الآلهة الأولمبية:
كانت هذه الآلهة كلها في المرتبة الثانية من الشهرة بين آلهة اليونان وإن لم تكن حتماً في المرتبة الثانية من التعظيم. ترى لأي سبب لا نسمع في شعر هومر عن هذه الآلهة إلا القليل ، ولأي سبب نسمع عن الآلهة الأولمبية الشيء الكثير؟ أكبر الظن أن مرد هذا إلى أن آلهة ألمبس قد جاءت إلى البلاد مع الآخيين والدوريين وزلزلت عروش الآلهة اليسينية والأرضية ، وغلبتها كما غلبت من كانوا يعبدونها. وفي وسعنا أن نشاهد ما حدث للآلهة الأولى في دودونا Dodona و دلفي حيث حل زيوس في المدينة الأولى محل جيا وحل أبلو محلها في الحالة الثانية. على أن الآلهة المغلوبة لم تُمح من الوجود محواً تاماً بل بقيت خاضعة للآلهة الجديدة تأتمر بأمرها إذا صح أن نتحدث عن شؤون الآلهة بمثل هذا الحديث، فانزوت ذليلة تحت الأرض ولكنها ظلت موضع التبجيل من عامة الشعب ؛ بينما كانت الآلهة الأولمبية المنتصرة تتقبل وهي مستوية على عروشها في أعلى الجبل صلوات عبادها الأشراف. وهذا هو السبب في أن هومر الذي كان يكتب للصفوة المختارة لا يكاد يحدثنا بشيء عن آلهة الأرض. وهكذا أعن هومر و هزيود والمثالون الفاتحين أصحاب السلطة السياسية العليا على نشر عبادة الآلهة الأولمبية.
وقد حدث في بعض الحالات أن اتحدت الآلهة الصغرى أو امتزجت بالكبرى ، وأصبحت من حاشيتها أو أتباعها ، كما كانت الدول الصغرى تنضم من حين إلى حين إلى الدول الأكبر منها أو تخضع لحكمها. وهكذا خضعت جنيات الآجام صغارها وكبارها لديونيس ، وخضعت حور البحار لبوسيدن كما خضعت الأرواح التي تقطن الغابات لأرتميس ، واختفت الطقوس والأساطير الهمجية شيئاً فشيئاً على مر الأيام ؛ وحلت محل الأساطير المضطربة التي كانت تصور الأرض ملآى بالشياطين حكومة للآلهة على شيء من النظام كانت في واقع أمرها مرآة ينعكس عليها ما طرأ على العالم اليوناني من استقرار سياسي آخذ بالنماء.
وكان على رأس هذا النظام الإلهي الجديد رب الأرباب زيوس العظيم ؛ ولم يكن زيوس أول من وجد من الآلهة ، فقد سبقه كما رأينا من قبل أورانوس و كرونوس ، ولكنهما هما والجبابرة Titans قد ثُلت عروشهم كما ثُلت عروش جيش الشيطان Lucifer. وقسم زيوس وإخوته العالم ووزعوه فيما بينهم بطريق القرعة ؛ فكانت السماء من نصيب زيوس ، وكسب بوسيدن البحار ، وكسب هيديز باطن الأرض. وليس في أساطير اليونان ذكر لخلق العالم ؛ فقد وجدت الأرض قبل أن توجد الآلهة ولم تخلق الآلهة الإنسان من حمأ بل خلقته من تزاوج الذكور منها بالإناث ، أو بتزاوجها بأبنائها غير الخالدين ؛ والله في دين اليونان ليس إلا ولداً ، كما أن الآلهة الأولمبية ليست قادرة على كل شيء عارفة بكل شيء ، بل إن كل واحد منها يحدد سلطان الآخر ويعارضه أحياناً ، وكلها بما فيها زيوس نفسه يمكن أن يُخدع ؛ غير أنها على بكرة أبيها تقر له بالسيادة عليها ، وتحشد في بلاطه كما يحتشد الأتباع في ساحة أمير إقطاعي ؛ وهو وإن استشارها في بعض الشؤون ، وعمل برأيها في بعضها وإن خالفت رأيه ، كثيراً ما يزجرها ويلزمها أن تعرف قدر نفسها. وهو يبدأ بأن يكون إلهاً للسماء والجبال ، ومنزل المطر الذي لا غنى للناس عنه ، وهو في بعض صوره الأولى إله حرب كيهوه ، يجادل نفسه هل ينهي حصار طروادة أو "يجعل الحرب أكثر مما كانت وحشية وإراقة للدماء" ويأخذ بالرأي الثاني. ثم يصبح بالتدريج حاكم الآلهة والبشر الهادئ القوي الجالس فوق أولمبس ، الملتحي الوقور، رأس النظام الأخلاقي ومصدره في العالم كله ، يعاقب غير البررة من الأبناء ، ويحمي أملاك الأسرة ، ويوثق الأيمان ، يعاقب الخائنين ، ويحفظ الحدود ، والمساكن ، والمتضرعين ، والأضياف ، وهو أخيراً المصدر الأعلى للأحكام الذي نحت فدياس تمثاله لأولمبيا.
وعيبه الوحيد هو ما يدفعه إليه نزق الشباب من استسلام سريع للحب ، وإذ لم يكن هو خالق النساء فإنه يعجب بهن ويراهن كائنات عجيبة تجد الآلهة نفسها فيهن موهبة الجمال والحنان ، وهما صفتان تسموان عن كل تقدير ؛ ويجد نفسه عاجزاً عن مقاومة إغرائهن. ويذكر هزيود ثبتاً طويلاً بمحبوبات الإله ، وبما أنجبن منه من أبناء عظام. وكانت حبيبته الأولى ديوني Dione ، ولكنه يغادرها في أبيروس حين يهاجر إلى أولمبس في تساليا ، وفيها تكون زوجته الأولى هي متيس Metis إلهة الكيل ، والعقل ، والحكمة ؛ ويترامى إليه أن أبناءها سينزلونه عن عرشه ، فيبتلعها ، ويأخذ منها صفاتها ، ويصبح هو نفسه إله الحكمة ؛ وتلد متيس أثينا في جوفه ، وإذن فلابد من قطع رأسه حتى تخرج إلى العالم ، ويحس هو بالوحدة والحادة إلى المؤنس الجميل فيتزوج ثميس Themis وتلد له الساعات الأثنتي عشرة ؛ ثم يتزوج يورينوم وتلد له إلاهات اللطف الثلاث ؛ ثم يتزرج نموسيني Mnemosyne وتلد له ربات الشعر التسع ؛ ثم ليتو وينجب منها ولديه أبلو و أرتميس ؛ ثم أخته دمتر وينجب منها برسفوني : فإذا ما صرف شبابه في الملاذ على هذا النحو تزوج آخر الأمر أخته هيرا وأجلسها ملكة على أولمبس فتلد له هيبي Hebe ، و أريس Ares ، و هفستوف Hephaestus ، و أيليثيا Eileithyia ، ولكن الشقاق يقع بينه وبينها ، لأنها لا تقل عنه سناً ؛ وهي تلقى أكثر مما يلقى من التكريم في كثير من الدول اليونانية ، وهي رعاية الزواج والأمومة ، وحامية الروابط الزوجية ؛ وهي ظريفة أنيقة ، وقورة ، فاضلة ، لا يعجبها عبثه ومداعباته ؛ وهي إلى هذا كله سليطة إلى أبعد حد. ويهم بأن يضربها ، ولكنه يرى أن أيسر من ضربها عنده أن يفرج عن كربه بزيجات جديدة. وكانت نيوبي أولى زوجاته من الآدميين ، وكانت آخرهن ألكمينا وهي من نسل نيوبي في الجيل السادس عشر%=@من واجبنا أن نضيف إلى هذا ، إنصافاً للموتى ، أن معظم هذه المغامرات كانت في أغلب الظن من اختراع الشعراء أو القبائل التي كانت تحرص على أن تصل أنسابها بأعظم الآلهة كلها.@ ، وهو يسير على سنة اليونان في عدم التفرق بين الذكور والإناث ، فيحب جنميد الوسيم ، ويختطفه لكي يجعله ساقيه فوق أولمبس. وكان من الطبيعي أن يكون من بين أبناء هذا الأب المخصب بعض النجباء الممتازين. من ذلك أن أثينا حين ولدت كاملة النمو والسلاح من رأس زيوس ، أمدت أدب العالم بإحدى استعاراته التي مازالت تتكرر حتى ملها الناس.
وكانت أجدر الآلهات بأن تكون إلهة مدينة أثينا ، تفخر بأنها عذراء وتتخذ من هذا سبباً لمواساة فتياتها العذارى ، وتبعث في نفوس رجالها الحماسة الحربية ، وتمثل لبركليز الحكمة التي هي خليقة بها لأنها ابنة متيس وزيوس. ولما حاول الجبار بلاس Pallas أن يغازلها قتلته وأضافت اسمه إلى اسمها ليكون ذلك نذيراً لغيره من خطّابها. وقد خصتها مدينة أثينة بأجمل هياكلها وأفخم أعيادها. وكانت عبادة أبلو الوسيم أوسع انتشاراً من عبادة أخته أثينا ، وكان أبلو إله الشمس المتلألئ ، راعي الموسيقى والشعر والفن ، منشئ المدن ، مشرع القوانين ، إله الشفاء ووالد أس***يوس ، إله الحرب الرامي بالنبال إلى أبعد مدى ، الذي خلف جيا وفوبي Phoebe. في دلفي ، وكان أقدس من ينزل الوحي في بلاد اليونان ، وكان إله المحاصيل النامية ، وبهذه الصفة كان يتلقى العشور في أيام الحصاد ، وكان في نظير هذا يبعث بدفئه وضوئه الذهبيين من ديلوس ودلفي ليخصب التربة ويغنيها.
وكان في كل مكان يقترن بالنظام والاعتدال والجمال ؛ وبينما كانت عبادة غيره من الآلهة ومراسمها تتضمن كثيراً من عناصر الخوف والخرافات الغريبة ، كانت النغمة السائدة في عبادة أبلو وفي أعياده العظيمة في دلفي وديلوس هي التعبير عن ابتهاج الشعب المستنير بإله الصحة والحكمة والعقل والغناء ، وكانت أخته أرتميس ، سعيدة مثله. وكانت أرتميس إلهة الصيد العذراء ، المنهمكة في شؤون الحيوانات ، وفي ملذات الغابات ، انهماكاً لا يترك لها وقتاً لحب الرجال ، وكانت إلهة الطبيعة البرية ، والمراعي والغابات والتلال ، والغصن المقدس. وكما كان أبلو المثل الأعلى للشباب اليوناني ، كذلك كانت أرتميس المثل الأعلى للفتيات اليونانيات- كانت قوية الجسم ، رياضية رشيقة عفيفة ، وهذا فقد كانت راعية النساء في الولادة ، وكن يدعونها لتخفف عنهن آلام الوضع. وكانت تحتفظ في إفسوس بطبيعتها الآسيوية ، فكانت إلهة الأمومة والإخصاب ؛ وبهذه الطريقة اختلطت فكرتا العذراء والأم في عبادتها ، وقد وجدت الكنيسة المسيحية في القرن الخامس بعد الميلاد أن من الحكمة أن تضيف ما بقي من هذه الطقوس الدينية إلى مريم ، وأن تحول عيد الحصاد الذي كان يقام لأرتميس في منتصف أغسطس إلى عيد انتقال العذراء إلى السماء.
وبهذه الطريقة وأمثالها يحتفظ الجديد بالقديم ويتبدل كل شيء عدا الجوهر ذلك أن التاريخ كالحياة يجب أن يستمر أو يموت ؛ فقد تتبدل الأخلاق والأنظمة ولكنها تتبدل ببطء ؛ وإذا حال حائل قوي بينها وبين نماءها وتطورها نسيت الأمم نفسها وجن جنونها. وكان من بين تلك الآلهة إله أشبه ما يكون بالآدميين ، هو الصانع الأولمبي الماهر هفستس الأعرج المعروف عند الرومان باسم فلكان Vulcan. ويبدو أن هذا الإله المهين المظلوم ، إله السماء الأول كان إلهاً سخيفاً خليقاً بالرثاء ، ولكنه في آخر الأمر يستدر عطفنا أكثر مما تستدره الآلهة الماكرة التي لا ضمير لها ، والتي تسيء معاملته ، ولعله كان في أيامه الأولى ، قبل أن يصير قريب الشبه بالأناس ، روح النار والكير. وهو في قصص هومر الديني ابن زيوس وهيرا ، ولكن أساطير غير أساطير هومر تؤكد لنا أن هيرا حسدت زيوس على مولده لأثينا بلا معونة ، فولدت هي الأخرى هفستس من غير حاجة إلى ذكر. ولما رأته قبيح المنظر ضعيف الجسم ، ألقت به من فوق أولمبس ، ولكنه عرف طريق العودة إلى موطنه ، وشاد للآلهة القصور الكثيرة التي كانوا يسكنون فيها.
وكان يكن لأمه كل شفقة وإجلال رغم ما لقيه على يديها من سوء المعاملة ، وقد دافع عنها دفاعاً مجيداً في نزاعها مع زيوس ، فما كان من إله أولمبس العظيم إلا أن أمسك بساقه وقذف بهِ إلى الأرض. واستغرق هفستس في نزوله يوماً كاملاً ، حتى استقر آخر الأمر على جزيرة لمنوس ، وجرح عقبه ، ويؤكد العارفون أنه أصبح من ذلك الحين شديد العرج يتألم كلما مشى )وإن كان هومر يقول إنه كان أعرج قبل هذه الحادثة(. وعاد مرة أخرى إلى أولمبس ، وصنع في حانوته الكثير الضوضاء سنداناً ضخماً وضع فيه عشرين منفاخاً كبيراً ، وعمل دروع أخيل ، وتماثيل تتحرك من نفسها ، وعجائب أخرى كثيرة. وكان اليونان يعبدونه بوصفه إله جميع الصناعات المعدنية ، ثم أصبح عندهم إله جميع الصنائع اليدوية ، وكانوا يعتقدون أن البراكين هي مداخن حوانيته التي تحت الأرض. وكان من سوء حظه أن تزوج أفرديتي ووجد أن من أصعب الأمور أن تجتمع الفضيلة والجمال في شخص واحد. ولما عرف هفستس بما كان بينها وبين أريس ، صنع للمحبين شركاً وقع عليهما في أثناء اجتماعهما. وهكذا أنتم الإله الأعرج لعرجه بأن عرض على زملائه الآلهة إلهي الحب والحرب مكبلين في الأغلال، وكان منظراً أثار ضحك الآلهة. وقال هرمس لأبلو- كما يحدثنا هومر: "أي هرمس يا بن زيوس... هل يرضيك حقيقة أن تنام على فراش واحد بجانب الإلهة أفرديتي ، ولو كنت مكبلاً بالأغلال الثقال؟" فأجابه الرسول يقول: "أيها الإله أبلو ؛ ليت هذا يكون ، وليتني أكبل بثلاثة أمثال هذه الأغلال التي لا أجد منها خلاصاً ، وأن تشاهدوني أنتم أيها الآلهة- نعم والإلهات كلها أيضا- إن استطعت أن أنام إلى جوار أفرديتي الذهبية". حسبنا هذا عن هفستس.
أما إريس (المريخ) فلم يكن يمتاز بالذكاء أو الدهاء ؛ وكانت صناعته الحرب ، وحتى سحر أفرديتي ومفاتنها لم تكن تثير فيه النشوة التي يثيرها التقبيل الذي كان شهوة وغريزة فيه. ويسميه هومر "نقمة صبت على البشر" ، ويصف لنا وهو مغتبط كيف ألقته أثينا على الأرض بضربة حجر ، ويقول إنه "وهو نائم قد غطى سبعة أفدنة". هذا أريس أما هرمس (ميركري أو عطارد) فأكثر منه طرافة. فقد كان في بادئ أمره حجراً ، وعبادته مستمدة من عبادة الحجارة المقدسة ؛ ولا تزال المراحل التي مر بها ظاهرة واضحة ، فقد صار في المرحلة الثانية الحجر الطويل الذي يوضع فوق المقابر ، أو الروح )الديمون( الكامنة في هذا الحجر ؛ ثم صار بعدئذ حجر الحدود أو إلهها ، يحدد الحقول ويحرسها ، وإذا كان عمله فيها فضلاً عن تجديدها وحراستها هو توفير الخصب لها ، فقد صار قضيب الرجل رمزاً من رموزه. ثم أصبح فيما بعد العمود- ذا الرأس المنحوت ، والجسم غير المنحوت ، وعضو التذكير البارز- الذي كان يوضع أما بيت كل أسرة ذات شأن في أثينا.
وسنرى كيف كان بتر هذه الأعمدة عشية الحملة على سرقوسة السبب المباشر لهلاك ألقبيادس وخراب أثينا. وهو إلى هذا كله إله المسافرين ، وحامي المنادين ، وعصيهم من أحب شعائره إليه. وقد أصبح بوصفه إله المسافرين إله الحظ ، والتجارة ، والدهاء ، والكسب ، ومن ثم أصيح مخترع المكاييل والموازين ، وحارسها ، كما أصبح الملاك الراعي للحانثين والمختلسين واللصوص. وهو نفسه بشير ونذير يحمل الرسائل والأوامر بين الآلهة الأولمبية أو بينها وبين البشر ، وهو يسير على خفيف مجتمعين بسرعة الريح الغاضبة العاصفة ، وتكسبه هرولته ليناً ورشاقة ، وتهيئه لأن يتخذ الصورة التي يظهر بها في تمثال بكستليز. وهو بوصفه شاباً سريع العدو قوي الجسم ، راعي الرياضيين ونصيرهم ، ونجد صورته التي تظهر فيها رجولته كاملة مكاناً لها في كل مكان للتدريب العضلي.
وإذ كان هو المنذر والمبشر فقد كان إله الفصاحة ، وإذ كان الشارح السماوي فقد أصبح رأس عدد كبير من الشرّاح والمفسرين. وتصف إحدى الترانيم "الهومرية" كيف مد أوتاراً على صدفة سلحفاة واخترع بذلك قيثارة. ثم يحين الوقت الذي يسترضي فيه أفرديتي فيستولدها ، كما يخبرنا القصاصون ، خنثى (هرمفرديتي Hermaphrodite) ناعم الجسم يرث منها مفاتنها ويشتق اسمه من اسميهما.
ومن الخصائص التي امتازت بها بلاد اليونان أن كان لها فضلاً عن إلهه العفة والبكورة والأمومة ، إلهة للجمال والحب ، وما من شك في أن أفرديتي كانت في مواطنها الأولى بالشرق الأدنى ، وفي قبرص موطنها نصف الشرقي ، كانت في هذه المواطن أول الأمر إلهة أمَّاً ؛ ولقد ظلت طوال عهدها ذات صلة وثيقة بالتوالد والإخصاب في الممالك النباتية والحيوانية والبشرية بأجمعها ، فلما أن تقدمت الحضارة وازداد الأمن ولم تعد للناس حاجة بكثرة المواليد ، تركت حاسة الجمال حرة طليقة تجد في النساء قيماً غير قيم التناسل الكثير ، ومن ثم لا تقتصر أفرديتي على أن تكون المثل الأعلى للجمال بل تصبح إلهة اللذائذ الجنسية بجميع أنواعها. وعبدها اليونان في صور مختلفة: فهي في صورة أفرديتي أورينا- السماوية- ربة الحب العذري أو المقدس ، وفي صورة أفرديتي بندموس Pandemos- الشعبية- إلهة الحب الدنس بكافة أنواعه ، وفي صورة أفرديتي كليبيجوس Kallipygos فينوس ذات الردفين الجميلين.
وقد أقامت المومسات في أثينا و كورنثة هياكل لها ، واتخذنها راعية لهن ونصيرة. وكانت بعض المدن في بلاد اليونان تحتفل بالأفرديسيا عيدها العظيم في أول شهر إبريل ، وفيه كانت تطلق حرية الاختلاط الجنسي لكل من شاء. وكانت هي إلهة الحب لأهل الجنوب ذوي الشهوات الجنسية والعواطف الثائرة ، وهي المنافسة القديمة لأرتميس إلهة الحب عند أهل الشمال الباردين الصيادين ، وقد جعلتها الأساطير- التي لا تكاد تقل سخريتها عن سخرية التاريخ- زوجة هفستوس المعقد ، ولكنها تروح عن نفسها بالاتصال بأريس ، وهرمس ، وبوسيدن ، وديونيسس وبكثيرين من الآدميين مثل أنكيسيز وأدنيس. وقد أهدى إليها باريس في مباراة بينها وبين هيرا التفاحة الذهبية جائزة الجمال ، ولكن لعلها لم تكن جميلة بحق إلا بعد أن أعاد بركستليز تصويرها ، وخلع عليها ذلك الجمال الذي جعل بلاد اليونان تغفر لها جميع خطاياها. ومن واجبنا أن نضيف ألى كبار الآلهة الأولمبية من أبناء زيوس الشرعيين منهم وغير الشرعيين أخته هيرا إلهة البيت، وأخاه بوسيدن المشاكس.
وكان هذا الإله يماثل عند اليونان نبتون عند الرومان يرى وهو آمن على نفسه في مملكته المائية أنه ند زيوس وقرينه ؛ وحتى الأمم التي تعيش في داخل القارة بعيدة عن البحر كانت تعبده لأنه لم يكن الحاكم المسيطر على البحر فحسب ، بل كان المسيطر أيضاً على الأنهار والعيون ، وكان هو الذي يهدي المجاري العجيبة التي تسير تحت الأرض إلى طرقها ، والذي يحدث الزلازل بأمواج المد. وكان الملاحون اليونان يقيمون له الصلوات ويشيدون الهياكل على ألسنة الأرض الخطرة الممتدة في البحر ليتقوا بها غضبه. ويشيدون هناك آلهة أقل من هذه شأناً حتى على جبل أولمبس ، لأنه تجسيد المعاني المجردة لم يكن يقف عند حد. فمن هذه هستيا )وهي فستا عند الرومان(إلهة الموقد وناره المقدسة، ومنها إيريس Iris )قوس قزح( ورسول زيوس في بعض الأحيان ، ومنها هيبي Hebe إلهة الشباب ؛ و إيليثيا التي تعين النساء على الوضع ، ومنها ديكي Dike أو العدالة ، ومنها [تيكي] Tyche الفرصة ؛ و إيروس Eros الحب الذي جعله هزيود خالق العالم والذي سمته سافو "مذيب الأضلاع ، الحلو- المر الوحش الضاري العنيد". وكان هيمنيوس Hymeneus ، نشيد الزواج ؛ و هبنوس Hypnos النوم ؛ و أنيروس Oneiros الأحلام ؛ و جيراس Geras الشيخوخة ؛ و ليثي Lethe النسيان ؛ و ثناتوس Thanatos الموت وغيرها مما يخطئه الحصر.
وكانت لهم تسع إلهات للفن تلهم الفنانين والشعرا ء: كليو Clio للتاريخ ، و يوتربي Euterpe للشعر الغنائي الذي يوقع على المزمار ؛ و ثاليا Thalia للمسرحيات الهزلية وشعر الرعاة ، و ملبوميني Melpomene للمآسي ؛ و تربنسكوري Terpsichore للرقص المصحوب بالغناء وللغناء نفسه، و إراتو Erato للشعر الغزلي والهزلي ؛ و بولمنيا Polymnia للترانيم ؛ و أورانيا Urania للفلك ، و كليوبي Colliope للملاحم الشعرية.
وكانت لهم ثلاث إلهات للرحمة لها اثنا عشر تابعاً هي الساعات. وكان من هذه الآلهة الصغار نمسيس الذي يوزع الخير والشر على الناس ، ويرسل الدمار إلى كل من يرتكب جريمة الهبريس Hybris- الزهو في أيام الرخاء. وكان منها الإرينيات Erinnyes إلهات الغضب الرهيبة التي لا تترك ظلماً إلا انتقمت له. وكان اليونان يطلقون عليها اسم اليومنيدات Eumenides أي مريدات الخير تجملاً منهم لها ودرءاً لشرها. وآخر ما نذكر من آلهتهم المويراي Moirai أي ربات الأقدار والحظوظ اللاتي كن ينظمن شؤون الحياة تنظيماً لا مرد لحكمهن فيه، ويتصرفن على حد قول البعض في حظوظ الآلهة والآدميين على السواء. وعند هذا الحد من التفكير يقف الدين اليوناني ثم ينتقل بعده إلى العلم الطبيعي وإلى القانون. ولقد أبقينا إلى آخر هذا السجل أكثر الآلهة اليونانية إثارة للتعب ، وأحبها إلى الشعب ، وهو إله يصعب علينا كل الصعوبة أن نحدد مكانه بين هاته الآلهة. ذلك هو ديونيسس الذي لم يقبل بين آلهة أولمبس إلا في أخريات أيامه. ذلك أنه كان في أول الأمر من آلهة تراقية ، قبل أن تهبه تلك البلاد اليونان. وكان في موطنه الأصلي إله الشراب المعصور من الشعير ، وكان اسمه سبزيوس Sabazius ، فلما جاء بلاد اليونان أصبح إله الخمر ، ومغذي الكروم وحارسها. وكان في بادئ الأمر إلهاً للخصب ، ثم أصبح إله السُّكْر ، وانتهى أمره بأن صار ابن الله الذي مات لينجي البشر. واختلطت عدة صور وأقاصيص بعضها ببعض لتكون منها أسطورته ، فكان اليونان يتخيلونه في صورة زجريوس Zagreus أي "الطفل المقرن" ، الذي ولد لزيوس من أخته برسفوني. وكان أحب أبناء زيوس إليه ، ويجلس إلى جواره على عرشهِ في السماء. ولما حسدته هيرا على منزلتهِ وأغرت الجبابرة بقتلهِ ، بدله زيوس بماعز ثم بثور ليخفيه عن الأنظار. ولكن الجبابرة قبضوا عليه وهو في هذه الصورة الثانية ، وقطعوا جسمه إرباً، سلقوها في قدر. وفعلت به أثينا فعل ترلوني Traliwnay ، فأنقذت قلبه وحملته إلى زيوس ؛ وأعطاه زيوس ألى سميلي Smele فحملت به وولدت الإله مرة أخرى وسمي بعد مولده ديونيسس. وكان الحزن على موت ديونيسس والاحتفال والسرور ببعثهِ أساس طقوس دينية واسعة الانتشار بين اليونان. فقد كانت النساء اليونانيات يصعدن التلال في فصل الربيع حين تزهر الكروم ليقابلن الإله حين يولد من جديد. وكن يقضين يومين كاملين يحتسين فيهما الخمر بلا حساب وكن يرين كما يرى السكيرون غير المتدينين في هذه الأيام أن قليلة العقل من لا تفقد عقلها من الشراب ، وكن يسرن في موكب عجاج تقودهن ميندات Maends أو نساء ذاهلات العقل مشغوفات بديونيسس ؛ وكن يرهفن آذانهن لسماع قصته التي يعرفنها حق المعرفة ، وما لقيه إلههن من عذاب وموت وبعث ؛ وكن في أثناء احتسائهن الخمر ورقصهن يهتجن اهتياجاً يتحللن فيه من جميع القيود.
وكان محور هذا الاحتفال وأهم ما فيه أن يمسك النساء بماعز أو ثور أو رجل في بعض الأحيان )يرين أن الإله قد تقمصه( ويمزقنه إرباً وهو على قيد الحياة ، إحياء لذكرى تمزيق ديونيسس ؛ ثم يشربن دمه ، ويأكلن لحمه يتخذنه عشاءً ربانياً مقدساً ، معتقدات أن الإله سيدخل بهذه الطريقة إلى أجسامهن ويستحوذ على أرواحهن. وكن في هذه الحماسة القدسية يؤمن بأنهن سيصبحن هن والإله شيئاً واحداً ، وأنهن سيظفرن بالامتزاج معه امتزاجاً صوفياً. ولهذا كن يتسمن باسمه فيطلقن على أنفسهن اسم البكوي Bacchoi ويعتقدن أنهن لن يمتن بعدئذ أبداً ، أو كن يسمين الحالة التي هن فيها الإكستسيز ecstases )النشوة( أي خروجهن من أرواحهن ليلاقين ديونيسس ويتحدثن معه. وبهذا كن يشعرن بأنهن قد تحررن من أجسامهن ؛ وحصلن على قوة اختراق حجب الغيب فأصبحن قادرات على التنبؤ ، وصرن في واقع الأمر إلهات. تلك هي الطقوس الانفعالية التي انتقلت من تراقية إلى بلاد اليونان كأنها وباء ديني شبيه بأوبئة العصور الوسطى ، ينتزع إقليماً في أثر إقليم من آلهة أولمبس الباردة الواضحة معبودات الدولة الرسمية ليُحِل محلها ديناً وطقوساً تشبع الاهتياج والتحرر من القيود ، والحنين إلى التحمس والاستحواذ والتصوف والغموض.
وقد حاولت دلفي أن تبعد عنها هذه الطقوس الدينية ، وحاول ذلك حكام أثينا أيضاً ، ولكن دلفي عجزت عن إبعادها عجز حكام أثينا. وكل ما كان في مقدورها ومقدورهم هو إدخال ديونيسس في زمرة أرباب أولمبس ، وصبغه بالصبغة اليونانية والإنسانية ، والاحتفال بعيده احتفالاً رسمياً ، وتبديل مرح عباده من نشوة الخمر الجنونية بين التلال إلى المواكب الفخمة والأغاني القوية والمسرحية ذات الروعة والجلال التي تمثل في عيد يونيزيا العظيم. وقد ضموا ديونيسس وقتاً ما إلى أبلو ، ولكن أبلو استسلم آخر الأمر لوارث ديونيسس وغالبه ألا وهو المسيح.
أسرار خافية:
لقد كان في دين اليونان ثلاثة عناصر وثلاث مراحل رئيسية: عنصر أرضي ومرحلة أرضية، وعنصر أولمبي ومرحلة أولمبية، وعنصر صوفي ومرحلة صوفية. وأكب الظن أن أول العناصر وأولى المراحل من أصل بلاسجي- ميسيني ، وأن ثانيهما وثانيتهما من أصل أخي- دوري ، وثالثهما وثالثتهما من أصل مصري- أسيوي. وكانوا يعبدون في المرحلة الأولى آلهة تحت الأرض وفي الثانية آلهة سماوية وفي الثالثة آلهة بعثت بعد الموت. وكانت العبادة الأولى أكثر انتشاراً بين الفقراء ، والثانية بين الأغنياء ، والثالثة بين الطبقة المتوسطة- الدنيا.
وسادت العبادة الأولى قبل العصر الهومري والثانية في أثنائه والثالثة بعده. ولم يكد يحل عصر الاستنارة في أيام بركليز حتى كان التخفي أقوى العناصر في الدين اليوناني. والتخفي عند اليونان احتفال سري يُكشف فيه عن رموز مقدسة ، وتُقام فيه طقوس رمزية ، لا يتعبد بها إلا المطلهون على أسرارها. وكانت هذه الطقوس في العادة تمثل تعذب إله من الآلهة وموته وبعثه ، أو تحيي ذكرى هذا العذاب والبعث والموت بطريقةشبه مسرحية ، وتسير إلى موضوعات زراعية قديمة وإلى ضروب من السحر ، وتعِدُ أولئك المطلعين حياة أبدية خالدة.
وكانت أماكن كثيرة في بلاد اليونان تمارس هذه الطقوس الخفية ، ولكن ما من مكان كان يضارع إلوسيس من هذه الناحية. وكان ما فيها من الطقوس موروثاً من عهد ما قبل الآخيين ، ويبدو أنها كانت في الأصل احتفالاً في الخريف بالحرث والزرع. فقد كانت ثمة أسطورة تقول إن دمتر أرادت أن تكافئ أهل أتكا لعطفهم عليها في تجوالها فأقامت في إلوسيس أعظم هيكل من هياكلها ، ثم هُدم هذا الهيكل وأعيد بناءوه مراراً كثيرة خلال تاريخ اليونان. ودخيل عيد دمتر في أيام أثينا صولون و بيسستراتس و بركليز ، وازداد فيها عظمة وفخامة ، وكان طلاب الأسرار الصغرى التي تقام في فصل الربيع بالقرب من أثينة يتطهرون أولاً بأن يغمروا أنفسهم في ماء إليسس Illisus ، فقد كان الطلاب وغيرهم من الناس تحجون سيراً على الأقدام في وقار وجزل مدى أربعة عشر ميلاً في الطريق المقدس إلى إلوسيس يحملون فوق رؤوسهم صورة الإله الأرضي ياكوس Iacchus حتى إذا ما وصل الموكب إلى إلوسيس في ضوء المشاعل ووضع صورة الإله في الهيكل وسط مراسم التعظيم والإجلال ، قضوا ما بقي من اليوم في الرقص والغناء المقدسين.
تلك هي الأسرار الصغرى ، أما الأسرار الكبرى فكانت تدوم أربعة أيام أخرى ، وتبدأ بإدخال من تطهروا في الأسرار الصغرى بالاستحمام والصوم ، أما الذين مارسوا هذه الطقوس في مثل ذلك الموعد من العام الماضي فكانوا يؤخذون إلى بهو الاندماج في الجماعة السرية ، حيث يكون الاحتفال السري. وهناك يفطر المبتدئون الصائمون بأن يتناولوا عشاء ربانياً مقدساً إحياء لذكرى دمتر ، ويشربوا مزيجاً مقدساً من [دقيق] الحنطة و الماء ، ويأكلوا كعكاً مقدساً. ولسنا نعلم أي طقوس خفية كانت تحدث في ذلك المكان ، فذلك شر ظل خافياً خلال التاريخ القديم كله ، وكان محرماً على أي إنسان أن يبوح به وإلا تعرض للقتل.
ولقد نجا إسكلس التقى نفسه من حكم الإعدام بأعجوبة لأنه كتب بضعة أسطر ظُن أنها قد تكشف السر. وكل ما نستطيع أن نقوله أن الاحتفال كان عبارة عن مسرحية رمزية لها أثر في إحياء مسرحية ديونيسس ، وأكبر الظن أن موضوعها كان اختطاف بلوتو لبرسفوني ، وتجوال دمتر الحزينة وعودة الفتاة العذراء إلى الأرض ، والكشف لأتكا عن أسرار الزراعة. وكانت خلاصة الاحتفال هي زواج خفي بين كاهن يمثل زيوس وكاهنة تمثل دمتر ، وكان هذا الزواج الرمزي يثمر ثمرته بسرعة سحرية عجيبة ، فقد كان يعقبه بعد قليل- على ما ينقله لنا المؤرخون- إعلان صريح بأن "سيدتنا قد وضعت غلاماً مقدساً" ؛ ثم تُعرض على الناس سنبلة من الحب ترمز إلى الثمرة التي تمخضت عنها دمتر- نتاج الحقول ، ثم يُخذ العابدون في ضوء المشاعل الشاحب إلى كهوف مظلمة تحت الأرض تمثل الجحيم ، يُرفعون بعدها إلى حجرة عليا تتلألأ فيها الأنوار وتمثل ، على ما يظهر ، مسكن الصالحين ؛ وفيها تعرض عليهم وسط مظاهر التعظيم والتكريم الآثار أو الصور والتماثيل المقدسة التي ظلت إلى تلك الساعة مخفية عنهم ، ويؤكد العارفون أن هؤلاء المبتدئين كانوا وهم في نشوة هذا الإلهام المقدس يحسون بوحدتهم هم والإله ووحدة الإله والروح ، وأنهم قد انتشلوا من أوهام الفردية ، وأدركوا طمأنينة الاندماج في الألوهية.
وفي عصر بيسستراتس دخلت أسرار ديونيسس في الطقوس الإلوسينية عن طريق عدوى دينية إذا صح هذا التعبير ، وذلك أن الإله ياكوس قد وحد هو وديونيسس ، وقيل أنه هو ابن برسفوني ، وطغت خرافة ديونيسس زجريوس على أسطورة دمتر. ولكن الفكرة الرئيسية في هذه الطقوس نفسها ، وجوهر هذه الفكرة هو أن الموتى يمكن أن تتجدد حياتهم كما أن البذرة تولد مرة ثانية ، ولم يكن يقصد بحياتهم هذه حياة الأشباح النكدة في الجحيم ، بل يقصد بها حياة ملؤها السعادة والطمأنينة. ولما زال كل ما عدا هذه الفكرة من الدين اليوناني ، ظل هذا الأمل يعمر القلوب وامتزج في الإسكندرية بعقيدة الخلود المصرية التي هي أصل العقيدة اليونانية ، فكان هو السلاح الذي غزت به المسيحية العالم الغربي.
وجاءت إلى بلاد اليونان في القرن السابع طقوس دينية صوفية أخرى من مصر وتراقية ، وتساليا ، وكانت هذه الطقوس أجلُ خطراً في تاريخ اليونان من طقوس إلوسيس الخفية نفسها. ونجد في بداية هذه الطقوس في عصر ركاب السفينة أرجوس شخصاً غامضاً ولكنه مع ذلك جذاب فتان ، ذلك هو أرفيوس التراقي الذي يصفه ديودور بأنه لم يكن يدانيه أحد ممن نعرف أسمائهم من الرجال في الثقافة والموسيقى والشعر ، ونرجح كثيراً أن أرفسوس هذا كان شخصاً حقيقياً ، وإن كان كل ما نعرفه عنه يمت بسبب إلى الأساطير. فهم يصورونه لنا بصورة الرجل الظريف ، الشفيق ، المفكر ، العطوف ، وهو تارة موسيقي ، وتارة كاهن زاهد من كهنة ديونيسس. وكان بارعاً في العزف على القيثارة وفي الغناء عليها براعة افتتن بها سامعوه حتى كادوا أن يتخذوه إلهاً يعبدونه.
وكانت الوحوش إذا سمعت صوته خرجت عن طبيعتها واستأنست ، بل إن الأشجار والصخور كانت تغادر مواضعها لتستمع إلى نغمات قيثارته. وتزوج أرفيوس من يريديس الحسناء ، وكاد يُجن حين قضت نحبها. فما كان منه إلا أن قفز إلى الجحيم وسحر برسفوني بقيثارته ، وسُمح له أن يُعيد يريديس إلى الحياة على شريطة أن لا ينظر إليها حتى يصلا إلى سطح الأرض. لكنه لم يطق صبراً على هذا وخشي ألا تكون من ورائهِ ، فنظر إلى الوراء عند آخر حاجز بينه وبين سطح الأرض ، فرآها تُختطف مرة أخرى ويُقذف بها إلى العالم السفلي. وحقدت عليه نساء تراقية لأنه أبى أن يسلي نفسه معهن فمزقنه إرباً في نشوة من نشواتهن الديونيسية. وكفر زيوس عن ذنبهن بأن جعل قيثارة أرفيوس كوكبة من نجوم السماء. ودفن رأسه وهو لا يزال يغني في لسبوس في شق صار فيما بعد مهبط وحي.
ويقولون إن البلابل في هذا المكان كانت أرق وأحلى صوتاً منها في أي مكان آخر. وقيل في العصور المتأخرة إنه خلف وراءه كثيراً من الأغاني الدينية ؛ وليس ببعيد أن يكون هذا صحيحاً ، وتقول الرواية اليونانية المتواترة إن عالماً يُدعى أونومكريتوس Onomacritus نشر هذه الأغاني في عام 520 ، كما نُشرت القصائد الهومرية قبل ذلك بجيل من الزمان ؛ وفي القرن السادس أو قبله كانت هذه الأغاني قد أصبحت ذات طابع مقدس ، وقيل إنها قد أوحيت إلى صاحبها كما أضحت أساساً لطقوس دينية صوفية ذات صلة بطقوس ديونيسس ، ولكنها تعلو عليها كثيراً فيما تنطوي عليه من عقائد دينية وفي طقوسها وأثرها الخلقي. فأما العقائد الدينية فقد كانت في جوهرها توكيداً لعذاب ديونيسس زجريوس الابن المقدس وموته وبعثه ، كما كانت تؤكد أيضاً أن الناس جميعاً سوف يُبعثون في حياة مستقبلة يُثابون فيها على أعمالهم أو يعاقبون عليها.
وإذا كان الاعتقاد السائد أن الجبابرة الذين قتلوا ديونيسس هم الذين تناسل منهم الآدميون ، فقد كانت البشرية كلها ملوثة بشيء من الخطيئة الأولى ، وكان عقابها على هذه الخطيئة أن الروح تُسجن في الجسم كأنها في سجن أو قبر ، ولكن في وسع بني الإنسان أن يعزوا أنفسهم بأن يعرفوا أن الجيابرة قد أكلوا ديونيسس ، وأن كل إنسان ينطوي لهذا السبب في روحه على جزء من الألوهية الخالدة ، وكان عباد أرفيوس يتناولون في عشاء رباني جماعي لحم ثور نيئاً ، يمثل في اعتقادهم ديونيسس ، إحياء لذكرى قتل الإله وأكل لحمه وامتصاصاً للجوهر المقدس من جديد.
ويقول علم اللاهوت الأرفي إن الروح تذهب بعد الموت إلى الجحيم حيث يحاسبها آلهة العالم السفلي على أعمالها ، وكانت الترانيم والطقوس الأرفية ترشد المؤمنين إلى ما يجب أن يتبعوه من هذا الحساب النهائي الشامل ، شأنها في هذا شأن كتاب الموتى عند قدماء المصريين. فإذا حُكم على الميت بأنه مذنب عوقب عقاباً شديداً. فمن قول إن هذا العقاب أبدي وهو الذي أخذت منه فكرة النار فيما بعد ؛ وهناك فكرة أخرى تقول بالتناسخ أي أن الروح تولد مرة بعد مرة لتحيا حياة أسعد من حياتها الأولى أو أشقى منها حسب طهارتها الأولى أو عدم طهارتها ، ويتكرر هذا المولد مرة بعد مرة حتى تتطهر الروح من ذنوبها تطهراً تاماً فيُسمح لها بالدخول في جزائر المنعمين.
وهناك قول ثالث يبعث الأمل في قلوب الموتى وخلاصته أن العقاب الذي يلقاه الميت في الجحيم قد ينتهي إذا كفّر الإنسان عن ذنبه قبل موته أو كفّر عنه أصدقاؤه بعد موتهِ ، وبهذه الطريقة نشأت عقيد التطهير و صكوك الغفران ؛ ويصف أفلاطون وهو مغضب غضباً لا يكاد يقل عن غضب لوثر Luther بيع هذه الصكوك في أثينا في القرن الرابع قبل الميلاد فيقول: "يقرع المتنبئون المتسولون أبواب الأغنياء ويدخلون في روعهم أنهم قد وهبوا القدرة على أن يكفّروا لهم خطاياهم أو خطايا آبائهم بضروب من التضحية والرُّقَي... ثم يُخرجون من حقائبهم مجموعة ضخمة من الكتب بخط موسيوس Musaeus أو أرفيوس... يمارسون منها طقوسهم ، ويقنعون الأفراد ومدناً بأكملها أن التوبة من الذنوب والتكفير عنها يتمان بتقريب القرابين والقيام بضروب التسلية التي يشغلون بها ساعات الفراغ والتي يتقدمون بها إلى الأحياء وإلى الموتى على السواء ، وهم يسمون العمل الأخير طقوساً خفية ، ويدعون إنها تُنجينا من عذاب النار ، فإذا أغفلناها فلا يعلم أحد ماذا يصيبنا من عذاب".
على أن الأرفية كان فيها بالرغم من هذا اتجاهات مثالية هي التي أدت إلى الفلسفة الأخلاقية والرهبنة في المسيحية. ذلك أن ما كان يُعزى إلى آلهة أولمبس من انحلال خلقي واستهتار قد حل محله قانون صارم للسلوك ؛ وثُلَ عرش زيوس الجبار شيئاً فشيئاً وحلت محله شخصية أرفيوس الظريفة بنفس الطريقة التي ثُلَ بها عرش يهوه ليحل محله المسيح فيما بعد. ودخلت في التفكير اليوناني فكرة الخطيئة والضمير والنظرة الثنائية إلى الجسم والروح ، التي تقول إن الجسم خبيث وإن الروح مقدس ، وصار إخضاع الجسم أهم أغراض الدين كما صار شرطاً لخلاص الروح. ولم يكن لطائفة الإخوان الأرفيين نظام ديني أو حياة خاصة بمعزل عن حياة الناس ، وكل ما كان يميزهم عن غيرهم ثيابهم البيضاء وامتناعهم عن أكل اللحم ، وتقشفهم إلى درجة لم تكن مما يتفق عادة مع الحياة اليونانية ، وملاك القول أنهم كانوا يمثلون في اليونان إصلاحاً كإصلاح المتطهرين من عدة وجوه. وكان لهذه الطائفة أثر بعيد طويل ؛ ولعل الفيثاغوريين قد أخذوا منها طعامهم ولباسهم ونظريتهم في تقمص الأرواح. ومما هو جدير بالذكر أن أقدم ما لدينا من الوثائق الأرفية قد وجدت في جنوبي إيطاليا. وكان أفلاطون يعتقد بنظريتها في تعارض الجسم والروح ، وبنزعتها التزمتية ، وبأملها في الخلود ، وفي وسعنا أن نرجع بعض ما في الرواقية من زهد ومن وحدة الله والكون إلى أصل أرفي ، وقد كان في حوزة رجال الأفلاطونية الجديدة بالإسكندرية مجموعة كبيرة من الكتابات الأرفية اتخذوها أساساً للاهوتهم وطقوسهم وتصوفهم. كذلك أثرت فكرة النار والمطهر والجنة ، وتعارض الجسم والروح ، والابن المقدس الذي قتل ثم ولد من جديد ، والعشاء الرباني وهو أكل جسم الإله ودمه وقدسيته ، أثرت هذه كلها من قرب أو من بعد في المسيحية التي كانت هي نفسها ديناً ذا طقوس ومراسم خفية ، فيها الكفّارة والأمل والوحدة التصوفية وتحرر الروح ، ولا تزال الأفكار والعبادات التي تشتمل عليها الديانة الأرفية منتشرة بيننا في هذه الأيام.