الجزء الثاني
حدث هذا عندما كنت في المرحلة الثانوية .. مرحلة الموت و الفشل أو التشبث بالحياة و النجاة كما حورتها وزارة تعليمنا الرشيدة .. و بالتحديد في الصف الثالث الثانوي .. كنت أدرس في القسم العلمي و كنت شديد الرغبة في الالتحاق بأحدى كليات القمة .. لا ليست الطب كما يتخيل كل الناس بل الهندسة بالتحديد .. و لأنني أحلم بدخول كلية الهندسة و لأنني أدرس في القسم علمي رياضة و لأنني أريد أن أصبح شيئاً مهماً في المجتمع و لأن الفيزياء مادة شديدة الأهمية في قسمنا فقد كانت ليلة امتحان الفيزياء بالنسبة لي ليلة قلق و توتر و خوف رهيب .. خفت من الامتحان لدرجة أنه انتابني إحساس كئيب بأنني لن أتمكن من اجتياز هذه المادة بالذات .. خفت لدرجة أن كل ما استذكرته من فصول المادة و علومها طوال العام تبخر من ذاكرتي تماماً و لم أعد قادراً على تذكر قانون واحد من قوانين الفيزياء التي ندرسها !
خفت لدرجة أنني قررت ألا أدخل الامتحان !
طبعاً كان هذا جنون .. جنون وقتي أصابني فوجدت نفسي ؛ دون وعي ؛ أضطرب و أعاف الطعام و أشعر بماء مثلج يملأ معدتي حتى تخيلت أنني غير قادر على النهوض من مكاني .. و أصابتني تشجنات شديدة و دخلت في حالة إعياء رهيبة ألقتني على فراشي كالتمثال الخالي من الحياة !
فزعت أمي و أسرع أبي بإحضار طبيب العائلة الكريه ليراني و يصف لي العلاج المناسب .. و كان الحال في غاية السوء .. فالامتحان لم يتبقى عليه سوى ساعات و ذاكرتي اللعينة قد تحجرت فلم أعد أذكر حتى أنني سمعت من قبل عن شيء أسمه ( قوانين الفيزياء ) .. و جاء الطبيب مهرولاً ؛ فقد كان والدي شديدي الكرم معه حتى أنهما كانا يجران كل المرضى من عائلتنا أو من معارفنا جراً إلى عيادته ؛و فحصني بدقة ثم أعلن أنني أعاني من ( رهاب ليلة الامتحان ) و بحاجة إلى تناول عقار مهدئ و النوم لبضع ساعات بعدها سأكون بخير بإذن الله .. و بالفعل فقد تناولت حبتين مهدئتين و شربت كوباً من العصير و وضعت كتاب الفيزياء في أبعد مكان عن ناظري .. ثم احتضنت وسادتي و غبت في نوم عميق .. و استيقظت في منتصف الليل بالضبط و قد نسيت تماماً أن عندي امتحان فيزياء في اليوم التالي !
استراحت والدتي لهدوئي المثير و أعدت لي عشاءً طيباً ومج نسكافيه يكفي لإصابة مصر كلها بالأرق .. تناولت العشاء ببطء و استمتاع و شربت النسكافيه متلذذاً و أنا مرتاح البال و آخر هدوء .. و بمجرد أن نهضت من مكاني حثتني والدتي على الذهاب لغرفتي للاستذكار ، فلم يتبقى على موعد الامتحان سوى ساعات محدودة .. و لكنني جلست أمام التليفزيون بهدوء وفتحته و أخذت أشاهد الكرتون و كأنني طفل في الرابعة من عمري .. و عندما كررت أمي مناشدتها لي بمحاولة الاستذكار وجدت نفسي أقول لها كلاماً لم أعده من قبل و لم أتصور حتى أنني سأقوله في يوم ما :
- " أمي أنا لن أذهب للامتحان .. لقد أخطأت بدخولي لهذا القسم .. إنه لا يناسبني .. سأستكمل دراستي في القسم الأدبي ! "
وبمجرد أن انتهيت من كلامي حتى قامت الدنيا و لم تقعد .. أثارت والدتي زوبعة هائلة في البيت و أخذت تلطم وتشد شعرها و صرخت منادية والدي و إخوتي ليشهدوا على خيبتي القوية وخيبة أملها في .. و جاء والدي فكررت له ما سبق أن قلته في هدوء .. كانت قد تلبستني حالة من البرود الكامل و ( التناحة ) المتناهية بحيث أنني لم آبه لصراخ والدتي ولا كلام والدي الجاف وتهديداته لي بطردي من البيت و لا بسخرية أخوتي منى .. المهم أنني ظللت واقفاً في مكاني حتى أنتهى الموشح التي اشتركت في غناءه العائلة بأكملها ثم دخلت إلى غرفتي لأنعم بنوم هادئ لذيذ لم أنعم به في حياتي من قبل !
ثم ما الذي حدث بعد ذلك .. لم أكن هناك ولم أرى أي شيء .. فقط أنا سأقص عليك ما رواه لي الآخرون الذين رأوني .. أو الذين ( شبه إليهم ) !
..............................
في الساعة الثامنة والنصف من صباح اليوم التالي رأتني والدتي ؛ التي لم تحاول إيقاظي للذهاب إلى الامتحان كما أمرها أبي ؛ خارجاً من غرفتي بكامل ثيابي وقد حملت في يدي أدواتي التي أستخدمها في أداء الامتحان بالإضافة إلى كتب ومذكرات الفيزياء و قلت لها بابتسامة واثقة أنني ذاهب إلى الامتحان و لن أتأخر !
طبعاً خرت والدتي على الأرض شكراً لله الذي هداني على نفسي .. و هرعت إلى التليفون لتخبر والدي ؛ الذي كان في عمله ؛ بهذا الخبر السار و بالطبع فقد شاركها والدي سعادتها .. و قضت والدتي ساعات في انتظار عودتي .. و هناك في لجنة الامتحان في مدرسة ( أبو بكر الصديق الثانوية ) و في التاسعة إلا الربع دخل طلاب المرحلة الثانية لأداء امتحان الفيزياء و كنت أولهم .. و في التاسعة تماماً جاءت أوراق الأسئلة و كان الامتحان مدمراً .. أسئلة في منتهى الصعوبة و ( الفزلكة ) و التحوير .. و اندلع حريق في اللجنة و أخذ الطلاب يصيحون محتجين أما الفتيات فقد كفين أنفسهن مؤونة الصراخ و اللطم لأنهن اختصرن الموضوع .. و فضلن الإغماء مباشرة !
المهم أنه وسط المذبحة التي حدثت في لجان الفيزياء يومها ربما كان هناك طالب واحد هو الذي آثار رد فعله الدهشة والذهول وسط زملائه خاصة ممن كانوا معه في نفس الفصل .. وكان هذا الطالب الوحيد الذي أحتفظ بهدوئه هو أنا .. كما يفترض !
قيل لي أنني تسلمت ورقة الأسئلة و نظرت إليها باستهانة للحظة .. ثم فتحت ورقة الإجابة وأخذت يدي تتحرك بسرعة فائقة وكأنها ( مكوك ) مسجلة الإجابات ودون حتى أن أرجع إلى ورقة الأسئلة أو أنظر إليها مرة أخرى !
و لم ألبث أن انتهيت من الإجابة قبل مرور أقل من ربع ساعة .. و بقيت في مكاني أنتظر مرور نصف الوقت ؛ وهي الفترة القانونية التي لا يُسمح لنا بالخروج قبلها ؛ بينما كان زملائي في اللجنة يحدجونني بالنظرات المذهولة !
و أخيراً مضى نصف الوقت فنهضت من مكاني و سلمت الورقة إلى المراقبين .. ثم غادرت اللجنة تشيعني رغبات زملائي المخلصة في أن تدهسني سيارة سائقها الأعمى قبل أن أصل إلى بيتي !
و قبل أن تصل عقارب الساعة إلى الحادية عشرة كنت أطرق باب البيت في هدوء .. ففتحت لي أمي بوجه باسم مستبشر و سألتني بلهفة عما فعلته في الامتحان فأجبتها بهزة رأس و ابتسامة رضا .. ثم دخلت إلى غرفتي و أغلقت الباب خلفي معطياً أمي انطباعاً بأنني متعب و أريد الاستغراق في النوم !
..............................
نهضت من نومي الثقيل في الساعة الثانية عشرة ظهراً فوجدت الستائر مغلقة و النور الساهر الصغير الذي أبقيه مضاءً أثناء نومي مطفأ فعرفت أنني قد حظيت بزيارة أخرى من صديقي أثناء النوم .. كنت قد تذكرت فجأة موضوع الفيزياء و امتحان الفيزياء و مصيبة الفيزياء و شعرت بهول الكارثة التي وضعت نفسي فيها .. في هذه اللحظة كان هناك حفيف ثوب بجوار أذني فأدرت وجهي إلى الناحية الأخرى ؛ كما علمني ؛ و قلت دون أن أحاول إدارة وجهي أو النظر إليه :
- " ماذا .. هل هناك شيء هام ؟! "
فقال لي بصوته المماثل تماماً لصوتي :
- " لا شيء .. فيما عدا أنك ذهبت صباح اليوم إلى اللجنة وأديت امتحان الفيزياء وانتهيت منه قبل أي طالب آخر في مصر .. هذا ما تعرفه والدتك و ما رآه الجميع و لا يوجد شيء آخر يقال .. فقط يوم الثلاثاء تذهب إلى امتحان الرياضيات بمفردك .. لا تتوقع مني أن أنقذك ثانية ! "
ثم شعرت بفمه يلامس جانب وجهي بحنان و يقبلني قبلة مليئة بالحب و الصداقة ثم أردف :
- " إلى اللقاء يا صديقي .. أعتمد على نفسك ! "
وفجأة تلاشى وجوده من الغرفة .. و عاد النور الساهر الصغير للاشتعال و فُتحت الستائر من تلقاء نفسها .. و وجدت غرفتي تسبح في الضوء الباهر .. ضوء شمس الظهيرة !
و في نفس هذه اللحظة دخلت والدتي إلى الغرفة .. متسائلة عما أيقظني قبل أن أقضي نصف ساعة نائماً !
لكن ما حدث بعد ذلك لم يكن في الحسبان
.......................