عرض مشاركة واحدة
قديم 31-07-2010, 07:35 PM   #5

saher2001
عضو فعال





• الانـتـسـاب » Jun 2009
• رقـم العـضـويـة » 61542
• المشـــاركـات » 254
• الـدولـة »
• الـهـوايـة »
• اسـم الـسـيـرفـر »
• الـجـنـس »
• نقـاط التقييم » 10
saher2001 صـاعـد

saher2001 غير متواجد حالياً



افتراضي يتبع



العبادات:

لم تكن الطقوس الدينية اليونانية أقل تنوعاً واختلافاً من الآلهة التي كانت تحتفل بها وتعظمها: فقد كان للآلهة الأرضية تقوس حزينة يُسَكَّن بها غضبها ويُتَّقى شرها ، وكان للآلهة الأولمبية طقوس سارة كلها ترحيب بها وثناء عليها. ولم تكن هذه أو تلك تحتاج إلى كهنة يقومون بها. فقد كان الأب يقوم مكان الكاهن في الأسرة ، وكان الحاكم الأكبر يقوم مقامه في الدولة. بيد أن الحياة في بلاد اليونان لم تكن حياة دنيوية كما يصفها المؤرخون ، بل كان للدين فيها شأن كبير في كل مكان ، وكانت كل حكومة ترعى الطقوس الدينية الرسمية وترى أنها لا بد منها للنظام الاجتماعي والاستقرار السياسي.

على أنه بينما كان الكهنة في مصر وبلاد الشرق الأدنى يسيطرون على الدولة ، كانت الدولة في بلاد اليونان هي التي تسيطر على الكهنة ، وكان لها الزعامة في الشؤون الدينية ، ولم يكن الكهنة سوى موظفين صغار في الهياكل. كذلك كانت أملاك الكهنة ، عقاراً كانت أو نقوداً أو عبيداً ، يراجعها ويدير شؤونها موظفون من قبل الدولة. ولم تكن هناك معاهد لتخريج الكهنة بل كان في استطاعة أي إنسان أن يختار أو يعين كاهناً بلا جلبة أو مشقة إذا كان يعرف المراسم الدينية التي تتطلبها الآلهة ، وكان هذا المنصب في كثير من الأحيان يتولاه من يؤدي له أكبر الأثمان. ولم تكن هناك طبقة كهان خاصة ، أو هيئه لهم جامعة ، ولم يكن بين كهنة أحد المعابد أو إحدى الدول وزملائهم في معبد آخر أو دولة أخرى رابطة ما ؛ ولم يكن للدولة دين رسمي ، يستمسك به جميع أفرادها أو عقائد ثابتة مقررة ؛ ولم يكن قوام الدين هو الإقرار بعقائد معينة ؛ بل كان قوامه الاشتراك في الطقوس الرسمية ، وكان في وسع أي إنسان أن يؤمن بما يشاء من العقائد على شريطة ألا يكفر بآلهة المدينة أو يسبها ، وملاك القول أن الدين والدولة كانا شيئاً واحداً في بلاد اليونان.

أما مكان العبادة فيمكن أن يكون هو موقد الدار ، أو موقد البلدية القائم في قاعة المدينة العامة ، ويمكن أن يكون شقاً في الأرض يسكنه إله أرضي أو هيكلاً لإله أولمبي. وكان حرم الهيكل مكاناً مقدساً ، لا يُعتدى عليه ، يجتمع فيه العابدون ، ويجد فيه اللاجئون مكاناً أميناً يحتمون فيه ولو كانوا ممن ارتكبوا أشنع الجرائم. ولم يكن الهيكل مكاناً لاجتماع المصلين بل كان بيت الإله ، ينُصب فيه تمثاله ، ويوُقد أمامه ضوء لا ينطفئ أبداً وكثيراً ما كان الناس يعتقدون أن الإله هو التمثال نفسه ولذلك كانوا يُعنون بغسله ، وكسوته ، وإحاطته بكثير من ضروب الرعاية ، وكانوا أحياناً يؤنبونه إذا أهمل أمرهم، وكانوا يَقصُّون على من يستمع إليهم كيف تصبب التمثال عرقاً في بعض الأحايين أو كيف بكى أو أغمض عينيه. وكان يُحفظ في سجلات الهيكل تاريخ أعياد الآله والحوادث الهامة في حياة المدينة أو الجماعة التي تعبد الإله صاحب الهيكل ، وكان هذا التاريخ أو التواريخ اليونانية والمنبع الذي استمدت منه أولى أشكال الكتابات التاريخية.

وكان الاحتفال يتألف من موكب ، وأناشيد ، وقربان ؛ وأدعية ، يُضاف إليها في بعض الأحيان وجبة مقدسة ؛ وقد يشمل الموكب سحراً ، ومقنعات ، وجماهير من الممثلين يعملون مجتمعين ، ومسرحية تمثيلية. وكان أهم أجزاء الطقوس في معظم الأحيان تحددها العادات المألوفة ؛ وكانت كل حركة فيها ، وكل كلمة في الترانيم أو الصلوات ، مدونة في كتاب محفوظ عند الأسرة أو الدولة مقدس لديها ، لا يكاد يتغير فيه لفظ ، أو جزء من لفظ ، أو نغمة من النغمات خشية ألا يحب الإله هذه البدعة أو ألا يفهمها. فقد تتغير اللهجات الحية ولكن لغة الطقوس تظل على حالها ، وقد لا يستطيع المتعبدون على مر الزمان أن يفهموا الألفاظ التي ينطقون بها ولكن النشوة التي يبعثها فيهم قدم العهد كانت تُغنيهم عن الفهم. وكثيراً ما كان الاحتفال يبقى بعد أن ينمحي من ذاكرة المحتفلين كل شيء عنه ، ولا يبقى فيها حتى سبب هذا الاحتفال أو الباعث عليه. فإذا حدث هذا اخترعت أساطير جديدة تفسر قيامه فتتغير الأسطورة أو العقيدة وتبقى المراسم والطقوس ، وكانت الموسيقى عنصراً أساسياً لا غنى عنه في الاحتفال كله لأن الدين يشق على النفس من غير الموسيقى ، والموسيقى تنتج الدين كما ينتج الدين الموسيقى.

ومن الهيكل وأناشيد الاحتفالات ؛ نشأ الشعر ، ونشأت القصائد التي ازدانت بها في الأيام الأخيرة عقائد أركلوكس القوية البذيئة ، وعواطف سافو الثائرة ، وأشعار أنكريون الرقيقة ا. وإذا ما وصل العابدون إلى المذبح- وكان موضعه عادة أمام الهيكل- عملوا على اتقاء غضب الله أو كسب معونته بالتضحيات والصلوات. وكان في وسعهم أفراداً أن يقربوا إليه كل ما له قيمة لا يكاد يستثنى من ذلك شيء قط: تماثيل ، أو نقوشاً ، أو أثاثاً ، أو أسلحة ، أو آنية ، أو مناضد ، أو ثياباً ، أو فخاراً ؛ فإذا لم يستطع الإله أن يستخدم هذه القرابين استخدمها الكهنة.

أما الجيوش فقد كان في وسعها أن تهب الإله جزءاً من غنائمها ، كما فعل جنود أكسنوفون العشرة الآلاف في أثناء ارتدادهم. وكان في مقدور الجماعات أن تهبه ثمار الحقول أو الكروم أو الأشجار ؛ أو حيواناً يشتهي الإله طعمه وهو الكثير الحدوث ؛ وعند مسيس الحاجة كان يضحى بالآدميين أنفسهم ، فقد ضحى أجمنون مثلاً بإفجينيا كي تهب الريح ؛ وذبح أخيل اثني عشر من شباب طروادة على كومة حريق بتركلوس. وكان الضحايا الآدمية يُقذف بهم من فوق صخور قبرص ولوكاس استرضاءً لأبلو ، وآخرون يهدون إلى ديونيسس في طشيوز وتندوس ؛ ويقال أن ثمستكليز ضحى ببعض أسرى الفرس يوم سلاميس ؛ وكان الإسبارطيون يحتفلون بعيد أرتميس أورثيا Artemis Orthia بجلد بعض الشبان عند مذبحها جلداً كان يدوم في بعض الأحيان حتى يُقضى على المجلودين.

وظل زيوس في أركاديا يتقبل الضحايا البشرية حتى القرن الثاني بعد الميلاد. وكان إذا انتشر الوباء في مساليا جيء بمواطن فقير وأطعم من بيت المال ، وألبس الثياب الكهنوتية ، وزُين بالأغصان المقدسة ، وألقي من فوق صخرة ومن حوله يدعون أن يكفر بعقابه هذا عن سيئات مواطنيه. وكان من عادة أهل أثينا إذا داهمهم القحط ، أو الطاعون ، أو غيرهما من الأزمات أن يقدموا للإله ، إما حقيقي وإما تمثيلاً، ضحية بشرية واحدة أو أكثر من واحدة تطهيراً للمدينة؛ وكان يحدث مثل هذا في كل عام في عيد الثارجليا Thargelia. وقد خففت هذه التضحيات البشرية على مر الزمن بأن قُصر الضحايا على المجرمين المحكوم عليهم بالإعدام ؛ وكانوا فوق هذا يخدرون بالخمور ، ثم اُستعيض عنهم آخر الأمر بالحيوانات.

ولما أن رأى بلبيداس Belopidas القائد البؤوتي في الليلة السابقة لمعركة لوكترا 371 ق. م حلماً ظن على أثره أنه يُطلب إليهِ تضحية بشرية على المذبح تكون ثمناً للنصر ، نصحه بعض مشيريهِ أن يلبي الطلب ، وعارضه البعض الآخر وقالوا له: "إن هذا العمل الهمجي المجرد من كل معاني التُقى والصلاح لا يمكن أن ترضى بهِ الكائنات العليا أياً كانت ؛ وإن الجبابرة والمردة ليسوا هم حكام الأرض ، بل حاكمها هو أبو الآلهة والخلق عامة ، وإن من السخف أن يتصور الإنسان أرباباً وقوى عليا يسرها التقتيل والتضحية بالآدميين".

وإذن فقد كانت التضحية بالحيوان خطوة كبرى في تطور الحضارة وكانت الحيوانات التي سبقت غيرها في هذا التطور في بلاد اليونان هي الثيران والضأن والخنازير ؛ فكانت الجيوش المتحاربة تقدم قبل المعركة من الضحايا ما يتناسب مع رغبتها في النصر ؛ وكان مكان انعقاد أية جمعية يُطهر قبل انعقادها بالتضحية بخنزير. غير أن تقوى الناس لم تكن تقوى على طبيعتهم إذا حز بهم أمر خطير ، ولم يكن يصل من التضحية إلى الإله إلا عظامها وقليل من لحمها ملفوف بالدهن ، أم ما بقي منها فكان يُترك للكهنة وللعابدين. وكان اليونان يبررون عملهم وهذا بقولهم إن بروميثيوس Prometheus في عصر الجبابرة قد لف ما يصلح للأكل من جسم الضحية في جلدها ، ولف عظامها بالدهن وطلب إلى زيوس أن يختار ما يفضله منها ، وإن زيوس اختار الدهن "بكلتا يديه". نعم إن زيوس قد استشاط غضباً حين رأى أنه قد خُدع ؛ ولكنه كان قد أتم الاختيار وكان عليه أن يرضى به ويصبر عليه إلى أبد الدهر. ولم تكن الضحية تُقدم كلها لحمها وشحمها إلا للآلهة الأرضية ، وكان الحيوان كله في هذه الحال يُحرق في محرقة عامة حتى يصير رماداً ؛ ذلك أن آلهة الأرض السفلى كان يُخشى بأسها أكثر مما يُخشى بأس الآلهة الأولمبية.

ولم تكن وجبة عامة تعقب التضحية للإله الأرضي ، لأن هذا قد يغري الإله بالخروج والاشتراك في الوليمة. أما بعد التضحية للآلهة الأولمبية فقد كان العباد يأتون على الضحية كلها ، ولم يكونوا يفعلون هذا خوفاً من الإله وتكفيراً عن ذنوبهم ، بل كانوا يفعلونه لأن من دواعي سرورهم أن يشتركوا في الطعام مع الإله، ويرجون أن تكون الصيغ السحرية التي ينطقون بها وقت الطعام قد نفثت في الضحية حياة الإله وقوته ، وأن هاتين الحياة والقوة ستنتقلان بطريقة خفية إلى الآكلين معه. وكذلك كان الخمر يُصب فوق الضحية ، ويُصب بعدئذ في كؤوس العابدين ، فكأنهم بهذا كانوا يشربون مع الآلهة. وكانت فكرة الاشتراك المقدس في الوجبة الدينية هي الرابطة التي تربط هيئات الإخوان التي كان كثير من أصحاب الحرف والهيئات الاجتماعية يؤلفونها في أثينا.

ولقد ظلت التضحية بالحيوانات منتشرة في جميع أنحاء بلاد اليونان حتى قضت عليها المسيحية ، واستُبدلت بها عن حكمة التضحية الروحية والرمزية المعروفة بالقداس. وأصبحت الصلاة أيضاً إلى حد ما بديلاً من التضحية حتى في العصور الوثنية. وكان استبدال تسبيحات الحمد بالقرابين الدموية إصلاحاً يشهد بالحذق لفاعليه ، فبهذه الوسيلة الهينة الرحيمة كان في استطاعة الإنسان وهو المحوط بالمصادفات والمآسي في كل خطواته أن يتآسى ويتقوى باستعانته بما في العالم من قوى خفية.

الخرافات:

كان بين قطبي الدين اليوناني العلوي والسفلي ، الأولمبي والأرضي ، بحر يزخر بالسحر والخرافات ، والأباطيل ؛ وكان من وراء العباقرة الذين سنشيد بذكرهم فيما يلي من صحائف هذا الكتاب ، كما كان من ورائهم ، جمهرة الشعب من الفقراء والسذج الذين لم يكن الدين في نظرهم إلا شراكاً من الخوف لا سلماً للآمال ؛ ولم يكن اليوناني العادي يكتفي بتصديق القصص التي تروي المعجزات كصعود منسيوس من بين الموتى ليحارب في مرثون ، أو تحويل الماء إلى خمر على يد ديونيسس ، ذلك أن أمثال هاتين القصتين تظهر عند جميع الشعوب ، وهي جزء من الشعر المباح الذي ينير به الخيال دياجير الحياة العادية. بل إن في وسع الإنسان أن يذهب إلى أبعد من هذا فيتغاضى عن حرص أثينا على أن تأوي فيها عظام ثسيوس ، وحرص إسبارطة على أن تسترد من تيجيا Tegeo عظام أرستيز Orestes ، فقد يكون ما يعزوه الحكام لهذه الآثار من قدرة على فعل المعجزات جزءاً من فن الحكم وأساليبه.

أما الذي كان ينيخ بكلكله على اليوناني الصالح فهو الأرواح المحتشدة من حوله التي يُعتقد أنها متأهبة على الدوام لأن تعرف مخبآتها ، وأن تتدخل في شؤونه وتلحق به الأذى ، وأن في مقدورها أن تفعل به هذا كله. وكانت هذه الشياطين لا تنفك تعمل لأن تتقمصه ، وكان عليه أن يحذرها ويتقي أذاها على الدوام ، وأن يقيم الاحتفالات السحرية ليطردها بها. وأوشكت هذه الخرافات أن تكون علماً من العلوم الطبيعية ، وكانت إلى حد ما سوابق لنظرية الجراثيم التي نعرفها اليوم. فقد كان معنى الأمراض جميعها عند اليوناني أن المريض قد حل فيه روح غريب ، وأن من يلمس الشخص المريض يعدى بقذارته أو "يلبسه ذلك الروح الغريب نفسه".

وليست المكروبات و البكتريا إلا صوراً جديدة شائعة لما كان اليونان يسمونه كريس Keres أو الجن الصغيرة. ومن ثم كان الميت "نجساً" لأن الجني قد استحوذ عليه كل الاستحواذ ؛ وكان اليوناني إذا خرج من بيت فيه ميت رش نفسه بالماء من إناء يوضع لهذا الغرض عند باب البيت ، وذلك لكي يطرد من جسمه الروح الذي غلب الميت على أمره. وقد امتدت هذه الفكرة عند اليونان إلى ميادين كثيرة لم يمتد إليها علمنا الحديث رغم ما ينتابنا من رهبة البكتريا وجزعنا منها.

وكان الجماع من أسباب النجاسة ، كولادة الطفل أو القتل (ولو كان غير متعمد) ، وكان الطفل المولود نفسه نجساً. ولم يكن الجنون إلا حلول روح غريب في جسم المصاب بهِ ، وكان يقال إن الجنون قد "خرج عن نفسه" ، وكان لا بد في هذه الحالات من القيام باحتفال يطهر فيه الشخص النجس. وكانت المنازل ، والهياكل ، والمدن بأجمعها في بعض الأحيان ؛ تُطهر بالماء أو الدخان كما نطهرها نحن الآن ، وكان وعاء به ماء نظيف يوضع عند مدخل كل هيكل ، حتى يُطهر به نفسه كل قادم للتعبد ، أو لعل هذا الوعاء كان رمزاً يوحي إلى الناس بضرورة التطهر.

وكان الكاهن نفسه خبيراً بأصول التطهير ، وكان في مقدوره أن يطرد الأرواح الشريرة من الأجسام بالضرب على إناء من البرونز ، أو بقراءة العزائم ، أو بالسحر أو الصلاة ؛ وحتى قاتل النفس عمداً كان يمكن تطهيره إذا أجريت له الطقوس والمراسم الملائمة. ولم تكن التوبة ضرورة محتومة في مثل هذه الأحوال ، بل كل ما كان يحتاجه المتطهر هو أن يتخلص من الشيطان الشرير الذي تقمصه ؛ وذلك لأن الدين لم يكن أمر أخلاق بقدر ما كان فناً لمعالجة أمور الأرواح. غير أن كثرة المحرمات ومراسم التطهير قد أكسبت اليوناني المتدين مزاجاً عقلياً يشبه شبهاً عجيباً الشعور بالخطيئة عند طائفة المتطهرين المتزمتين )البيورتان( من الإنجليز.

وإن القول بأن اليونان كانوا مجردين من فكرتي الضمير والخطيئة لا يكاد يبقى له أثر عند من يقرأ كتب بندارا وإسكلس وقد نشأت من اعتقاد اليونان بأنهم يعيشون في جو من الأرواح مئات من الخرافات لخصها ثيوفراستوس خليفة أرسو في جزء من كتابه الأخلاق فقال : يبدو أن الإيمان بالخرافات ضرب من الجبن وخور العزيمة أمام القوة الإلهية... إن الرجل المخرف لا يعرف من داره أول النهار إلا بعد أن يغسل يديه ويرش نفسه بالماء من العيون التسع ، ويضع في فمه قطعة من ورقة شجرة في معبد ، فإذا ما اعترضت طريقه قطة لم يواصل السير حتى يمر به إنسان آخر ، أو يقذف بثلاثة أحجار في الشارع. وإذا أبصر أفعى في بيته وكانت من النوع الأحمر استنجد بديونيسس ، أما إذا كانت أفعى مقدسة فإنه يقيم لها ضريحاً من فوره في البقعة التي أبصرها فيها ؛ وإذا مر بأحد الحجارة الملساء المقامة في مفترق الطرق صب عليه الزيت من قنينة ولم يواصل السير في طريقه إلا بعد أن ركع له ويتعبد ، وإذا قرض فأر جعبة طعامه ، توجه إلى الساحر وسأله ماذا يفعل ، فإذا أشار عليه بأن "يرسل الجعبة إلى الإسكافي ليرقعها" ، عمل بهذه النصيحة ، وتخلص من النذير المشئوم بطقوس تمنع عنه الشر المرتقب.

وإذا وقعت عينه على رجل مصاب بالجنون أو بالصرع ، ارتجف وبصق على صدرهِ. وكان اليونان السذج يؤمنون ، ويعلمون أطفالهم أن يؤمنوا ، بأنواع لا حصر لها من العفاريت. وكانت مدن بأكملها تروع بين الفينة والفينة بما تنذر به أحداث غريبة كمولد حيوانات مشوهة أو أناس مشوهين. وكان الاعتقاد بوجود أيام مشئومة منتشراً إلى درجة تجعل من المؤمنين بهذه العقيدة لا يقدمون في هذه الأيام على زواج ولا يعقدون فيها جمعية. ولا تجتمع فيها محكمة ، ولا يبدءون فيها مشروعاً خطيراً. وكانت عطسة ، أو عثرة قدم ، تكفي في بعض الأحيان لحمل العاطس أو العاثر على العدول عن سفره أو عمل هام ، وكان خسوف جزئي يكفي لوقف زحف الجيوش أو ردها على أعقابها ، وقد يؤدي إلى ختام الحرب بكارثة مدلهمة. يضاف إلى هذا الاعتقاد بأن بعض الناس قد وهبوا قدرة عجيبة على إنزال النقمة ممن يشاءون ، فالأب إذا أغضب قد يصب على من أغضبه ، والسائل إذا أهمل قد يُصب على مَن أهمله ، لعنة لا تقوم لها بعدها قائمة.

وكان بعض الناس مهرة في فنون السحر ، فكان في وسعهم أن يمزجوا شراباً للعشق أو دواء مقوياً للباه ، وكان في وسعهم أن يضعفوا ببعض العقاقير السرية قدرة الرجل على الجماع أو يعقموا المرأة فلا تحمل أبداً. وقد رأى أفلاطون أن شرائعه لا تكمل إلا إذا تضمنت تشريعاً يعاقب من يؤذي الناس أو يقتلهم بسحرهِ. فليست الساحرات إذن من اختراع العصور الوسطى ، فها هي ذي ميديا في روايات يوربديز ، وسميثا Simactha في روايات ثيوكريتس وهما ساحرتان.

وقصارى القول أن الخرافات من أقوى الظواهر الاجتماعية ، وأنها بقيت في خلال أحقاب المدنية لا تكاد تتغير في قواعدها وأصولها ولا في صورها وأشكالها.

المتنبئون والمتنبآت:

لقد خيل إلى أهل ذلك الوقت الذين كانوا يعيشون في عالم مليء بالقوى العليا غير الطبيعية أن حوادث الحياة رهينة بإرادة الشياطين والآلهة ، ولم يكن أمام اليونان الذين يريدون معرفة هذه الإرادة إلا أن يلجئوا إلى العرافين والمتنبئين يستشيرونهم في أمرهم ، وكان هؤلاء ينبئون بالمستقبل بالنظر في النجوم: وتأويل الأحلام ، وبحث أحشاء الحيوان ، وزجر الطيور ، وكان العرافون المحترفون يؤجرون أنفسهم للأسر والجيوش والدول من ذلك أن نسياس Nicias استخدم قبل أن يسير حملته على صقلية طائفة كبيرة من مقربي القرابين وزاجري الطيور وقارئي الغيب.

ولسنا نقول إن القواد لم يبلغوا كلهم من التقى ما بلغه هذا القائد مالك العبيد ؛ ولكنهم كلهم تقريباً لم يكونوا يقلون عنه إيماناً بالخرافات. وكان يظهر في البلاد في أوقات مختلفة رجال ونساء يدعون أنهم ممن يوحى إليهم أو ممن كشف الغطاء عن أبصارهم ، وكان في أيونيا بنوع خاص نساء سبييلات )أي إرادة الله( يذعن نبوءات يصدقها ملايين اليونان ، ويقال إن واحدة من أولئك السييلات Sibyls تدعى هرفيلا Herophila طافت ببلاد اليونان مبتدئة من إريثرا Erythra ثم استقرت في كومي بإيطاليا حيث أصبحت أشهر سيبيلات زمانها ، وعاشت كما تقول الرواية المتواترة ألف عا م، وكان في أثينا ، كما كان في روما ، عدد كبير من المتنبئين والمتنبآت ، وكانت الحكومة تحتفظ في بهو البلدية الأكبر برجال يحذقون تأويل أقوالهم. وكان في كثير من الهياكل المنتشرة في جميع أنحاء اليونان متنبئون عموميون ، ولكن أشهرهم وأجلهم قدراً في الأيام القديمة متنبئي زيوس في دودونا Dodone كما كان أشهرهم في العصور التاريخية متنبئي أبلو في دلفي.

وكان اليونان و "البرابرة" يستشيرون هذا المتنبئ ، وحتى رومة نفسها كانت ترسل الرسل ليعرفوا إرادة الإله أو يوحوا إليه بهذه الإرادة. وكانوا يظنون أن النساء أكثر استعداداً لتلقي الوحي من الرجال ، ولذلك كانت ثلاث كاهنات لا تقل سن كل منهن عن نصف قرن يدربن على تعرف لإرادة أبلو وهن في غيبوبة ، وكان غاز عجيب يخرج من فتحة في الأرض تحت الهيكل ويعزوه الناس إلى تحلل الأفعى التي قتلها أبلو في ذلك المكان.

وكانت الكاهنة التي ستتلقى الوحي تجلس على نضد عالٍ ذي ثلاث قوائم موضوع فوق الشق ، وتستنشق الرائحة الكريهة المقدسة ، وتمضغ أوراقاً من تاج من أوراق الشجر المخدر ، فتغيب عن وعيها ويتقلص جسمها ، ثم ينزل عليها الوحي وهي في هذا الحال ، فتنطق بألفاظ متقطعة يترجمها الكهنة للشعب المستمع وكثيراً ما كان الجواب النهائي يحتمل تأويلات مختلفة بل متناقضة ، وبذلك تكون المتنبئة صادقة على الدوام مهما وقع من الحوادث.

ولعل الكهنة هم والمتنبئة كانوا جميعاً ألعوبة في أيدي غيرهم ، وكانوا في بعض الأحيان يقبلون الرشا لينطقوا بما يحب الراشون أن ينطقوهم بهِ ، وكان صوت المتنبئة يتفق في أكثر الحالات مع صاحب النفوذ الأكبر في بلاد اليونان. أما إذا لم تكن هناك سلطة خارجية ترغم الكهنة على أن ينطقوا بما ترغب فيهِ ، فإنهم كانوا يلقون على اليونان دروساً قيمة في الاعتدال والحكمة السياسية ؛ فقد أعانوا على استقرار القانون وتثبيت دعائمه ، وكان لهم أثر كبير في تحرير الرقيق ، وقد اشتروا عدداً كبيراً من الأرقاء لكي يحرروهم من الرق ؛ وإن كنا لا ننكر أنهم تغاضوا عن التضحيات البشرية بعد أن أخذ ضمير اليونان ينفر منها ، ولم يرفعوا صوتهم بالاحتجاج على ما كان يحدث فوق جبل أولمبس من فساد خلفي. ذلك بأنهم لم يكونوا متقدمين على التفكير اليوناني ، ولكنهم مع ذلك لم يقفوا في سبيل هذا التفكير ويعطلوه بالتعصب لمبادئ وآراء خاصة.

وكانوا يخلعون على السياسة اليونانية التي تمليها على الحكام والضرورات الملحة ستاراً من رضاء القوى الإلهية ، وخلقوا شيئاً من الضمير الدولي والوحدة الأخلاقية بين مدن اليونان المبعثرة. وبفضل هذا الأثر الموحَّد نشأ أقدم حلف بين الدويلات اليونانية، وكانت جامعة المندوبين اليونان- الجامعة الأمفكتيونية Amphictyonic- أول أمرها حلفاً دينياً مؤلفاً من "المقيمين حول" هيكل دمتر القريب من ممر ترموبيلي. وكانت أهم الدول التي تتألف منها هذه الجامعة تساليا ، ومجنيزيا ، وفثيوتس ، ودوريس ، وفوسيس ، وبؤوتية ، وعوبية ، وآخية.

وكان مندوبوها يجتمعون مرة كل ستة أشهر ، في الربيع في دلفي ، وفي الخريف في ترموبيلي ، وقد تعهدوا بألا يخرب بعضهم مدن بعض ، وألا يسمحوا بأن يقطع الماء عن أية واحدة منها ، وألا ينهبوا كنوز أبلو في دلفي أو يسمحوا نهبها ، وأن يقاتلوا أية أمة لا تحترم هذه المواثيق. تلك مبادئ لعصبة أمم حال دون قيامها تغلب الثراء والسلطان بين الدول ، وما طبع عليه الأفراد والجماعات من تنافس وتحاسد ، فقد كونت تساليا جبهة من الدول الخاضعة لسلطانها ، وفرضت على هذه العصبة سيطرتها الدائمة. ونشأت عصبة أخرى غيرها، فكانت أثينا مثلاً عضواً في عصبة كلوريا Calauria وكانت كل واحدة من هذه العصب المتنافسة تعمل لنشر السلام بين أعضائها. ولكنها أضحت على مر الزمن أداة لتدبير الدسائس وإثارة الحروب على غيرها من العصب.

الاعياد:

إن لم يكن في مقدور الدين اليوناني أن يقضي على الحروب ، فإنه قد أفلح في تخفيف متاعب الحياة الاقتصادية الرتيبة بما كان يقيمه من الأعياد الكثيرة قال فيها أرستوفانيز: "ألا ما أكثر ما يقدم إلى الآلهة من ضحايا ؛ وما أكثر ما يقام لها من هياكل وتماثيل... ومواكب مقدسة! إنا لنشهد في كل ساعة من ساعات العام أعياداً دينية وضحايا عليها أكاليل من الزهر تقرب للآلهة". وكانت نفقات هذه الأعياد يقوم بها الأغنياء ، أما الدولة فكانت تقدم الأموال المقدسة Theorika ، ومنها تؤدي للشعب رسوم الدخول لمشاهدة الألعاب أو المسرحيات التي كانت تمتاز بها هذه الأيام المقدسة.

التقويم الأثيني:

وكان التقويم الأثيني تقويماً دينياً في جوهره ، وكانت شهور كثيرة تسمى بأسماء ما يقام فيها من أعياد دينية، ففي الشهر الأول شهر هكتمبيون Hecatombaion (يوليه- أغسطس) يقام عيد الكرونيا (المقابل لعيد الساتورناليا الروماني)، وفيه يجتمع السادة والعبيد في وليمة بهجة طربة. وكان يقام في هذا الشهر نفسه كل أربعة أعوام عيد الجامعة الأثينية ، وتعقد فيه مباريات ، وتقوم فيه ألعاب مختلفة الأنواع ، تدوم أربعة أيام، يسير الأهلون جميعاً بعدها في موكب عام وقور ، يحملون إلى كاهنة أثينا الثوب الفخم الموشى الذي كان يوضع فوق تمثال إلهة المدينة ؛ والعالم كله يعرف أن هذا هو الموضوع الذي اختاره فدياس ليزين به طنف البارثنون.

وفي الشهر الثاني المتاجيتنيون Metageitnion كان يقام المتاجيتنيا وهو عيد صغير يقام تكريماً لأبلو.

وفي الشهر الثالث شهر بؤدرميون Boedromion كان سكان أثينا يخرجون إلى إلوسيس لإقامة الطقوس الكبرى الخفية.

وفي الشهر الرابع شهر البيانبسيون Pyanepsion كان يحتفل بأعياد البيانبسيا والأسكوفوريا Oscophoria والثسموفوريا Thesmophoria وكانت نساء أثينا في هذا الشهر يعظمن دمتر ثسموروس )المشرعة( بإقامة طقوس أرضية عجيبة يعرضن فيها رموزاً لقضيب الرجل ويتبادلن فحش القول ، ويمثلن الذهاب إلى الجحيم والعودة منها، ويبدو أن هذه الحفلات كانت رمزاً للإخصاب في الأرض وفي الآدميين.

وكان شهر ميمكترون Maimakterion هو الشهر الوحيد الخالي من الأعياد.


وفي شهر بوسيديون Poseideon كانت أثينا تقيم عيد الإتالوا عيد بواكير الفاكهة.

وفي شهر جمليون Gamelion تحتفل بعيد اللينيا Lenaea تكريماً لديونيسس.

وفي شهر أنثسترن Anthesterion كانت تقام ثلاثة احتفالات هامة ، الطقوس الخفية الصغرى أو التمهيدية ، والديازيا أو التضحية لزيوس ملكيوس ، والأنثستريا أو عيد الزهور ، وهم أهم الأعياد الثلاثة. وفي هذا العيد الربيعي الذي يقام تكريماً لديونيسس ويدوم ثلاثة أيام كاملة كانت الخمر تجري كالأنهار ، ولم تكن ترى إلا سكارى على درجات متفاوتة من السكر ؛ وكان الناس يتنافسون أيهم يفوق غيره في كثرة الشراب ، والشوارع تعج بالحياة والمرح.

وكانت زوجة كبير الأركونيين تركب عربة بجوار تمثال ديونيسس وتتزوج به في الهيكل رمزاً إلى اتحاد الإله بأثينا. وكان يسري في هذه الطقوس المرحة قليل من الرهبة والعمل على استرضاء الموتى وكف أذاهم ؛ وكان الأحياء يتناولون في وقار وهدوء وجبة من الطعام إحياء لذكرى آبائهم ، ويتركون لهم آنية ملآى بالطعام والشراب ، فإذا انقضى العيد أخذ الناس يطردون أرواح الموتى من الدور بصيغة يتلونها ويقولون فيها: "أخرجي من الباب أيتها الأرواح! لقد انتهى عيد أنثستريا"- وقد اصبحت هذه الألفاظ مثلاً يقال عندما يراد التخلص من المتسولين الكثيري الإلحاح.

وفي الشهر التاسع شهر إلافيبوليون Elaphebolion يقع عيد ديونيزيا الكبير الذي أوجده بيستراتس في عام 34. وفي ذلك العام جعل ثسبيس المسرحية في أثينة جزءاً من هذا الاحتفال. وكان ذلك في أواخر شهر مايو والربيع مقبل والبحر هادئ صالح للملاحة ، فأقبل التجار والزائرون حتى ازدحمت بهم المدينة وتضاعف عدد من يشاهدون الحفلات والمسرحيات. وأوقفت جميع الأعمال ، وأغلقت دور القضاء ، وأطلق سراح المسجونين ليستطيعوا الاشتراك في الحفلات. وخرج الأثينيون على اختلاف أعمارهم وطبقاتهم في أزهى الملابس ليشتركوا في الركب الذي جاء بتمثال ديونيسس من إليوثيزا لوضعه في مقره. فركب الأغنياء العربات ، وسار الفقراء راجلين ، ومن ورائهم قافلة طويلة من الحيوانات لتهدي إلى الآلهة واشتركت في هذا الموكب فرق من المغنين أقبلت من مدن أتكا تتبارى في الغناء والرقص.

وفي الشهر العاشر شهر منيكيون Munychion كانت أثينا تحتفل بعيد المنيكيا ، وكانت تحتفل كل خمسة سنين بعيد البرورونيا Brauronia تكريماً لأرتميس.

وفي شهر ثراجليون يقع الثراجليا أي عيد حصاد الحب.


وفي الشهر الثاني عشر شهر سكروفريون Skirophorion كان يحتفل بأعياد اسكروفوريا ، وأرتوفوريا Arretophoria ، ودبوليا Dipolia وبوفنيا Bouphonia ولم تكن هذه الأعياد كلها أعياداً سنوية ، ولكنها ، حتى ما لم يكن يحتفل به منها إلا كل أربع سنين ، كانت تخفف كثيراً من كدح الحياة اليومية.

وكان لغير أثينا أيام مقدسة شبيهة بهذه الأيام ؛ وكان كل موسم من مواسم الزرع أو الحصاد في الريف يستقبل بمظاهرة البهجة والمرح. وكان أعظم من هذه الأعياد كلها أعياد الجامعة الهيلينية ، والحفلات العامة الجامعة Panegyreis، ومن هذه الأعياد عيد الجامعة الأيونية Panionia في ميكالي Mycale وعيد أبلو ديلوس ؛ والعيد البيثي Phthian في دلفي ، وعيد البرزح Isthmiu في كورنثة ، والعيد النميئي Nemean في أرجوس ، والعيد الأولمبي في إليس.

وكانت تقام في هذه الأعياد مباريات رياضية بين الدول المختلفة ، ولكنها كانت في أساسها أياماً مقدسة. فقد كان من حسن حظ بلاد اليونان أن كان دينها من العناصر البشرية- وأن كان فيها في آخر أيامها من العناصر الإنسانية الرحيمة- ما يكفي لاقترانه بالفن ، والشعر ، والموسيقى ، والألعاب ، واقترانه آخر الأمر بالأخلاق اقتراناً جعله مصدر السرور والإبداع.

الدين والأخلاق:

يبدو لأول وهلة أن الدين اليوناني لم يكن ذا أثر كبير في الأخلاق ، فقد كان في أصله طائفة من قواعد السحر لا من قواعد الأخلاق القويمة ، وبقي إلى حد كبير على هذا النحو إلى آخر أيام اليونان. وكان لصحة المراسم والطقوس في هذا الدين شأن أكبر مما للسلوك القويم ، ولم تكن الآلهة نفسها ، الأولمبية منها والأرضية ، مثلاً طيباً في الأمانة والعفاف ودماثة الأخلاق. وحتى الشعائر الإلوسينية الخفية ، كانت تجعل التطهير بالمراسم والطقوس لا طهارة النفس وكرم الأخلاق هو العامل الأكبر في النجاة من العذاب وإن كنا لا ننكر أنها كانت تبعث في النفوس آمالاً كباراً.

وفي ذلك يقول ديوجين الساخر: "سيكون اللص بتيكيون Pataikion بعد موته أسعد حالاً من أجسلوس Agesilaus أو أباميننداس لأن بتيكيون قد كرس في إلوسيس". لكن الدين اليوناني ، رغم هذا ، كان عوناً خفياً للشعب وللدولة في أكثر الشؤون الأخلاقية حيوية. من ذلك أن مراسم التطهير وإن كانت كلها مظاهر خارجية كانت ترمز إلى الأخلاق القويمة. كذلك كانت الآلهة تعين على الفضيلة وإن كانت هذه المعونة عامة غير دقيقة ، وغامضة ، وغير مطردة. ذلك أنها كانت تغضب على الشرير وتنتقم من المتكبر ، وتحمي الغريب ، وتستجيب لمن يتوسل إليها ، وتحمي بجبروتها قدسية الأيمان. فهم يقولون لنا إن ديكي Dike كانت تعاقب على كل ظلم ، وإن يومنيدس Eumenides الرهيب كان يقتفي أثر القاتل ، كما يفعل أرستيز ، حتى يجن أو يموت. وكان الدين يخلع القدسية والكرامة على أهم أجداث الحياة الإنسانية وأنظمها- كالمولد ، والزواج ، والأسرة ، والعشيرة ، والدولة ، وينتشلها من فوضى الشهوات العاجلة.

وكانت عبادة الموتى وتكريمهم يربطان الأجيال المتعاقبة برباط من الواجبات المستقرة المتصلة. وبفضلها لا تقتصر الأسرة على أن تكون زوجاً وزوجة معهما أطفال ، أو مجموعة أبوية من الآباء والأطفال والأحفاد ، بل تصبح فضلاً عن هذا اتحاداً مقدساً وتتابعاً مستمراً للدم والنار ، ترجع أصولها إلى الماضي السحيق وتمتد أغصانها إلى المستقبل البعيد ، وتربط الموتى والأحياء ومن لم يخرجوا بعد إلى هذا العالم برباط مقدس أقوى من رباط الدولة مهما قويت.

وكان إنجاب الأطفال واجباً مقدساً موتي يفرضه الدين على ثم لا يكتفي بهذا بل يشجع على النسل بأن يدخل في روع من لا أبناء له أنه قد لا يجد من يواري جسمه التراب أو يعني بقبرهِ بعد وفاته. وقد ظل اليونان بكثرة خيارهم وشرارهم على السواء طالما كان للدين أثر في حياتهم ، وكان من نتيجة هذه الكثرة مضافاً إليها الانتخاب الطبيعي الصارم أن احتفظ اليونان بقوتهم ومميزاتهم. وكان الدين والوطنية تربطهما مئات من الطقوس الرهيبة المؤثرة ، فكإن أكثر الآلهة والإلهات احتراماً في الاحتفالات العامة بطل المدينة المؤله أو بطلتها المؤلهة ؛ وكان كل قانون وكل اجتماع للجمعية أو لدور القضاء ، وكل عمل خطير يقدم الجيش أو الحكومة ، وكل مدرسة وجامعة ، وكل هيئة اقتصادية أو سياسية ، كانت هذه كلها تحيط بها الاحتفالات والتضرعات الدينية.

وبهذه الوسائل كلها كان الدين اليوناني يستخدم لحماية المجتمع والشعب من أنانية الفرد الغريزية. وقوت الفنون والآداب والفلسفة هذا الأثر الديني في بادئ الأمر ، ثم عملت بعدئذ على إضعافه ؛ فقد أخذ بندار، وإسكلس، وسفكليز ينفثون حماستهم الأخلاقية أو فطنتهم في العقائد الأولمبية ؛ ورفع فدياس من مقام الآلهة بما خلعه عليها من جمال وجلال ؛ وجمع فيثاغورس وأفلاطون بين الفلسفة والدين ، وأيدا عقيدة الخلود ليجعلا منها باعثاً قوياً على حسن الخلق. لكن بروتجراس كان يشك في الآلهة ، و سقراط يتجاهلها ولا يأبه بها ، و دمقريطس يجحدها ، و يوربديز يسخر منها ، وانتهى الأمر بأن دكت الفلسفة اليونانية ، عن غير قصد منها، قواعد الدين الذي صاغ الحياة الأخلاقية في بلاد اليونان في القالب الذي وجدت فيهِ.






رد مع اقتباس