلَال وَحَرَام "وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا" مَا فَعَلْنَاهُ "وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَض مِثْله يَأْخُذُوهُ" الْجُمْلَة حَال أَيْ يَرْجُونَ الْمَغْفِرَة وَهُمْ عَائِدُونَ إلَى مَا فَعَلُوهُ مُصِرُّونَ عَلَيْهِ وَلَيْسَ فِي التَّوْرَاة وَعْد الْمَغْفِرَة مَعَ الْإِصْرَار "أَلَمْ يُؤْخَذ" اسْتِفْهَام تَقْرِير "عَلَيْهِمْ مِيثَاق الْكِتَاب" الْإِضَافَة بِمَعْنَى فِي "أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّه إلَّا الْحَقّ وَدَرَسُوا" عَطْف عَلَى يُؤْخَذ قَرَءُوا "مَا فِيهِ" فَلِمَ كَذَبُوا عَلَيْهِ بِنِسْبَةِ الْمَغْفِرَة إلَيْهِ مَعَ الْإِصْرَار "وَالدَّار الْآخِرَة خَيْر لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ" الْحَرَام "أَفَلَا يَعْقِلُونَ" بِالْيَاءِ وَالتَّاء أَنَّهَا خَيْر فَيُؤْثِرُونَهَا عَلَى الدُّنْيَا 170 وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ "وَاَلَّذِينَ يُمَسِّكُونَ" بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيف "بِالْكِتَابِ" مِنْهُمْ "وَأَقَامُوا الصَّلَاة" كَعَبْدِ اللَّه بْن سَلَام وَأَصْحَابه "إنَّا لَا نُضِيع أَجْر الْمُصْلِحِينَ" الْجُمْلَة خَبَر الَّذِينَ وَفِيهِ وَضَعَ الظَّاهِر مَوْضِع الْمُضْمَر أَيْ أَجْرهمْ 171 وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ "وَ" اُذْكُرْ "إذْ نَتَقْنَا الْجَبَل" رَفَعْنَاهُ مِنْ أَصْله "فَوْقهمْ كَأَنَّهُ ظُلَّة وَظَنُّوا" أَيْقَنُوا "أَنَّهُ وَاقِع بِهِمْ" سَاقِط عَلَيْهِمْ بِوَعْدِ اللَّه إيَّاهُمْ بِوُقُوعِهِ إنْ لَمْ يَقْبَلُوا أَحْكَام التَّوْرَاة وَكَانُوا أَبَوْهَا لِثَقَلِهَا فَقَبِلُوا وَقُلْنَا لَهُمْ "خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ" بِجِدٍّ وَاجْتِهَاد "وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ" بِالْعَمَلِ بِهِ 172 وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ "وَ" اذْكُرْ "إِذْ" حِين "أَخَذَ رَبّك مِنْ بَنِي آدَم مِنْ ظُهُورهمْ" بَدَل اشْتِمَال مِمَّا قَبْله بِإِعَادَةِ الْجَار "ذُرِّيَّتهمْ" بِأَنْ أَخْرَجَ بَعْضهمْ مِنْ صُلْب بَعْض مِنْ صُلْب آدَم نَسْلًا بَعْد نَسْل كَنَحْوِ مَا يَتَوَالَدُونَ كَالذَّرِّ بِنُعْمَانَ يَوْم عَرَفَة وَنَصَبَ لَهُمْ دَلَائِل عَلَى رُبُوبِيَّته وَرَكَّبَ فِيهِمْ عَقْلًا "وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسهمْ" قَالَ "أَلَسْت بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى" أَنْتَ رَبّنَا "شَهِدْنَا" بِذَلِكَ وَالْإِشْهَاد "أَنْ" لَا "يَقُولُوا" بِالْيَاءِ وَالتَّاء فِي . الْمَوْضِعَيْنِ أَيْ الْكُفَّار "يَوْم الْقِيَامَة إنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا" التَّوْحِيد "غَافِلِينَ" لَا نَعْرِفهُ 173 أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ "أَوْ تَقُولُوا إنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْل" أَيْ قَبْلنَا "وَكُنَّا ذُرِّيَّة مِنْ بَعْدهمْ" فَاقْتَدَيْنَا بِهِمْ "أَفَتُهْلِكنَا" تُعَذِّبنَا "بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ" مِنْ آبَائِنَا بِتَأْسِيسِ الشِّرْك الْمَعْنَى لَا يُمْكِنهُمْ الِاحْتِجَاج بِذَلِكَ مَعَ إشْهَادهمْ عَلَى أَنْفُسهمْ بِالتَّوْحِيدِ وَالتَّذْكِير بِهِ عَلَى لِسَان صَاحِب الْمُعْجِزَة قَائِم مَقَام ذِكْره فِي النَّفُوس 174 وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ "وَكَذَلِكَ نُفَصِّل الْآيَات" نُبَيِّنهَا مِثْل مَا بَيَّنَّا الْمِيثَاق لِيَتَدَبَّرُوهَا "وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ" عَنْ كُفْرهمْ 175 وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ "وَاتْلُ" يَا مُحَمَّد "عَلَيْهِمْ" أَيْ الْيَهُود "نَبَأ" خَبَر "الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا" خَرَجَ بِكُفْرِهِ كَمَا تَخْرُج الْحَيَّة مِنْ جِلْدهَا وَهُوَ بلعم بْن بَاعُورَاءَ مِنْ عُلَمَاء بَنِي إسْرَائِيل سُئِلَ أَنْ يَدْعُو عَلَى مُوسَى وَأُهْدِيَ إلَيْهِ شَيْء فَدَعَا فَانْقَلَبَ عَلَيْهِ وَانْدَلَعَ لِسَانه عَلَى صَدْره "فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَان" فَأَدْرَكَهُ فَصَارَ قَرِينه 176 وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ "وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ" إلَى مَنَازِل الْعُلَمَاء "بِهَا" بِأَنْ نُوَفِّقهُ لِلْعَمَلِ "وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ" سَكَنَ "إلَى الْأَرْض" أَيْ الدُّنْيَا وَمَالَ إلَيْهَا "وَاتَّبَعَ هَوَاهُ" فِي دُعَائِهِ إلَيْهَا فَوَضَعْنَاهُ "فَمَثَله" صِفَته "كَمَثَلِ الْكَلْب إنْ تَحْمِل عَلَيْهِ" بِالطَّرْدِ وَالزَّجْر "يَلْهَث" يَدْلَع لِسَانه "أَوْ" إنْ "تَتْرُكهُ يَلْهَث" وَلَيْسَ غَيْره مِنْ الْحَيَوَان كَذَلِكَ وَجُمْلَتَا الشَّرْط حَال أَيْ لَاهِثًا ذَلِيلًا بِكُلِّ حَال وَالْقَصْد التَّشْبِيه فِي الْوَضْع وَالْخِسَّة بِقَرِينَةِ الْفَاء الْمُشْعِرَة بِتَرْتِيبِ مَا بَعْدهَا عَلَى مَا قَبْلهَا مِنْ الْمَيْل إلَى الدُّنْيَا وَاتِّبَاع الْهَوَى وَبِقَرِينَةِ قَوْله "ذَلِكَ" الْمَثَل "مَثَل الْقَوْم الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصْ الْقَصَص" عَلَى الْيَهُود "لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ" يَتَدَبَّرُونَ فِيهَا فَيُؤْمِنُونَ 177 سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ "سَاءَ" بِئْسَ "مَثَلًا الْقَوْم" أَيْ مَثَل الْقَوْم "الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسهمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ" بِالتَّكْذِيبِ 178 مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { مَنْ يَهْدِ اللَّه فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : الْهِدَايَة وَالْإِضْلَال بِيَدِ اللَّه وَالْمُهْتَدِي وَهُوَ السَّالِك سَبِيل الْحَقّ الرَّاكِب قَصْد الْمَحَجَّة فِي دِينه مَنْ هَدَاهُ اللَّه لِذَلِكَ , فَوَفَّقَهُ لِإِصَابَتِهِ . وَالضَّالّ مَنْ خَذَلَهُ اللَّه فَلَمْ يُوَفِّقهُ لِطَاعَتِهِ , وَمَنْ فَعَلَ اللَّه ذَلِكَ بِهِ فَهُوَ الْخَاسِر : يَعْنِي الْهَالِك. وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الْخَسَارَة وَالْهِدَايَة وَالضَّلَالَة فِي غَيْر مَوْضِع مِنْ كِتَابنَا هَذَا بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع 179 وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ "وَلَقَدْ ذَرَأْنَا" خَلَقْنَا "لِجَهَنَّم كَثِيرًا مِنْ الْجِنّ وَالْإِنْس لَهُمْ قُلُوب لَا يَفْقُهُونَ بِهَا" الْحَقّ "وَلَهُمْ أَعْيُن لَا يُبْصِرُونَ بِهَا" دَلَائِل قُدْرَة اللَّه بَصَر اعْتِبَار "وَلَهُمْ آذَان لَا يَسْمَعُونَ بِهَا" الْآيَات وَالْمَوَاعِظ سَمَاع تَدَبُّر وَاتِّعَاظ "أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ" فِي عَدَم الْفِقْه وَالْبَصَر وَالِاسْتِمَاع "بَلْ هُمْ أَضَلّ" مِنْ الْأَنْعَام لِأَنَّهَا تَطْلُب مَنَافِعهَا وَتَهْرُب مِنْ مَضَارّهَا وَهَؤُلَاءِ يَقْدَمُونَ عَلَى النَّار مُعَانَدَة 180 وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ "وَلِلَّهِ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى" التِّسْعَة وَالتِّسْعُونَ الْوَارِد بِهَا الْحَدِيث وَالْحُسْنَى مُؤَنَّث الْأَحْسَن "فَادْعُوهُ" سَمُّوهُ "بِهَا وَذَرُوا" اُتْرُكُوا "الَّذِينَ يُلْحِدُونَ" مِنْ أَلْحَدَ وَلَحَدَ يَمِيلُونَ عَنْ الْحَقّ . "فِي أَسْمَائِهِ" حَيْثُ اشْتَقُّوا مِنْهَا أَسْمَاء لِآلِهَتِهِمْ : كَاَللَّاتِي مِنْ اللَّه وَالْعُزَّى مِنْ الْعَزِيز وَمَنَاة مِنْ الْمَنَّان "سَيُجْزَوْنَ" فِي الْآخِرَة جَزَاء "مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ" وَهَذَا قَبْل الْأَمْر بِالْقِتَالِ 181 وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ "وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّة يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ" هُمْ أُمَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا فِي حَدِيثٍ . 182 وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ "وَاَلَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا" الْقُرْآن مِنْ أَهْل مَكَّة "سَنَسْتَدْرِجُهُمْ" نَأْخُذهُمْ قَلِيلًا قَلِيلًا 183 وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ "وَأُمْلِي لَهُمْ" أَمْهِلْهُمْ "إنَّ كَيْدِي مَتِين" شَدِيد لَا يُطَاق 184 أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ "أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا" فَيَعْلَمُوا "مَا بِصَاحِبِهِمْ" مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "مِنْ جِنَّة" جُنُون "إنْ" مَا "هُوَ إلَّا نَذِير مُبِين" بَيِّن الْإِنْذَار 185 أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ "أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوت" مُلْك "السَّمَوَات وَالْأَرْض وَ" فِي "مَا خَلَقَ اللَّه مِنْ شَيْء" بَيَان لِمَا فَيَسْتَدِلُّوا بِهِ عَلَى قُدْرَة صَانِعه وَوَحْدَانِيّته "و" فِي "أَنْ" أَيْ أَنَّهُ "عَسَى أَنْ يَكُون قَدْ اقْتَرَبَ" قَرُبَ "أَجَلهمْ" فَيَمُوتُوا كُفَّارًا فَيَصِيرُوا إلَى النَّار فَيُبَادِرُوا إلَى الْإِيمَان "فَبِأَيِّ حَدِيث بَعْده" أَيْ الْقُرْآن 186 مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ "مَنْ يَضْلِلْ اللَّه فَلَا هَادِي لَهُ وَيَذَرهُمْ" بِالْيَاءِ وَالنُّون مَعَ الرَّفْع اسْتِئْنَافًا وَالْجَزْم عَطْفًا عَلَى مَحَلّ مَا بَعْد الْفَاء "فِي طُغْيَانهمْ يَعْمَهُونَ" يَتَرَدَّدُونَ تَحَيُّرًا 187 يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ "يَسْأَلُونَك" أَيْ أَهْل مَكَّة "عَنْ السَّاعَة" الْقِيَامَة "أَيَّانَ" مَتَى "مُرْسَاهَا قُلْ" لَهُمْ "إنَّمَا عِلْمهَا" مَتَى تَكُون "عِنْد رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا" يُظْهِرهَا "لِوَقْتِهَا" اللَّام بِمَعْنَى فِي "إلَّا هُوَ ثَقُلَتْ" عَظُمَتْ "فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض" عَلَى أَهْلهَا لِهَوْلِهَا "لَا تَأْتِيكُمْ إلَّا بَغْتَة" فَجْأَة "يَسْأَلُونَك كَأَنَّك حَفِيّ" مُبَالِغ فِي السُّؤَال "عَنْهَا" حَتَّى عَلِمْتَهَا "قُلْ إنَّمَا عِلْمهَا عِنْد اللَّه" تَأْكِيد "وَلَكِنَّ أَكْثَر النَّاس لَا يَعْلَمُونَ" أَنَّ عِلْمهَا عِنْده تَعَالَى 188 قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ "قُلْ لَا أَمْلِك لِنَفْسِي نَفْعًا" أَجْلُبهُ "وَلَا ضَرًّا" أَدُفَعه "إلَّا مَا شَاءَ اللَّه وَلَوْ كُنْت أَعْلَم الْغَيْب" مَا غَابَ عَنِّي "لَاسْتَكْثَرْت مِنْ الْخَيْر وَمَا مَسَّنِيَ السُّوء" مِنْ فَقْر وَغَيْره لِاحْتِرَازِي عَنْهُ بِاجْتِنَابِ الْمَضَارّ "إنْ" مَا "أَنَا إلَّا نَذِير" بِالنَّارِ لِلْكَافِرِينَ "وَبَشِير" بِالْجَنَّةِ 189 هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ "هُوَ" أَيْ اللَّه "الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْس وَاحِدَة" أَيْ آدَم "وَجَعَلَ" خَلَقَ "مِنْهَا زَوْجهَا" حَوَّاء "لِيَسْكُن إلَيْهَا" وَيَأْلَفهَا "فَلَمَّا تَغَشَّاهَا" جَامَعَهَا "حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا" هُوَ النُّطْفَة "فَمَرَّتْ بِهِ" ذَهَبَتْ وَجَاءَتْ لِخَفَّتِهِ "فَلَمَّا أَثْقَلَتْ" بِكِبَرِ الْوَلَد فِي بَطْنهَا وَأَشْفَقَا أَنْ يَكُون بَهِيمَة "دَعَوْا اللَّه رَبّهمَا لَئِنْ آتَيْتنَا" وَلَدًا "صَالِحًا" سَوِيًّا "لَنَكُونَنَّ مِنْ الشَّاكِرِينَ" لَك عَلَيْهِ 190 فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ "فَلَمَّا آتَاهُمَا" وَلَدًا "صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاء" وَفِي قِرَاءَة بِكَسْرِ الشِّين وَالتَّنْوِين أَيْ شَرِيكًا "فِيمَا آتَاهُمَا" بِتَسْمِيَتِهِ عَبْد الْحَارِث وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُون عَبْدًا إلَّا لِلَّهِ وَلَيْسَ بِإِشْرَاكٍ فِي الْعُبُودِيَّة لِعِصْمَةِ آدَم وَرَوَى سَمُرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (لَمَّا وَلَدَتْ حَوَّاء طَافَ بِهَا إبْلِيس وَكَانَ لَا يَعِيش لَهَا وَلَد فَقَالَ : سَمِّيهِ عَبْد الْحَارِث فَإِنَّهُ يَعِيش فَسَمَّتْهُ فَعَاشَ فَكَانَ ذَلِكَ مِنْ وَحْي الشَّيْطَان وَأَمْره) رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَسَن غَرِيب "فَتَعَالَى اللَّه عَمَّا يُشْرِكُونَ" أَيْ أَهْل مَكَّة بِهِ مِنْ الْأَصْنَام وَالْجُمْلَة مُسَبِّبَة عَطْف عَلَى خَلَقَكُمْ وَمَا بَيْنهمَا اعْتِرَاض 191 أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ "أَيُشْرِكُونَ" بِهِ فِي الْعِبَادَة 192 وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ "وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ" أَيْ لِعَابِدِيهِمْ "نَصْرًا وَلَا أَنْفُسهمْ يَنْصُرُونَ" بِمَنْعِهَا مِمَّنْ أَرَادَ بِهِمْ سُوءًا مِنْ كَسْر أَوْ غَيْره وَالِاسْتِفْهَام لِلتَّوْبِيخِ [center]193 وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ "وَإِنْ تَدْعُوهُمْ" أَيْ الْأَصْنَام "إلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ" بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيد "سَوَاء عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ" إلَيْهِ "أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ" عَنْ دُعَائِهِمْ لَا يَتَّبِعُوهُ لِعَدَمِ سَمَاعهمْ" 194 إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ "إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ" تَعْبُدُونَ "مِنْ دُون اللَّه عِبَاد" مَمْلُوكَة "أَمْثَالكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ" دُعَاءَكُمْ "إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ" فِي أَنَّهَا آلِهَة ثُمَّ بَيَّنَ غَايَة عَجْزهمْ وَفَضْل عَابِدِيهِمْ عَلَيْهِمْ 195 أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ "أَلَهُمْ أَرَجُل يَمْشُونَ بِهَا أَمْ" "أَيْدٍ" جَمْع يَد اسْتِفْهَام إنْكَارِيّ أَيْ لَيْسَ لَهُمْ شَيْء مِنْ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ لَكُمْ فَكَيْفَ تَعْبُدُونَهُمْ وَأَنْتُمْ أَتَمّ حَالًا مِنْهُمْ "قُلْ" لَهُمْ يَا مُحَمَّد "اُدْعُوا شُرَكَاءَكُمْ" إلَى هَلَاكِي "ثُمَّ كِيدُونِي فَلَا تُنْظِرُونِي" تُمْهِلُونَ فَإِنِّي لَا أُبَالِي بِكُمْ 196 إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ "إنَّ وَلِيّ اللَّه" مُتَوَلِّي أُمُورِي "الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَاب" الْقُرْآن "وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ" بِحِفْظِهِ 197 وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ "وَاَلَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونه لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْركُمْ وَلَا أَنْفُسهمْ يَنْصُرُونَ" فَكَيْفَ أُبَالِي بِهِمْ 198 وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ "وَإِنْ تَدْعُوهُمْ" أَيْ الْأَصْنَام "إلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ" أَيْ الْأَصْنَام يَا مُحَمَّد "يَنْظُرُونَ إلَيْك" أَيْ يُقَابِلُونَك كَالنَّاظِرِ 199 خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ "خُذْ الْعَفْو" الْيُسْر مِنْ أَخْلَاق النَّاس وَلَا تَبْحَث عَنْهَا "وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ" بِالْمَعْرُوفِ "وَأَعْرِض عَنْ الْجَاهِلِينَ" فَلَا تَقَابُلهمْ بِسَفَهِهِمْ 200 وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ "وَإِمَّا" فِيهِ إدْغَام نُون إنْ الشَّرْطِيَّة فِي مَا الْمَزِيدَة "يَنْزِغَنك مِنْ الشَّيْطَان نَزْغ" أَيْ إنْ يَصْرِفك عَمَّا أَمَرْت بِهِ صَارِف "فَاسْتَعِذْ بِاَللَّهِ" جَوَاب الشَّرْط وَجَوَاب الْأَمْر مَحْذُوف أَيْ يَدْفَعهُ عَنْك "إنَّهُ سَمِيع" لِلْقَوْلِ "عَلِيم" بِالْفِعْلِ 201 إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ "إنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إذَا مَسَّهُمْ" أَصَابَهُمْ "طَيْف" وَفِي قِرَاءَة طَائِف أَيْ شَيْء أَلَمَّ بِهِمْ "مِنْ الشَّيْطَان تَذَكَّرُوا" عِقَاب اللَّه وَثَوَابه "فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ" الْحَقّ مِنْ غَيْره فَيَرْجِعُونَ 202 وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ "وَإِخْوَانهمْ" أَيْ إخْوَان الشَّيَاطِين مِنْ الْكُفَّار "يُمِدُّونَهُمْ" أَيْ الشَّيَاطِين "فِي الْغَيّ ثُمَّ" هُمْ "لَا يُقْصِرُونَ" يَكُفُّونَ عَنْهُ بِالتَّبَصُّرِ كَمَا تَبَصَّرَ الْمُتَّقُونَ 203 وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ "وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ" أَيْ أَهْل مَكَّة "بِآيَةٍ" مِمَّا اقْتَرَحُوا "قَالُوا لَوْلَا" . هَلَّا "اجْتَبَيْتهَا" أَنْشَأْتهَا مِنْ قِبَل نَفْسك "قُلْ" لَهُمْ "إنَّمَا أَتَّبِع مَا يُوحَى إلَيَّ مِنْ رَبِّي" وَلَيْسَ لِي أَنْ آتِي مِنْ عِنْد نَفْسِي بِشَيْءٍ "هَذَا" الْقُرْآن "بَصَائِر" حُجَج 204 وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ "وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآن فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا" عَنْ الْكَلَام "لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ" نَزَلَتْ فِي تَرْك الْكَلَام فِي الْخُطْبَة وَعَبَّرَ عَنْهَا بِالْقُرْآنِ لِاشْتِمَالِهَا عَلَيْهِ وَقِيلَ فِي قِرَاءَة الْقُرْآن مُطْلَقًا 205 وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ "وَاذْكُرْ رَبّك فِي نَفْسك" أَيْ سِرًّا "تَضَرُّعًا" تَذَلُّلًا "وَخِيفَة" خَوْفًا مِنْهُ "و" فَوْق السِّرّ "دُون الْجَهْر مِنْ الْقَوْل" أَيْ قَصْدًا بَيْنهمَا "بِالْغُدُوِّ وَالْآصَال" أَوَائِل النَّهَار وَأَوَاخِره "وَلَا تَكُنْ مِنْ الْغَافِلِينَ" عَنْ ذِكْر اللَّه 206 إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ "إنَّ الَّذِينَ عِنْد رَبّك" أَيْ الْمَلَائِكَة "لَا يَسْتَكْبِرُونَ" يَتَكَبَّرُونَ "عَنْ عِبَادَته وَيُسَبِّحُونَهُ" يُنَزِّهُونَهُ عَمَّا لَا يَلِيق بِهِ "وَلَهُ يَسْجُدُونَ" أَيْ يَخُصُّونَهُ بِالْخُضُوعِ وَالْعِبَادَة فَكُونُوا مِثْلهُمْ . (( تم بحمدالله ختم تفسير سورة الاعـــراف )) |
||||||||||
|
| يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 زائر) | |
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | الردود | آخر مشاركة |
| القرآن الكريم كاملا بصوت القارئ فارس عباد - صوت عذب جداا | Positive21 | القـسـم الإسـلامـى الـعـام | 2 | 26-06-2015 06:41 PM |
| اسطوانه القرآن الكريم كاملا بصوت الشيخ محمد جبريل كامل | MeZo.Sadly | القـسـم الإسـلامـى الـعـام | 2 | 01-07-2009 12:11 PM |
| القرآن الكريم كاملا بصوت الشيخ عبد الباسط عبد الصمد (تجويد) بحجم 525 ميجا | محسن الكاشف | القـسـم الإسـلامـى الـعـام | 4 | 29-06-2009 11:46 AM |